الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أسباب عدم السماح لولي المقتول باستيفاء القصاص دون الرجوع إلى الحاكم

السؤال

السلام عليكم و رحمتة الله و بركاتهقام أحد الأشخاص بإطلاق النار على شاب فقتله فورا إثر خلافات قديمة بين العائلات، فهل يحق لإخوة القتيل قتل القاتل، علما بأنهم يعيشون في بلد لا تطبق فيه أحكام الشريعة وتخضع المحاكمات للقانون الفرنسي وتلاعب المحامين وفي أغلب الظن سيحكم على القاتل بسبع سنوات سجن على الأرجح. و جزاكم الله خيرا

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:

فيقول الله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة:179].
فتحكيم الشرعية الإسلامية من أعظم أسباب الأمن والاستقرار في المجتمعات، وقد اهتمت الشريعة بحفظ النفوس وحمايتها من الجناية والعدوان، وشرعت لذلك عقوبة رادعة وهي القصاص.
والقصاص حياة لما فيه من ردع الجاني عن التفكير في القتل، لعلمه أنه سيقتص منه بذلك.
وحين يُحرم الناس من نعمة تطبيق الحدود الشرعية، ينتشر الثأر الجاهلي، ويكثر القتل، ويفشو الظلم، ويصبح ولي المقتول يرى القاتل حياً آمناً لم يصبه إلا سجن أو غرامة لا تكفي بحالٍ للردع ولا للزجر، فسبحان من خلق النفوس، وشرع لها ما يصلحها: (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الملك:14].
ومن ابتلي من المسلمين بالعيش في بلد لا يطبق أحكام الشريعة، ثم اعتدي عليه، لم يكن له أن يستوفي القصاص بنفسه لما يلي:
1/ أن من أجاز للولي أن يستوفي القصاص بنفسه، اشترط أن يكون ذلك بحضرة السلطان أو نائبه، لأن رغبة التشفي قد تدعو للحيف والجور.
ولهذا قرر كثير من الفقهاء أن من استوفى القصاص بنفسه دون رجوع إلى الحاكم، فللحاكم أن يعزره لافتياته عليه وتعديه.
2/ أن تنفيذ القصاص عن طريق السلطان أو نائبه يحقق مقصود القصاص الذي هو حفظ النفوس، بخلاف ما لو جرى استيفاء القصاص بعيداً عن سلطة القضاء، فإنه يدعو غالباً إلى استمرار القتل، وطلب الثأر.
3/ أن إناطة هذا الأمر بالقضاء تحقق العدل، وترفع الظلم، فإن القصاص لا يثبت إلا بعد تحقق القتل العمد الواقع عدواناً، وثبوت ذلك بالإقرار أو البينة المعتمدة.
ولو ترك هذا لأولياء المقتول بعيداً عن القضاء لأمكن إيقاع القصاص على من لا يستحقه، كأن يكون القتل وقع خطأ، أو بشبهة، وكأن تكون البينة مما لا يعتمد على مثلها في هذا الأمر الخطير.
4/ أنه يشترط لتنفيذ القصاص اتفاق الأولياء عليه، وقد يكون فيهم الصغير الذي يجب انتظار معرفة رأيه بعد بلوغه، وقد يكون في الأولياء من لو عرضت عليه الدية عن طريق القضاء لقبل بها، وتنازل عن حقه في القصاص، وهذه الأمور تفوت كلها أو يفوت شيء منها حين يوكل الأمر إلى أولياء المقتول بعيداً عن السلطان.
5/ أن إقدام أولياء المقتول على تنفيذ القصاص في بلدة لا تحكم بالشريعة يعرضهم للسجن، وربما للقتل، وفي هذا إضرار بالنفس، وتعريض لها للعقوبة الجائرة، والأصل أنه لا ضرر ولا ضرار.
ولهذا ينبغي نصح أولياء المقتول بالصبر والاحتساب، وعسى أن يأتي الله بفرج من عنده، فهو القادر على كل شيء سبحانه.
والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني