الأحد 6 ذو القعدة 1435

المركز الأول في فئة المحتوى الإلكتروني - مسقط 2009




شرح حديث (إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها..)

الثلاثاء 28 جمادي الأولى 1431 - 11-5-2010

رقم الفتوى: 135420
التصنيف: الأمراض النفسية والوساوس

 

[ قراءة: 26015 | طباعة: 240 | إرسال لصديق: 0 ]

السؤال

إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم.

أيها الأخوة الكرام سؤالي يتمحور حول هذا الحديث الشريف، هل المقصود أن كل ما يطرأ أو يعرض أو يتحدث به العبد مع نفسه سواء ما قد يوسوس به الشيطان للعبد من تخيل الذات الإلهية أو تصور بعض صفات الله جل في علاه وتكييفها بالخيال، أو ما قد يطرأ في لحظات الضعف البشري في موقف من المواقف أو لحظات ضعف الإيمان، فيحدث الشخص نفسه والعياذ بالله بما يرعب الحجر تجاه ربه. هل هذه الأشياء جميعها وغيرها مشمولة في هذا الحديث؟ أم أن الإنسان محاسب على أشياء ويأثم عليها ومعرض للعقوبة في حال حدثت بها نفسه؟ وبالنسبة لصفة العمل المنوه عنها في الحديث هل يدخل فيها ما ينتج عن شديد الامتعاض من جراء ما قد يتخيله الشخص أو تحدث به نفسه من المشين، فقد تطرأ منه حركات تدل على الامتعاض مثل تغير ملامح الوجه أو وضع اليد على الفم أو قول كلمة أف في حال تغلبت عليه تلك التخيلات والأحاديث النفسية المشينة تجاه الذات الإلهية. فهل بهذه الأعمال يصبح آثما ويستوجب العقوبة؟ وخصوصا إذا غلبه الشيطان رغم تكرار الاستعاذة؟

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فالوسوسة وحديث النفس شيء يهجم على القلب بغير اختيار الإنسان، ومن فضل الله تعالى ورحمته أن تجاوز عن ذلك ما لم يعمل به أو يتكلم، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست أو حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم. رواه البخاري ومسلم.

 قال النووي في (الأذكار): الخواطر وحديث النفس إذا لم يستقر ويستمر عليه صاحبه فمعفو عنه باتفاق العلماء؛ لأنه لا اختيار له في وقوعه ولا طريق له إلى الانفكاك عنه. وهذا هو المراد بما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل. قال العلماء: المراد به الخواطر التي لا تستقر. قالوا: وسواء كان ذلك الخاطر غيبة أو كفرا أو غيره، فمن خطر له الكفر مجرد خطران من غير تعمد لتحصيله ثم صرفه في الحال فليس بكافر ولا شيء عليه اهـ.

وقال العز بن عبد السلام في (قواعد الأحكام): لا أعرف في الوجود شيئا أكثر تقلبا في الأوصاف والأحوال من القلوب، لكثرة ما يرد عليها من الخواطر والقصود، والكراهة والمحبة، والكفر والإيمان، والخضوع والخشوع، والخوف والرجاء، والأفراح والأحزان، والانقباض والانبساط، والارتفاع والانحطاط، والظنون والأوهام، والشكوك والعرفان، والنفور والإقبال، والسآمة والملال، والخسران والندم، واستقباح الحسن واستحسان القبيح، ولكثرة تقلبها كان عليه السلام يقول: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك". وكانت يمينه: "لا، ومقلب القلوب"، وسمي القلب قلبا لتقلبه من حال إلى حال، ولا عقاب على الخواطر، ولا على حديث النفس لغلبتها على الناس، ولا على ميل الطبع إلى الحسنات والسيئات، إذ لا تكليف بما يشق اجتنابه مشقة فادحة، ولا بما لا يطاق فعله ولا تركه اهـ.

ونقل عنه السيوطي في حاشيته على سنن النسائي أنه قال: حديث النفس الذي يمكن رفعه لكن في دفعه مشقة لا إثم فيه؛ لهذا الحديث. وهذا عام في جميع حديث النفس اهـ.

وبهذا يتبين للسائل أن هذا الحديث يشمل وسوسة الشيطان وحديث النفس وجميع الخواطر الواردة على القلب، مهما كان فحشها وشناعتها، وقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن أحدنا يجد في نفسه يعرض بالشيء لأن يكون حممة أحب إليه من أن يتكلم به ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة. رواه أبو داود وأحمد، وصححه الألباني.

وهذا العفو عن مثل هذه الخواطر وحديث النفس يظل باقيا ما دامت في تلك الحدود كما سبق عن النووي في قوله: الخواطر وحديث النفس إذا لم يستقر ويستمر عليه صاحبه فمعفو عنه.. اهـ.

ونقل السيوطي عن العز أنه قال: الذي في النفس على قسمين: وسوسة، وعزائم. فالوسوسة هي حديث النفس وهو المتجاوز عنه فقط، وأما العزائم فكلها مكلف بها اهـ.

وقد سبق لنا بيان الفرق بين الشك والوسوسة في الفتوى رقم: 120582.

وأما السؤال عن صفة العمل المنوه عنها في الحديث، على تعبير السائل، فجوابه: أن عمل كل شيء بحسبه، فالقلب عمله الاعتقاد والعزم، واللسان عمله النطق بالكلام، والجوارح عملها معروف، ويوضح المراد به قول النبي صلى الله عليه وسلم: كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة، فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطا، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج ويكذبه. متفق عليه.

فبيَّن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: العمل الذي تؤاخذ عليه كل جارحة من الجوارح، وأنه بحسب وظيفتها.

وإذا تبين هذا، فالذي يعني السائل بالأساس هنا: أن يعلم أن الوسوسة إذا لم تجد تقبلا واستقرارا في القلب، ولم ينطق اللسان ولم تتحرك الجوارح بما يعني ثبات هذا الوارد، فالعفو قائم بفضل الله.

 وأما ما ذكره السائل الكريم من تغير ملامح الوجه أو وضع اليد على الفم أو التأفف، فهذا كله يدل على كراهته ونفوره وانزعاج قلبه من هذه الخواطر والوساوس الشيطانية، وهذا بدوره يدل على صحة الاعتقاد وقوة الإيمان، لا العكس كما يتصوره السائل، فقد جاء ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به؟ قال: وقد وجدتموه؟ قالوا: نعم، قال: ذاك صريح الإيمان. رواه مسلم.

 قال النووي: معناه: استعظامكم الكلام به هو صريح الإيمان، فإن استعظام هذا وشدة الخوف منه، ومن النطق به، فضلا عن اعتقاده، إنما يكون لمن استكمل الإيمان استكمالا محققا وانتفت عنه الريبة والشكوك اهـ. وراجع في ذلك الفتويين رقم: 7950، 12300.

ولذلك، فإنا نوصي السائل بأن يطرح هذه الأفكار عن نفسه ولا يسترسل معها، ولا يجعل للشيطان عليه سبيلا، فإن الوسوسة مرض شديد وداء عضال، والاسترسال معها يوقع المرء في الحيرة والشك المرضي، والضيق والحرج الشرعي.

وعليه أن يكثر من الدعاء واللجوء إلى الله تعالى ليصرف عنه ما يجد، وأن يكثر من ذكر الله ويشغل نفسه بما ينفعها في أمر دينه ودنياه. وقد سبق لنا التنبيه على سبل التخلص من الوسوسة وعلاجها في عدة فتاوى، منها الفتاوى ذوات الأرقام التالية: 3086، 60628، 2081، 78372.

والله أعلم.


مواد ذات صلة في المحاور التالية

لا يوجد صوتيات ذات صلة