الخميس 3 ذو القعدة 1435

المركز الأول في فئة المحتوى الإلكتروني - مسقط 2009




أفضل الأعمال الصالحة وأفضل المكاسب

الأحد 11 رجب 1432 - 12-6-2011

رقم الفتوى: 158421
التصنيف: أمثال فضائل الأعمال

 

[ قراءة: 28575 | طباعة: 735 | إرسال لصديق: 0 ]

السؤال

لقد قرأت درسا لشيخ في الشبكة الإسلامية، وقال إن أفضل الناس الأنبياء ثم العلماء ثم المجاهدون، وقرأت له في درس آخر أن العلماء مختلفون في أيهما يكون أفضل العلماء أم المجاهدون بعد اتفاقهم أن العلماء والمجاهدين هم أفضل الناس، لكن الجمهور على أن العلماء أفضل. والسؤال الآن أن العلماء اتفقوا أن العلماء والمجاهدين أفضل الناس بعد الأنبياء، ولكن هل العلماء فضلوا صنفا رابعا وخامسا وسادسا إلخ مثل الأطباء والساسة مثلا ليكون أفضل الناس بعد الأنبياء والعلماء والمجاهدين؟ أم لم يفضلوا أحدا بعد الأصناف الثلاثة، وقالوا أفضل الناس الأنبياء ثم العلماء ثم المجاهدون، ثم سائر الناس وسكتوا؟ وإن لم يفضل أحد من العلماء من القديم والحديث وفضلوا السكوت في هذا الأمر، هل تستطيعون التفضيل بينهم؟ لأني قرأت أنكم تحملون شهادات عليا في الدين، وأنا أعرف أن باب الاجتهاد مفتوح إلى يوم القيامة، وأريد الإجابة ضروريا جدا جدا. وإن لم يمكن بأي حال من الأحوال التفضيل بعد الأصناف الثلاثة، ولكن توجد أصناف تفضل بعدهم، وإن كان فضل العلماء قبل ذلك، فأرجو ذكر الأصناف. وإن كان فيه اختلاف فأرجو ذكر الأقوال المختلف فيها، وما عليه الأغلبية أو الجمهور مثل ما قال الشيخ في الدرس.

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:
فإن التفاضل بين الناس يكون بحسب أعمالهم، فالأعمال التعبدية أفضلها الإيمان ثم الصلاة وبقية الأركان بالنسبة للفروض العينية.
وأما الفروض الكفائية فأفضلها الجهاد والعلم، وقد يكون أحدهما أفضل في بعض الأحيان بحسب حال العبد وحاجة الأمة. ففي تحفة المحتاج لابن حجر الهيتمي: وأفضل عبادات البدن بعد الشهادتين الصلاة ففرضها أفضل الفروض ونفلها أفضل النوافل، ولا يرد طلب العلم وحفظ القرآن لأنهما من فروض الكفايات، ويليها الصوم فالحج فالزكاة على ما جزم به بعضهم، وقيل أفضلها الزكاة وقيل الصوم وقيل الحج وقيل غير ذلك. انتهى.
وقد وردت أحاديث تعيِّن أفضل الأعمال عن عدد من الصحابة بروايات مختلفة:
ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قال: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قال: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور.
ولهما عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ قال: الإيمان بالله والجهاد في سبيل الله.
ولهما أيضاً عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أفضل الأعمال أو العمل: الصلاة لوقتها، وبر الوالدين.
وروى مسلم والترمذي عن أبي قتادة رضي الله عنه: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قام فيهم فذكر لهم أن الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال.
وقد ذكر أهل العلم أن اختلاف الروايات إنما جاء لاختلاف أحوال السائلين، فأجاب صلى الله عليه وسلم كل سائل بما هو أصلح له، علم بهذا أن الأفضلية تكون باختلاف الأوقات والأحوال والأشخاص، فقد يكون الجهاد مثلا أفضل في وقت، ويكون الحج أفضل في أوقات أخرى. وأما الإيمان بالله وبرسوله فهو أفضل من جميع تلك الأعمال، لأنها تابعة له. 
قال في تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي: قال الحافظ: محصل ما أجاب به العلماء عن هذا الحديث وغيره مما اختلفت فيه الأجوبة بأنه أفضل الأعمال أن الجواب اختلف لاختلاف أحوال السائلين بأن أعلم كل قوم بما يحتاجون إليه، أو بما لهم فيه رغبة، أو بما هو لائق بهم، أو كان الاختلاف باختلاف الأوقات بأن يكون العمل في ذلك الوقت أفضل منه في غيره، فقد كان الجهاد في ابتداء الإسلام أفضل الأعمال، لأنه الوسيلة إلى القيام بها والتمكن من أدائها، وقد تضافرت النصوص على أن الصلاة أفضل من الصدقة، ومع ذلك ففي وقت مواساة المضطر تكون الصدقة أفضل، أو أن أفضل ليست على بابها، بل المراد بها الفضل المطلق، أو المراد من أفضل الأعمال فحذفت من وهي مرادة. انتهى.
 وقال ابن دقيق العيد في إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام:
 وقد اختلفت الأحاديث في فضائل الأعمال، وتقديم بعضها على بعض، والذي قيل في هذا: إنها أجوبة مخصوصة لسائل مخصوص، أو من هو في مثل حاله، أو هي مخصوصة ببعض الأحوال التي ترشد القرائن إلى أنها المراد، ومثال ذلك: أن يحمل ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم من قوله: ألا أخبركم بأفضل أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم؟. وفسره بذكر الله تعالى على أن يكون ذلك أفضل الأعمال بالنسبة إلى المخاطبين بذلك، أو من هو في مثل حالهم، أو من هو في صفاتهم، ولو خوطب بذلك الشجاع الباسل المتأهل للنفع الأكبر في القتال لقيل له "الجهاد" ولو خوطب به من لا يقوم مقامه في القتال ولا يتمحض حاله لصلاحية التبتل لذكر الله تعالى، وكان غنياً ينتفع بصدقة ماله لقيل له "الصدقة" وهكذا في بقية أحوال الناس، قد يكون الأفضل في حق هذا مخالفاً في حق ذاك، بحسب ترجيح المصلحة التي تليق به. انتهى.
وقال الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ في (مدارج السالكين) ما ملخصه:
أهل مقام (إياك نعبد) لهم في أفضل العبادة وأنفعها وأحقها بالإيثار والتخصيص أربع طرق، فهم في ذلك أربعة أصناف:
ـ الصنف الأول: عندهم أنفع العبادات وأفضلها أشقها على النفوس وأصعبها.
ـ الصنف الثاني: قالوا: أفضل العبادات التجرد والزهد في الدنيا.
ـ الصنف الثالث: رأوا أن أنفع العبادات وأفضلها ما كان فيه نفع متعد، فرأوه أفضل من ذي النفع القاصر، فرأوا خدمة الفقراء، والاشتغال بمصالح الناس وقضاء حوائجهم ومساعدتهم بالمال والجاه والنفع أفضل.
ـ الصنف الرابع: قالوا: إن أفضل العبادة العمل على مرضاة الرب في كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته، فأفضل العبادات في وقت الجهاد الجهاد، وإن آل إلى ترك الأوراد من صلاة الليل وصيام النهار، بل ومن ترك إتمام صلاة الفرض كما في حالة الأمن. والأفضل في وقت حضور الضيف مثلا القيام بحقه والاشتغال به عن الورد المستحب. وكذلك في أداء حق الزوجة والأهل. والأفضل في أوقات السحر الاشتغال بالصلاة والقرآن والدعاء والذكر والاستغفار. والأفضل في وقت استرشاد الطالب وتعليم الجاهل الإقبال على تعليمه والاشتغال به. والأفضل في أوقات الأذان ترك ما هو فيه من ورده والاشتغال بإجابة المؤذن. والأفضل في أوقات الصلوات الخمس الجد والنصح في إيقاعها على أكمل الوجوه والمبادرة إليها في أول الوقت والخروج إلى الجامع وإن بعد كان أفضل. والأفضل في أوقات ضرورة المحتاج إلى المساعدة بالجاه أو البدن أو المال الاشتغال بمساعدته وإغاثة لهفته وإيثار ذلك على أورادك وخلوتك. والأفضل في وقت قراءة القرآن جمعية القلب والهمة على تدبره وتفهمه حتى كأن الله تعالى يخاطبك به... والأفضل في وقت الوقوف بعرفة الاجتهاد في التضرع والدعاء والذكر دون الصوم المضعف عن ذلك. والأفضل في أيام عشر ذي الحجة الإكثار من التعبد لا سيما التكبير والتهليل والتحميد فهو أفضل من الجهاد غير المتعين. والأفضل في العشر الأخير من رمضان لزوم المسجد فيه والخلوة والاعتكاف دون التصدي لمخالطة الناس والاشتغال بهم، حتى إنه أفضل من الإقبال على تعليمهم العلم وإقرائهم القرآن عند كثير من العلماء. والأفضل في وقت مرض أخيك المسلم أو موته عيادته وحضور جنازته وتشييعه وتقديم ذلك على خلوتك وجمعيتك. والأفضل في وقت نزول النوازل وأذية الناس لك أداء واجب الصبر مع خلطتك بهم دون الهرب منهم؛ فإن المؤمن الذي يخالط الناس ليصبر على أذاهم أفضل من الذي لا يخالطهم ولا يؤذونه. والأفضل خلطتهم في الخير فهي خير من اعتزالهم فيه، واعتزالهم في الشر فهو أفضل من خلطتهم فيه، فإن علم أنه إذا خالطهم أزاله أو قلله فخلطتهم حينئذ أفضل من اعتزالهم. فالأفضل في كل وقت وحال إيثار مرضاة الله في ذلك الوقت والحال، والاشتغال بواجب ذلك الوقت ووظيفته ومقتضاه. وهؤلاء هم أهل التعبد المطلق، والأصناف قبلهم أهل التعبد المقيد، فمتى خرج أحدهم عن النوع الذي تعلق به من العبادة وفارقه يرى نفسه كأنه قد نقص وترك عبادته، فهو يعبد الله على وجه واحد، وصاحب التعبد المطلق ليس له غرض في تعبد بعينه يؤثره على غيره، بل غرضه تتبع مرضاة الله تعالى أين كانت، فمدار تعبده عليها فهو لا يزال متنقلا في منازل العبودية، كلما رفعت له منزلة عمل على سيره إليها واشتغل بها حتى تلوح له منزلة أخرى .. اهـ. إلى آخر ما قال رحمه الله.
وأما السياسة والطب والتجارة وغير ذلك من الأمور العادية التي يتكسب بها فالتفصيل فيها أن السائس الذي يعدل في حكمه وعمله من أفضل الناس؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل...  رواه البخاري ومسلم.
والطبيب المسلم الذي يعالج الناس ويساعدهم ويفرج كروبهم ويحتسب ذلك عند الله تعالى لا شك أن فضله كبير وأجره عظيم؛ لما في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة... والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.
 وعن ابن عمر ـ رضي الله عنهما: أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: أي الناس أحب إلى الله؟ وأي الأعمال أحب إلى الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله تعالى سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد - يعني مسجد المدينة - شهراً، ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظه ـ ولو شاء أن يمضيه أمضاه ـ ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة ـ حتى يثبتها له ـ أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام. رواه ابن أبي الدنيا في كتاب: قضاء الحوائج، والطبراني وغيرهما، وحسنه الألباني.
وأما التجارة والزراعة فهما من أفضل الأعمال الكسبية  وهما العملان الشائعان في الصحابة، فقد كان المهاجرون تجاراً وكان الأنصار مزارعين، وهما من جهة أخرى تدعوان إلى التوكل أكثر من أعمال الأجراء الذين ينتظرون الراتب المحدد في نهاية الشهر، فالتاجر المؤمن يعتمد على الله في نجاح تجارته ويكثر الدعاء ويراعي الصدق والبيان وعدم الغش لعلمه أن الرزق وكسب الربح لا يعطيه إلا الله، ولا وسيلة له أعظم من طاعة الله، ومثله المزارع حيث يلقي البذر متوكلا على الله منتظرا فضله. 
وقد اختلف العلماء هل التجارة أفضل أم الزراعة أم الكسب باليد؟ وقد فصل ذلك العلامة العيني في كتابه عمدة القارئ فقال رحمه الله: واختلف في أفضل المكاسب، فقال النووي: أفضلها الزراعة، وقيل أفضلها الكسب باليد، وهي الصنعة، وقيل أفضلها التجارة، وأكثر الأحاديث تدل على أفضلية الكسب باليد، وروى الحاكم في المستدرك من حديث أبي بردة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الكسب أطيب؟ قال: عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور. وقال هذا حديث صحيح الإسناد، وقد يقال هذا أطيب من حيث الحل وذاك أفضل من حيث الانتفاع العام، فهو نفع متعد إلى غيره، وإذا كان كذلك فينبغي أن يختلف الحال في ذلك باختلاف حاجة الناس، فحيث كان الناس محتاجين إلى الأقوات أكثر كانت الزراعة أفضل للتوسعة على الناس، وحيث كانوا محتاجين إلى المتجر لانقطاع الطرق كانت التجارة أفضل، وحيث كانوا محتاجين إلى الصنائع أشد كانت الصناعة أفضل وهذا حسن. والله أعلم. اهـ
والله أعلم.


مواد ذات صلة في المحاور التالية

لا يوجد صوتيات ذات صلة