الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حكم وضع الملابس الطاهرة والنجسة معا في الغسالة

السؤال

أحبتي في الله، بارك الله فيكم، وجزاكم الله خير جزاء على ما تقدمونه من نفع عظيم للمسلمين، لكني أواجه مشكلة أني عندما أكتب سؤالا طويلا فإنه لا يرسل كله، وإنما يرسل جزء يسير منه، ولا أعلم هل المشكلة من عندي أم من عندكم بارك الله فيكم، مع العلم أني استعلمت أكثر من متصفح لكن لا تغيير، وقد أرسلت اليوم سؤالا وحاولت تكرار إرساله ليصل كاملا فلم يصل. فأرجو منكم أن تحذفوا الأسئلة غير الكاملة وأن تضعوا هذا السؤال:
[أحبتي في الله، إن أهلي يقومون بوضع الملابس الطاهرة مع ملابس نجسة أخرى في الغسالة سويا، ثم يضعون الماء ومواد التنظيف ويشغلون الغسالة، أو يضعون الملابس النجسة على الماء والصابون ثم يشغلون الغسالة.
وقد نبهتهم مرارا على أن تغسل الملابس النجسة لوحدها وتزال عنها النجاسة، طبعا وإن أرادوا غسلها مع الملابس الطاهرة الأخرى بعد تطهيرها فلا حرج، لكن لم يستجيبوا لي وما زالوا على هذه الحال.
إذا أخذت بقول من يقول إن الماء إذا كان أقل من قلتين يحمل النجاسة إذا وضعت فيه، فإني سأقع في حرج شديد، فإن هذا يعني أن معظم - إن لم يكن كل - ملابسنا نجسة؛ لأننا نغسل النجس مع الطاهر فيتنجس الطاهر، ثم نضع لاحقا النجس الجديد مع طاهر آخر وهكذا، وأيضا عندما يأخذون الملابس بعد عصرها تكون رطبة فيمسكونها بأيديهم فتتنجس أيديهم - وهذا يقين وليس شكا - ، ثم يستعملون المغسلة و الصابون وأمور أخرى بأيديهم. وأيضا الماء الذي يصب - يكب - من الغسالة ويسيل على الأرض يأتي على الأرضية، ويخرجون بالحذاء وهو مبلل يمشون على الأرضية وعلى غيرها، وأنا أصلي في هذه الملابس، ولا يخفى عليكم أحبتي أني قد عانيت سابقا من الوسواس، ولا أود البتة أن أفتح مجالا للوسوسة، فإني ألبس كثيرا من الألبسة وأنا أعلم أنها غسلت مع نجاسة، وأتوضأ فيها أو أمسها ويدي مبللة، ثم آكل مثلا، فأصبح وكأني آكل نجاسة، وإن هذا الأمر ليوقع غير الموسوس في الحرج. فما بالكم بمن عانى منها سابقا؟
فهل هناك يا أحبتي قول أعمل به أقطع عني به هذا الحرج والوسوسة، فإني أعلم أن أهل العلم قد اختلفوا في تنجس ماء الغسالة إذا لم تغيره النجاسة وكان أقل من قلتين، فذهب المالكية إلى أنه طاهر إلا إذا غيرته النجاسة.
فهل يجوز لي الجمع بين قول المالكية، والقول بتطهير النجاسات بالماء والصابون أم إن المالكية يرون أن هذا يكون إذا كان ماء فقط، وأنا لا أدقق وراء الماء هل تغير أم لا. فهل أعتبره باقيا على أصله، ولا أدقق هل الماء ومواد التنظيف - مثل التايد وغيره - أزالت رائحة وطعم ولون النجاسة من اللباس النجس أم ما زالت موجودة؟
فهل أعتبر أنها زالت دون أن أتحقق وأبحث وراءها، وحتى وإن بقيت نجسة. هل يصح لي أن أعتبر أن باقي الملابس طاهرة - التي غسلت و عصرت معها؟ وهل يصح أن أقول إن لمسها وهي رطبة لا يكفي في اليقين بنقل النجاسة؛ لأني من الممكن أن أكون لمست الجزء الطاهر، وأنا والله أبحث عن الرخص لا من باب الهوى وإنما من باب دفع الحرج الشديد جدا، فأنا أصلي دون التفكير بهذا الأمر كي لا أتضايق.
بارك الله فيكم [ أقدر انشغالكم وكمية الأسئلة الكبيرة، لكن أرجو الإجابة على سؤالي وعدم تحويلي إلى إجابات أخرى ] انتهى.
بارك الله فيكم، ووالله إنكم لتستحقون تقبيل الأيادي، والرؤوس على ما تقدمونه من خدمة للمسلمين.

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فجزاك الله خيراً على حسن ظنك بإخوانك في الموقع، ونسأل الله لك العافية، وأن يجعلك من التوابين، ويجعلك من المتطهرين.

ثم إنه قد اشتبه عليك أمر الغسالة؛ فجمهور الفقهاء الذين ذهبوا إلى أن النجاسة لا يزيلها إلا الماء، لم يقصدوا المنع من غسلها بالماء المخالط الصابونَ، وإنما قصدوا أنه لا بد من ماء.

قال زكريا الأنصاري في أسنى المطالب: وَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي بَدَنِهِ، وَثَوْبِهِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ ثُمَّ يُطَهِّرُهُمَا. انتهى.

وهذا في كلامه عن الصابون المصنوع من زيت نجس فكيف إذا كان الصابون طاهراً.

وقال البهوتي في كشاف القناع: (وَإِنْ اسْتَعْمَلَ فِي إزَالَتِهِ) أَيْ: أَثَرِ النَّجَاسَةِ (مَا يُزِيلُهُ كَالْمِلْحِ وَغَيْرِهِ، فَحَسَنٌ) لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ امْرَأَةٍ مِنْ غِفَارٍ. «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْدَفَهَا عَلَى حَقِيبَتِهِ، فَحَاضَتْ قَالَتْ: فَنَزَلْتُ، فَإِذَا بِهَا دَمٌ مِنِّي. فَقَالَ: مَا لَكِ لَعَلَّكِ نَفِسْتِ؟ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ: فَأَصْلِحِي مِنْ نَفْسِكِ، ثُمَّ خُذِي إنَاءً مِنْ مَاءٍ فَاطْرَحِي فِيهِ مِلْحًا، ثُمَّ اغْسِلِي مَا أَصَابَ الْحَقِيبَةَ مِنْ الدَّمِ» (وَلَا يَجِب).انتهى.

فالحنفية ومن وافقهم يقولون يكفي الماء والصابون لإزالة النجاسة، والجمهور يقولون لا بد من ماء بعده، وهو ما يحصل في الغسالات، فالغسالة جميعها يوضع فيها الماء بعد غسلة الصابون، على أن كثيراً من الغسالات تبدأ أولاً بغسلة بالماء قبل الصابون ونحوه.

وعليه فالملابس تطهر بذلك، ولا تبقى النجاسة، فضلاً عن أن تنتقل.

على أنه لو زالت عين النجاسة بالصابون، وقلنا إنها لم تطهر، فهي كذلك لا تنقل النجاسة.

قال العلامة خليل المالكي في المختصر مع شرحه: ولو زال عين النجاسة بغير المطلق لم يتنجس ملاقي محلها. أي: لو زال عين النجاسة بمضاف، أو قلاع فقال ابن رشد: متفق على أنه لا ينجس رطب بمحلها.

كما بيناه بالفتوى رقم: 96509 .

وأما بخصوص مسألة القلتين؛ فمسألة الماء المنفصل عن محل متنجس تختلف عنها؛ وقد بينا بالفتوى رقم: 57814 أن الراجح أن حكم الغسالة هو حكم المحل الذي انفصلت عنه، فإن انفصل عن المحل المغسول وهو مازال نجساً فهي نجسة، وما وقعت عليه يتنجس، وإن انفصلت عن المحل المغسول وهو طاهر فهي طاهرة، ولا يتنجس وما وقعت عليه.

وعليه فأنت لا تحتاج إلى قول المالكية، أو غيره، وليس عليك حرج أصلاً، وإن فرضنا عموماً احتياجك له في مسألة أخرى؛ فقد بينا بالفتوى رقم: 188747، وتوابعها أن الموسوس يجوز له ذلك، فراجعها.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني