الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

دعت على نفسها وزوجها بالموت فهل يستجاب دعاؤها؟

السؤال

وعدني زوجي قبل الزواج بتحمل ظروف دراستي ومساندتي, وبعد الزواج خذلني وترك أهله يوجهون الإهانات لي, ويسلبون وقتي؛ وذلك لأنه يسيء التصرف دائمًا, ويبدو - والله أعلم - أنه تخبط بيني وبين أمه فآثر إرضاءها على إرضائي, وحتى بعد أن انفصلنا بسكن مستقل فلا زال يسمح لأمه بإهانتي, فشعرت بحقد كبير عليه لخذلاني وعدم مساندتي في دراستي, ولأنه سمح لأمه بإهانتي والتحكم بمصيري, وطلبت منه شراء أغراض فرفض بحجة أنه متعب, ثم بعد المشاجرة عرض عليّ أن يشتريها لي, فأخذني الغرور وأحسست بجرح كرامتي؛ لأني أجتهد دائمًا في إرضائه وإرضاء أمه أيضًا, وهو يرفض بشكل مستمر أبسط طلباتي, وصحيح أنه يندم دائمًا, لكنني مللت من هذا الوضع, ووعدني أن يخرجني فسحة ثم تشاجرنا وبكيت فامتنع عن إخراجي والوفاء بوعده, ثم ندم وطلب أن نخرج فلم أقبل, وقلت له: إنه ظلمني, وشعرت بحرقة وحقد وظلم كبير, ولا زلت أشعر بظلم كبير؛ لأنه لم يأخذني فسحة, ولم يشتر لي أغراضًا وعدني بها منذ سنة كاملة, وبكلِّ حرقةِ مَن يشعر بالظلم قمت بتعداد كل إحساني له ولأهله كل هذه السنوات, وأخبرته أن الإحسان لا يثمر فيه, وأنه يرد الجميل بالقبيح, ودعوت عليه بدعاء قبيح ومؤلم جدًّا جدًّا, ومن ثم دعوت عليه بالموت - لا قدر الله - ودعوت على نفسي بالموت, وكان ذلك في العشر الأواخر من رمضان قبيل الإفطار, ثم رجعنا فتشاجرنا, فدعوت عليه في الثلث الأخير من الليل, ثم ندمت أشد الندم فاستغفرت الله, ودعوت الله أن يغفر لي ويحفظ لي زوجي, ولكني لا زلت أشعر بالظلم, وقد قرأت أن دعاء المظلوم مستجاب, وأنا أشعر بالظلم, وأسأل الله ألا يكون دعائي بالشر مستجابًا, فما حكم تصرفي؟ وهل من سبيل للتقليل من مضار دعائي - بإذن الله -؟

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الدعاء على النفس أو الولد، فعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لاَ تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ, وَلاَ تَدْعُوا عَلَى أَوْلاَدِكُمْ, وَلاَ تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ, لاَ تُوَافِقُوا مِنَ اللَّهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ. رواه مسلم في صحيحه.
كما نهى عن الاعتداء في الدعاء، ومنه أن يدعو الإنسان على ظالمه بما هو فوق جنايته، قال القرافي في أنوار البروق في أنواع الفروق: وَحَيْثُ قُلْنَا بِجَوَازِ الدُّعَاءِ عَلَى الظَّالِمِ فَلَا تَدْعُو عَلَيْهِ بِمُؤْلِمَةٍ مِنْ أَنْكَادِ الدُّنْيَا لَمْ تَقْتَضِهَا جِنَايَتُهُ عَلَيْك بِأَنْ يَجْنِيَ عَلَيْك جِنَايَةً فَتَدْعُوَ عَلَيْهِ بِأَعْظَمَ مِنْهَا, فَتَكُونَ جَانِيًا عَلَيْهِ بِالْمِقْدَارِ الزَّائِدِ, وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: {فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}.

وقد أحسنت بتوبتك إلى الله عز وجل مما وقعت فيه من الاعتداء في الدعاء.

وبخصوص خوفك من أثر هذا الدعاء فاعلمي أن الدعاء الذي فيه إثم أو قطيعة رحم لا يستجاب، كما أن الدعاء على النفس والولد حال الغضب مظنة عدم الاستجابة، قال تعالى: وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ {يونس:11} قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: يخبر تعالى عن حلمه ولطفه بعباده: أنه لا يستجيب لهم إذا دعوا على أنفسهم أو أموالهم أو أولادهم في حال ضجرهم وغضبهم، وأنه يعلم منهم عدم القصد إلى إرادة ذلك، فلهذا لا يستجيب لهم - والحالة هذه - لطفًا ورحمة.

وننبه إلى أن الأصل في علاقة الزوجين التواد والتراحم والتغاضي عن الهفوات، ومراعاة كل منهما لظروف الآخر.
والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني