الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

نية الزوج طلاق امرأته وظلمه لها هل يسوغ هجره في الفراش

السؤال

بارك الله فيكم يا شيخ, كنت قد استشرتكم من قبل في هذا الموضوع: هل يجوز للزوجة هجر فراش زوجها في حال نية الزوج المسبقة في طلاقها, وتصريحه بذلك مشافهة, علما أنه لطالما هجر زوجته متى شاء وبدون سبب, يسيء معاملتها بالكلام الجارح وبتصرفات مشينة, الرجاء الإجابة في أقرب وقت خاصة وأن الزوجة هجرت فراش زوجها منذ ما يقارب 20 يوما منذ تصريحه بنية الطلاق. وكنتم قد أجبتموني على النحو التالي: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:‏ فقد أوجب الله على كل من الزوجين أن يعاشر الآخر بالمعروف، فقال مخاطباً الرجال: ‏‏(وعاشروهن بالمعروف ) والمرأة مثل الرجل مطالبة بذلك أيضاً، كما قال تعالى: ( ولهن ‏مثل الذي عليهن بالمعروف ) وعليه فلا يجوز للرجل أن يهجر زوجته إلا إذا عصته ونشزت ‏عن طاعته، ولا يهجرها إلا في المضجع بعد أن يعظها ويذكرها بالله جلا وعلا، كما قال ‏تعالى: ( واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن ...) ‏‏[النساء:34] وهذه مراتب مرتب بعضها بعد بعض، فلا يجوز الانتقال لمرتبة إلا بعد المرور بالتي ‏قبلها. ‏ وعلى المرأة أن تتأمل جوانب التقصير تجاه زوجها، فهل تقدم عليه ولداً أو والداً ؟ هل ‏تحسن له التبعل؟ هل تؤدي حقوقه كاملة. وبالجملة فإن عليها أن تنظر إلى جوانب ‏النقص فتكملها، وما أجمل ما قالته العربية لا بنتها يوم زفافها: كوني له أمة يكن لك ‏عبداً. والله أعلم. ‏ شكرا لكم على الإجابة الفورية, ولكنكم لم تجيبوني عن سؤالي, فإن كنتم قد أجبتم ضمنيا بأنه لا يجوز هجر الزوج, هذا ما أعلمه و أدركه جيدا. فما رأيكم بهذا الموضوع إذا كان الزوج مقصرا في كل حقوق زوجته حتى في المأكل والمشرب والنفقة, وهو ميسور الحال, ولكنه يتعمد فعل ذلك قصد إهانة الزوجة وقد صرح بذلك أيضا, علما أنه أيضا يدخل البيت في ساعة متأخرة من الليل ويسافر كل آخر أسبوع ليقضي ما شاء من الليالي بعيدا عن زوجته, لا بل دون إذنها ولا علمها, و لا يسأل عنها في غيابه عنها!!! ألا يجوز للزوجة في هذه الحالة أن تهجره في الفراش؟!!! فلا أظن أن الله تعالى يرضى بمثل هذه الإهانة للمرأة!!! موضوع الخلاف بين الزوجين تعود أسبابه إلى مشكلة افتعلتها أمه حيث تجرأت على أهل الزوجة بالكلام الجارح والتكبر, في البداية كان الزوج متفهما لخطئ أمه ووعدها أنه سيحاول إصلاح الوضع, ولكن بعد صبر وعناء لا يعلمهما إلا الله من الزوجة وأهلها تجاوز 6 أشهر, فاجأها الزوج بأن الحل الوحيد هو الطلاق, مع اعترافه لها بأنها لا تستحق ذلك. معلومة أخيرة: الزوجة تحاول إرضاء زوجها بما يرضي الله ما استطاعت, لكن الزوج لا يخش الله, حتى إنه لا يصلي, و أصبح يستغل خوف الزوجة من ربها ليتمرد عليها. بارك الله فيكم وجزاكم عني كل خير.

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فإننا أولا نشكر مثل هذه الزوجة على خوفها من الله وسعيها في إرضاء زوجها بما يرضي الله تعالى، وهي مأجورة على ذلك بإذن الله.

وإذا كان الزوج على الحال المذكورة من إهانة الزوجة ومنعها حقها من النفقة ونحوها فهو مسيء للعشرة وظالم للزوجة وعاص لربه بذلك، فقد روى أحمد وأبوداود عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت.

ونحن لم نتعرض بالجواب المذكور لمسألة هجر الزوجة لزوجها إن كان ظالما لها. ولا شك في أن الأصل أنه يجب على الزوجة طاعة زوجها إذا دعاها إلى الفراش، ولا يجوز لها الامتناع عنه إلا لعذر شرعي، ولا يبيح لها هجره نيته تطليقها, ولو صرح لها بذلك. ولكنه إذا ظلمها ولم يؤد إليها حقوقها فقد ذكر بعض العلماء كالشيخ ابن عثيمين أن من حقها هجره في الفراش في هذه الحال، كما بينا في الفتوى رقم: 129984.

وننبه إلى بعض الأمور:

الأمر الأول: أن الزوج إذا بخل بنفقة الزوجة وأولادها، وظفرت له على مال، جاز لها الأخذ منه بقدر نفقتها ونفقة ولدها ولو من غير علمه، وقد أسلفنا القول في ذلك بالفتوى رقم: 22917.

الأمر الثاني: ينبغي أن يكون أهل الزوج وأهل الزوجة على أحسن حال، حرصا على حسن العشرة بين الأصهار، وهو أمر مطلوب شرعا، وإذا حدثت مشاكل فينبغي للزوجين تحري الحكمة والسعي في الإصلاح قدر الإمكان.

الأمر الثالث: لا يلزم الزوج أن يستأذن زوجته أو أن يعلمها إذا أراد أن يسافر، ولو أنه فعل كان أفضل تطييبا لخاطرها وحرصا على كسب مودتها. ولكن لا يجوز له أن يغيب عنها أكثر من ستة أشهر إلا بإذنها، وراجعي الفتوى رقم: 10254. وينبغي له أن يتفقد أحوالها حال غيابه.

الأمر الثالث: لا ينبغي للزوج أن يجعل الطلاق الوسيلة الأولى لحل المشاكل في الحياة الزوجية، بل الأولى عدم المصير إليه ما أمكن، فالطلاق عواقبه وخيمة.

قال ابن تيمية: والطلاق في الأصل مما يبغضه الله وهو أبغض الحلال إلى الله، وإنما أباح منه ما يحتاج إليه الناس كما تباح المحرمات للحاجة. اهـ.

وقال ابن العربي عند تفسيره لقول الله تعالى: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا {النساء:19}: المعنى إن وجد الرجل في زوجته كراهية وعنها رغبة ومنها نفرة من غير فاحشة ولا نشوز فليصبر على أذاها وقلة إنصافها فربما كان ذلك خيرا له. اهـ.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني