الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تهافت استدلال المبتدعة برواية: حسبنا كتاب الله

السؤال

استدلال الروافض بالشبهة التالية: تذكرة الحفاظ للحافظ الذهبي, جاء فيه: ومن مراسيل ابن أبي مليكة أن الصديق جمع الناس بعد وفاة نبيهم فقال إنكم تحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث تختلفون فيها والناس بعدكم أشد اختلافا فلا تحدثوا عن رسول الله شيئا فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه، فهذا المرسل يدلك أن مراد الصديق التثبت في الأخبار والتحري لا سد باب الرواية، ألا تراه لما نزل به أمر الجدة ولم يجده في الكتاب كيف سأل عنه في السنة، فلما أخبره الثقة ما اكتفى حتى استظهر بثقة آخر ولم يقل حسبنا كتاب الله كما تقوله الخوارج ـ استدل بها أعداء الدين على أن الذهبي وصف عمر بن الخطاب بالخوارج لأن عمر من قال حسبنا كتاب الله، يرجى الرد على هذه الشبهة.

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فمن عادة أهل البدع بتر الكلام عن سياقه، لئلا تفضح افترءاتهم ويتبين عوار دعوتهم وهذا ما قاموا به هنا، كما أنهم يجمعون من كل سياق كلمة ليظهروا تناقض أهل الحق أو خطأهم, أو طعن بعضهم في بعض, وهم بذلك يريدون أن يروجوا باطلهم على العامة، ولكن الله غالب على أمره, وناصر أهل دينه الحق وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، والخبر كما رود في تذكرة الحفاظ: وكان أول من احتاط في قبول الأخبار ـ أي أبو بكر الصديق ـ فروى ابن شهاب عن قبيصة بن ذويب أن الجدة جاءت إلى أبي بكر تلتمس أن تورث، فقال: ما أجد لك في كتاب الله شيئا، وما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذكر لك شيئا، ثم سأل الناس فقام المغيرة فقال: حضرت رسول الله صلى الله عليه وآله يعطيها السدس، فقال له: هل معك أحد؟ فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك فأنفذه لها أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ ومن مراسيل ابن أبي مليكة أن الصديق جمع الناس بعد وفاة نبيهم فقال، إنكم تحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث تختلفون فيها والناس بعدكم أشد اختلافا فلا تحدثوا عن رسول الله شيئا، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه ـ فهذا المرسل يدلك على أن مراد الصديق التثبت في الأخبار والتحري لا سد باب الرواية، ألا تراه لما نزل به أمر الجدة ولم يجده في الكتاب كيف سأل عنه في السنة، فلما أخبره الثقة ما اكتفى حتى استظهر بثقة آخر ولم يقل حسبنا كتاب الله كما تقوله الخوارج. اهـ.

وللرد على هذه الشبهة نقول:

أولاً: هذه الرواية مرسلة، والمرسل من قسم الحديث الضعيف, فلا احتجاج بها وما انبنى عليها من الكلام فلا احتجاج به, لأنه لا سند له.

ثانيا: أن الذهبي لم يرد بقولته عمر بن الخطاب قطعاً، وإنما ذكر الخوارج الذين لا يقبلون السنة والأحاديث النبوية التي لا توافق مذهبهم ويحتكمون إلى القرآن بزعمهم، ولو أراد الذهبي عمر لكان هذا الحكم ساريا على أبي بكر وعلى علي بن أبي طالب وغيرهم ممن قالوا بأن ما في القرآن كفاية لنا، أو ممن حضر مقولة عمر هذه ولم ينكرها عليه وعلى رأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم, ففي الرواية نفسها قول أبي بكر: فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه.

ونقل عن سيدنا علي ـ رضي الله عنه وأرضاه: وكفى بكتاب الله حجيجا وخصيما.

فهل تعيبون على الإمام علي ـ رضي الله عنه ـ هذه المقولة؟! أم أنها النظرة العوراء؟.

ثالثاً: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد وافق عمر ـ رضي الله عنه ـ في قوله: حسبنا كتاب ربنا ـ ولو لم يوافقه لرفض كلامه وأصر على كتابة الكتاب، ولم تكن كتابة الكتاب مما أوجبه الله عليه أن يكتبه أو يبلغه في ذلك، وقد قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ {المائدة:67}.

وهذا وعد من الله عز وجل بأن يعصم الرسول صلى الله عليه وسلم من الناس جميعاً مسلمين ومشركين في تبليغ ما أنزل إليه، يعني لا أبو بكر الصديق ولا عمر بن الخطاب ولا عثمان بن عفان ولا علي بن أبي طالب ولا غيرهم من الصحابة ـ رضوان ربي عليهم جميعاً ـ يستطيعون أن يمنعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبليغ ما أمره الله به.

رابعاً: أن كلام عمر ـ رضي الله عنه ـ فيه من القرآن ما يؤيده، قال تعالى: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ {العنكبوت:51}.

وقال تعالى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ {النحل:89}.

وقال تعالى: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ {الأنعام:38}.

خامساً: وهنا سؤال يفر منه أهل البدع وهو هل ترك النبي صلى الله عليه وسلم أمر الكتابة اختيارا أم إجبارا؟ فإن قالوا إجبارا فقد خالفوا كلام الله وأزالوا العصمة عن نبيه، وإن قالوا اختيارا فقد اتهموا النبي صلى الله عليه وسلم أنه اختار ضلال الأمة لو كانوا يعقلون!!!.

سادساً: أن سبب امتناع عمر ـ رضي الله عنه ـ هو ومن معه من الصحابة من إيتاء النبي صلى الله عليه وسلم بما طلب أنهم أشفقوا عليه صلى الله عليه وسلم، وأنهم فهموا أن الأمر لا يعدو كونه إرشاداً أو نصحاً، وليس أمر وجوب، قال القرطبي رحمه الله: فكرهوا أن يكلفوه من ذلك ما يشق عليه في تلك الحالة مع استحضارهم قوله تعالى: مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ، وقوله تعالى: تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ ـ ولهذا قال عمر: حسبنا كتاب الله. انتهى نقله الحافظ ابن حجر في فتح الباري.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني