الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حكم الغرامات التي تؤخذ من الشاحنات التي تزيد حمولتها عن الوزن المسموح به

السؤال

الموضوع: الشك في الكسب.
أنا موظف حكومي، وطبيعة عملي تجبرني على أن آخذ من سائقي الشاحنات بعض المال إذا كانت لديهم زيادة في الحمولة، مع العلم أن القانون المفترض أن يطبق في هذه الحالة لم يطبق حتى بنسبة 1%، فالقانون بعيد كل البعد، وخارج التطبيق، وما نقوم به هو أخذ أموال على زيادة الوزن للدولة بسند رسمي، والذي أسمع به: أن هذه الأموال لا تورد بشكل صحيح لخزينة الدولة.
ومع مرور الوقت، والتعامل مع الموظفين، وسائقي الشاحنات، وجدت نفسي آخذ أموالًا بدون سندات رسمية، أسوة بالموظفين في هذا المرفق، وهم يأخذونها مقابل السماح للشاحنات بالمرور بالحمولات دون قطع سند، وبمبلغ أقل من قيمة السند، فما رأي العلم في ذلك؟
مع العلم أن هذا النظام غير معمم، ولا يُعمل به إلا في أماكن معدودة من البلاد، ومعطل في أغلب مناطق البلاد بسبب عدم تفعيله، وتعميمه من قبل الحكومة، والغالبية العظمى من الشاحنات داخل البلاد تمر ليل نهار في جميع أرجاء البلد دون رقيب، وهي تحمل حمولات مخالفة للقانون، والمسئولين علينا يعلمون ذلك دون عمل شيء سوى مطالبتنا بالاستمرار بالعمل، وظلم الناس، وتطبيق قانون غير صحيح، وأخذ أموال، وغرامات كبيرة من الشاحنات التي تمر في نطاق عملنا فقط، وهم يدركون أن هنالك الآلاف من الشاحنات المخالفة تمر في البلاد دون عمل شيء لها، فإما أن نطيع مسئولينا، ونظلم من مر من عندنا، أو نتساهل معهم، كما يفعل الكثير من زملائي، ونأخذ القليل من المال منهم. أفتوني؛ هل ما نأخذه حلال أم حرام؟ وماذا نفعل -وشكرًا-؟
أرجو الرد، والتدقيق في الموضوع.

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فإن هذه الرسوم التي تُحصَّل تغريمًا لمن يحمل وزنًا زائدًا عن القدر المسموح به في القانون، تدخل في مسألة التعزير بالمال، وجمهور أهل العلم على حرمته، ومن أجازه من أهل العلم أجازه في المواضع التي يتحقق فيها بذلك العدل، والصالح العام، لا لمجرد غصب أموال الناس وأكلها بالباطل.
قال الدكتور/ وهبة الزحيلي في كتاب (الفقه الإسلامي وأدلته): لا يجوز التعزير بأخذ المال في الراجح عند الأئمة؛ لما فيه من تسليط الظلمة على أخذ مال الناس ... ومعنى التعزير بأخذ المال على القول عند من يجيزه: هو إمساك شيء من مال الجاني عنه مدة، لينزجر عما اقترفه، ثم يعيده الحاكم إليه، لا أن يأخذه الحاكم لنفسه، أو لبيت المال، كما يتوهم الظلمة؛ إذ لا يجوز لأحد من المسلمين أخذ مال أحد بغير سبب شرعي. قال ابن عابدين: وأرى أن يأخذ الحاكم مال الجاني، فيمسكه عنده، فإن أيس من توبته، يصرفه إلى ما يرى من المصلحة، وأما مصادرة السلطان لأرباب الأموال، فلا تجوز إلا لعمال بيت المال، على أن يردها لبيت المال. اهـ. وراجع للفائدة عن ذلك الفتويين: 38803، 34484.
وهذا الخلاف -الذي أشرنا إليه- إنما يجري في حال تحصيل الرسوم لصالح خزينة الدولة، فيصرف في المصالح العامة. فإذا كان الحال كما ذكر السائل من أن هذه الأموال لا تورد بشكل صحيح لخزينة الدولة، فأخذها من السائقين ظلم بيِّن.
وأما أن يأخذ الموظف هذا المال لنفسه: فهذا حرام بلا ريب، وسحت محض، وأكل للمال بالباطل بلا شبهة.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني