الثلاثاء 1 ربيع الأول 1436

المركز الأول في فئة المحتوى الإلكتروني - مسقط 2009




حكم دعاء الوسيلة بعد الإقامة

الأحد 5 رجب 1430 - 28-6-2009

رقم الفتوى: 124008
التصنيف: أحكام الإقامة

 

[ قراءة: 15967 | طباعة: 257 | إرسال لصديق: 1 ]

السؤال

نريد القول الفصل في هذه المسألة: الدعاء الذي يقوله بعض أئمة المساجد بعد إقامة الصلاة وقبل الصلوات المفروضة وهو اللهم ربّ هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة....الخ..
وهناك بعض الأئمة لا يقولون هذا الدعاء، مثل أئمة الحرمين وغيرهم.
السؤال : ما أدلة الذين يقولون، والذين لا يقولون؟ وهل كان النبي صلى الله عليه وسلم قبل كل صلاة يقول هذا الدعاء أم لا ؟ الذي نعرفه أن الوارد عنه أنه كان فقط يأمرهم بتسوية الصفوف وسد الخلل ... والذين يقولون هذا الدعاء استنبطوا من حديث /ما بين كل أذانين صلاة/ فاعتبروا الإقامة كالأذان وهذا اجتهاد منهم، فهل هذا الاجتهاد المستنبط من حديث يقدم هنا أم فعل النبي صلى الله عليه وسلم والثابت عنه أنه لم يقل هذا الدعاء؟ وما القول الراجح في هذا الأمر، والمؤيد بالأدلة الصريحة الواضحة، أن يقول إمام المسجد هذا الدعاء أم لا؟

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فقبل الشروع في جواب مسألتك نحبُ أن ننبهك على قاعدة مهمة ، وهي أن السنة لا يلزمُ في ثبوتها أن يتوارد عليها القول والفعل، بل من السنن ما ثبت بقوله صلى الله عليه وسلم دون فعله ، ومنها ما ثبت بفعله دون قوله ، ومنها ما ثبت بالقول والفعل معاً ، ومن السنن ما يثبتُ بإقراره صلى الله عليه وسلم لفاعلها، كما هو مبسوط مبين في كتب الأصول. ومن السنن الثابتة بقوله صلى الله عليه وسلم الذكر المسؤول عنه عقب الأذان ففي البخاري: من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وأبعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة. رواه البخاري.

وقد اختلف الفقهاء في سنية هذا الدعاء عقب الإقامة بناء على اختلاف فهمهم لحديث ( بين كل أذانين صلاة ) متفق عليه، فقال كثيرٌ منهم : إنه سمى الإقامة أذاناً فدل على أنه يُشرع فيه من ترديدها والذكر بعدها ، ومنه الدعاء المسؤول عنه ما هو مشروعٌ عقب الأذان،

قال ابن حجر الهيتمي: لم أر من قال بندب الصلاة والسلام أول الإقامة وإنما الذي ذكره أئمتنا أنهما سنتان عقب الإقامة كالأذان ثم بعدهما: اللهم رب هذه الدعوة التامة. انتهى

وقال الخطيب الشربيني: ( و ) يسن ( لكل ) من مؤذن وسامع ومستمع قال شيخنا ومقيم ولم أره لغيره ( أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ) ويسلم أيضا لما مر من أنه يكره إفرادها عنه ( بعد فراغه ) من الأذان أو الإقامة على ما مر لقوله صلى الله عليه وسلم إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ( ثم ) يقول ( اللهم ) أصله يا الله حذفت منه يا وعوض عنه الميم ولهذا لا يجوز الجمع بينهما ( رب هذه الدعوة ) بفتح الدال أي الأذان أو الإقامة على ما مر ( التامة . انتهى.

وقال جماعةٌ من أهل العلم إنه إنما سمى الإقامة أذاناً على جهة التغليب ، كما يُقال للشمس والقمر القمران، وللتمر والماء الأسودان ونظائر ذلك ، وليس يلزم من هذا أن تكون للإقامة أحكام الأذان من ترديدها والذكر بعدها ، بل هذا يفتقر إلى دليل يخصه ، وإذ لا دليل ثمّ فيبقى الأصل وهو عدم المشروعية ، لأن مبنى العبادات على التوقيف ، وممن رجح هذا القول العلامة العثيمين رحمه الله.

 قال رحمه الله: والقول الراجح : أنه لا يقول شيئاً ، ولا يتابع المقيم ، ولا يدعو بدعاء الأذان . انتهى.

ورجح هذا القول أيضاً العلامة بكر أبو زيد رحمه الله في كتابه النافع تصحيح الدعاء ، فالمسألة كما رأيت كغيرها من مسائل العلم التي يسوغ فيها الخلافُ بين العلماء ، ومن ترجح له أحد القولين عمل به ، ومن لم يترجح له شيءٌ قلد من يثق به من العلماء، والمفتى به عندنا هو مشروعية قول هذا الذكر بعد الإقامة وانظر الفتوى رقم: 9391.

وقد رجح هذا القول أيضاً جمعً من العلماء المعاصرين.

 فقد جاء في فتاوى اللجنة: السنة أن المستمع للإقامة يقول كما يقول المقيم؛ لأنها أذان ثان فتجاب كما يجاب الأذان، ويقول المستمع عند قول المقيم: (حي على الصلاة، حي على الفلاح) لا حول ولا قوة إلا بالله، ويقول عند قوله: (قد قامت الصلاة) مثل قوله، ولا يقول: أقامها الله وأدامها؛ لأن الحديث في ذلك ضعيف، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول وهذا يعم الأذان والإقامة، لأن كلا منهما يسمى أذانا. ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بعد قول المقيم (لا إله إلا الله) ويقول: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة... إلخ كما يقول بعد الأذان. انتهى.

و قال الألباني في الثمر المستطاب: وعلى من يسمع الإقامة مثل ما على من يسمع الأذان من الإجابة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وطلب الوسيلة له كما سبق بيانه في المسألة من الأذان وذلك لعموم قوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول . . . ) الحديث ولأن الإقامة أذان لغة وكذلك شرعا لقوله صلى الله عليه وسلم : ( بين كل آذانين صلاة ) يعني أذانا وإقامة )

 قال الحافظ في شرح الحديث : أي أذان وإقامة . قال :  وتوارد الشراح على أن هذا من باب التغليب كقولهم : القمرين للشمس والقمر ويحتمل أن يكون أطلق على الإقامة أذان لأنها إعلام بحضور فعل الصلاة كما أن الأذان إعلام بدخول الوقت ولا مانع من حمل قوله : ( أذانين ) على ظاهره ) . وعلى هذا جرى الإمام ابن حزم فإنه فهم من قوله عليه السلام : ( فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم . . . ) الحديث وقد مضى فهم منه أن الإقامة داخلة في هذا الأمر بدليل الحديث الذي نحن في صدد الكلام عليه" انتهى.

ثم ننبه على أن هذا الذكر وإن كان مشروعاً لكنه لا يُجهر به فالأصل في الذكر والدعاء الإسرار والمخافتة ، قال تعالى: ادعوا ربكم تضرعا وخفية {الأعراف:55}

قال ابن تيمية : وأما سوى التأذين ... من تسبيح وتشييد ، ورفع الصوت بدعاء ونحو ذلك ...ليس بمسنون عند الأئمة ، بل قد ذكر طائفة من أصحاب مالك ، والشافعي ، وأحمد أن هذا من جملة البدع المكروهة. انتهى.

والله أعلم.