الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

خلاف العلماء في القبض أو الإرسال بعد الرفع من الركوع محتمل لا مجال فيه للتبديع أو التضليل

السؤال

ما هو الدليل على قبض اليد في الصلاة عامة و بعد الركوع خاصة، وما هو وجه الاختلاف وهل هذا الاختلاف في القبض والإرسال كان من الصحابة رضوان الله عليهم أو بعدهم . وإن كانت الكيفيتان كلتاهما ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأيتهما كانت أكثر استعمالا. أريد منكم التفصيل في هذا الموضوع من فضلكم؟

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فجماهيرُ أهل العلم قالوا بمشروعية القبضِ في الصلاة وهو وضع اليمنى على اليسرى وإن اختلفوا في موضعه، هل هو تحت السرةِ أو فوقها أو فوق الصدر، ولم يقل بإرسال اليدين قبل الركوع إلا كثيرٌ من المالكية، واختلف النقل عن مالك في ذلك.

فقال ابن عبد البر وهو من كبار المالكية: لم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه خلاف وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين وهو الذي ذكره مالك في الموطأ ولم يحك ابن المنذر وغيره عن مالك غيره. انتهى.

وقد أثبتت كراهة وضع اليمين على الشمال في الفريضة عن مالك بن القاسم في المدونة ووجهها كثير من المالكية أنه إنما منها على سبيل الاعتماد.

وأدلةُ مشروعية القبض كثيرة فمنها ما جاء عن سهل بن سعد قال: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجلُ اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة. رواه البخاري.

وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنا معشر الأنبياء أُمرنا أن نؤخر سحورنا ونعجل فطرنا، وأن نمسك بأيماننا على شمائلنا في صلاتنا .أخرجه ابن حبان في الصحيح.

وروى أحمد ومسلم عن وائل بن حجر رضي الله عنه: أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه حين دخل في الصلاة وكبر، ثم التحف بثوبه، ثم وضع اليمنى على اليسرى، فلما أراد أن يركع أخرج يديه ثم رفعهما وكبر فركع فلما قال سمع الله لمن حمده رفع يديه فلما سجد سجد بين كفيه.

وفي رواية لأحمد وأبي داود: ثم وضع يده اليمنى على كفه اليسرى والرسغ والساعد.

وروى ابن خزيمة عن وائل بن حجر رضي الله عنه قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره. صححه الألباني.

ولم يختلف العلماء في أن هذا القبض سنةٌ لا واجب فلا تبطل الصلاة بتركه، واختار الشوكاني الوجوب وهو محجوجٌ بالإجماع.

إذا علمتَ هذا فاعلم أن العلماء اختلفوا هل يُشرع هذا القبض بعد الرفع من الركوع أو لا ؟ فمن نظر إلى عموم الأدلة وأنها لم تفرق بين قيامٍ وقيام قال بمشروعية القبض قبل الركوعِ وبعده، ومن لم يلتفت إلى هذا العموم وطلب دليلاً خاصاً على مشروعية القبض بعد الرفع من الركوع فلم يجد فقال بعدم مشروعية القبض بعد الرفع من الركوع.

وبالقول الأول وهو مشروعية القبض، قال جماعةٌ من العلماء من المتقدمين والمتأخرين، وظاهر كلام أبي محمد بن حزم في المحلى أنه يختار هذا القول، وبه قال جماعةٌ من الحنابلة واستحبه القاضي أبو يعلى، وظاهرُ نص أحمد كما في الإنصاف التخييرُ بين القبض وعدمه.

وأفتي الفقيه ابن حجر الهيتمي وهو من كبار الشافعية بمشروعية القبض بعد الرفع من الركوع.

جاء في الفتاوي الكبرى لابن حجر الهيتمي: سئل رحمه الله: هل يضع المصلي يديه حين يأتي بذكر الاعتدال كما يضعهما بعد التحرم أو يرسلهما ؟ فأجاب بقوله : الذي دل عليه كلام النووي في شرح المهذب أنه يضع يديه في الاعتدال كما يضعهما بعد التحرم وعليه جريت في شرحي على الإرشاد وغيره. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. انتهى.

وانتصر لهذا القول العلامة ابن عثيمين في الشرح الممتع وقرره شيخه العلامة ابن باز في فتاواه. ونص كثيرٌ من العلماء كذلك على أن المشروع بعد الرفع من الركوع هو الإرسال، وبالجملة فالخلافُ في هذه المسألة واسع فليس فيها تبديع ولا تضليل، وانظر الفتوى رقم: 14840، والفتوى رقم: 74043.

ولا نعلمُ أثراً خاصاً عن أحد الصحابة في هذه المسألة، ولعل عمومات الأحاديث تدلُ على أن الذي كان يفعله صلى الله عليه وسلم هو القبض.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني