الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حكم دعوة الناس للعبادة وإجراء مسابقة لذلك

السؤال

إذا عاهدت نفسي أو نذرت أصوم 15 يوما الأولى من شعبان مع قيام ليلها 11 ركعة، وختم القرآن الكريم، والمواظبة على صلاة الصبح في المسجد. هل يعتبر هذا العمل بدعة أو فيه أي مخالفة لشرع الله؟ وهل يجوز أن أشرك معي إخوتي في الله من باب المنافسة في الطاعة وأعمل تحديا بينهم على تنفيذ ذلك البرنامج من صيام وقيام؟

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فإن الصيام في شعبان مشروع، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يصوم في شهر كما كان يصوم في شعبان. وسأله أسامة بن زيد كما عند النسائي بسند حسن عن سر إكثاره من الصيام في شعبان، فقال: ذاك شهر يغفل عنه الناس بين رجب ورمضان، ترفع الأعمال فيه إلى الله عز وجل، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم. والقيام بإحدى عشرة ركعة مشروع لقول عائشة رضي الله عنها: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة. متفق عليه.

وقراءة القرآن وختمه ممّا لا شك في مشروعيته وعظيم فضله، وصلاة الصبح في المسجد من أهم خصال أهل الإيمان في شعبان وغيره، وقد أوجب بعض أهل العلم الجماعة في المسجد، فظهر لك أن جميع ما ذكرته ممّا نذرته أو عاهدت نفسك على فعله من الأمور المشروعة التي يثاب فاعلها، وليس ذلك من البدع بحال، وقد بين ابن رجب في لطائف المعارف أن السلف رحمهم الله كانوا يجتهدون في الطاعات في شعبان تأهبا لرمضان، ومن ثم فالواجب عليك الوفاء بهذا النذر إذا كنت قد تلفظت به بلسانك، لقوله صلى الله عليه وسلم: من نذر أن يطيع الله فليطعه .أخرجه البخاري.

وأما دعوتك إخوانك إلى هذا وإجراؤك ما يشبه المسابقة بينهم فلا نرى أن تفعله، فإن الأصل في العبادات أن يجتهد المسلم في إخفائها حرصا على تحصيل الإخلاص وسدا لباب الرياء، قال تعالى: ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ. {الأعراف: 55}.

ونقل ابن كثير في تفسيرها عن الحسن قال: إنْ كانَ الرجل لقد جمع القرآن، وما يشعر به الناس. وإن كان الرجل لقد فقُه الفقه الكثير، وما يشعر به الناس. وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزُّوَّر وما يشعرون به. ولقد أدركنا أقوامًا ما كان على الأرض من عمل يقدرون أن يعملوه في السر، فيكون علانية أبدا. ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء، وما يُسمع لهم صوت، إن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله تعالى يقول: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ. وذلك أن الله ذكر عبدًا صالحا رَضِي فعله فقال: إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا. [ مريم:3 ].

وقد دلت النصوص الشرعية على مشروعية إظهار العمل الصالح، فمن يأمن على نفسه من الرياء وكان محلا للاقتداء ليقتدي به الآخرون في الخير، ولكن هذه مرتبة قد يعسر تحقيقها في حق كثير من الناس.

ومن ثم فالذي ننصحك به هو أن تذكر إخوانك بفضيلة الطاعات في هذه المواسم المباركة، وتحثهم على الاجتهاد في العبادات في شعبان تأهبا لرمضان، وتدعوهم إلى بذل الوسع فيما يقربهم إلى ربهم جل وعلا، وفقنا الله وإياك لما فيه مرضاته.

والله أعلم.


مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني