الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الآداب الشرعية في محاورة الولد لوالديه ومعاملتهما ونهيهما عن المنكر

السؤال

ما حكم من دخل في جدال مع والده حول العمل؟ فالأب يريد من الابن العمل للإنفاق على دراسته, والابن يرى أن العمل قد يزدريه خاصة وهو لا يزال يدرس ولا يحمل شهادة، المهم قد ضاقت نفس الابن جدا من هذا الجدال لدرجة أن رفع صوته على أبيه، وقد حدثته نفسه ربما بالاعتراض على بر الوالدين ولماذا عليه أن يفعل كل ما يأمران به، وقبيل من هذه الأشياء التي ربما تصل إلى الكفر، وقد علمت أن الإنسان لا يؤاخذ بما تحدثه به نفسه طالما لم يعمل به أو يقل به، فهل يكفر من جهر في وجه الوالد عملا بما تحدثه به نفسه من اعتراض على بر الوالدين؟ هل هذا يعد كفرا؟.

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فإن الابن يجب عليه بر أبيه، والإحسان إليه، والبعد عن الإساءة إليه، وما يؤدي لإغضابه، وإذا ناقشه في موضوع ما فليكن حواره له بالحسنى والأدب والغض من الصوت والتواضع، فقد قال الله تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [الإسراء:23-24]

وأما رفع الصوت عليه أثناء النقاش فإنه لا يجوز لما فيه من إساءة الأدب، قال القرطبي: وقل لهما قولا كريما، أي لينا لطيفا مثل: يا أبتاه ويا أمّاه من غير أن يسميهما ويكنيهما، قال عطاء: وقال ابن البداح التجيبي: قلت لسعيد بن المسيب: كل ما في القرآن من بر الوالدين قد عرفته إلا قوله: وقل لهما قولا كريما، ما هذا القول الكريم؟ قال ابن المسيب: قول العبد المذنب للسيد الفظ الغليظ، وقال الرازي: المراد من المنع من التأفيف المنع من إظهار الضجر بالقليل والكثير. انتهى.
وقد نبه أهل العلم إلى ضرورة هذا الأدب ولو كان الابن ينهى الوالد عن المنكر، فقد ذكر القرافي في الفروق بعض المسائل التي تتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان مما ذكر قوله: المسألة الأولى: أن الوالدين يؤمران بالمعروف وينهيان عن المنكر، قال مالك: ويخفض لهما في ذلك جناح الذل من الرحمة. انتهى.

وجاء في كتاب الآداب الشرعية لابن مفلح: فصل في أمر الوالدين بالمعروف ونهيهما عن المنكر، قال أحمد في رواية يوسف بن موسى: يأمر أبويه بالمعروف وينهاهما عن المنكر، وقال في رواية حنبل: إذا رأى أباه على أمر يكرهه يعلمه بغير عنف ولا إساءة ولا يغلظ له في الكلام، وإلا تركه، وليس الأب كالأجنبي. انتهى.

واذا أمر الاب ولده ان يعمل لينفق على دراسته فهذا الأمر ليس فيه ما يحتاج لنقاشه ورفع الصوت فيه، وعلى الولد طاعته فيه إن لم يحصل بسبب ذلك ضرر بالولد، ولا إيقاعه في اكتساب محرم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: ويلزم الإنسان طاعة والديه في غير المعصية وإن كانا فاسقين، وهو ظاهر إطلاق أحمد، وهذا فيما فيه منفعة لهما ولا ضرر، فإن شق عليه ولم يضره وجب وإلا فلا. اهـ

وقال العلامة ابن حجر الهيتمي ـ رحمه الله ـ: ... وأمره لولده بفعل مباح لا مشقة على الولد فيه يتعين على الولد امتثال أمره إن تأذى أذى ليس بالهين إن لم يمتثل أمره. اهـ

ثم إن العقوق ورفع الصوت على الاب ليس معدوداً من المعاصي التي يحصل بها الكفر، وأما إن كان نشأ عن الاعتراض على حكم الله تعالى الموجب لبره بأن كان الشخص مستحلا له فإنه يخشى عليه من الوقوع في الكفر إن توفرت الشروط وانتفت الموانع؛ فقد قال شيخ الإسلام في الصارم المسلول: من فعل المحارم مستحلاً لها فهو كافر بالاتفاق. اهـ

واعلم ان المسلم يلزمه الانقياد التام لشرع الله تعالى، والاستسلام لما حكم الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا {الأحزاب:36}، وقال تعالى: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ {القصص:68}، وقال تعالى: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا {النساء:65}.

قال العلامة ابن القيم ـ رحمة الله تعالى عليه ـ: أقسم سبحانه بنفسه المقدسة قسما مؤكدا بالنفي قبله على عدم إيمان الخلق حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم من الأصول والفروع، وأحكام الشرع، ولم يثبت لهم الإيمان بمجرد هذا التحكيم حتى ينتفي عنهم الحرج وهو ضيق الصدر، وتنشرح صدورهم لحكمه كل الانشراح، وتقبله كل القبول، ولم يثبت لهم الإيمان بذلك حتى ينضاف إليه مقابلة حكمه بالرضا والتسليم وعدم المنازعة، وانتفاء المعارضة والاعتراض.
وقال ابن القيم أيضا في المدارج: الرضى بالقضاء الديني الشرعي واجب، وهو أساس الإسلام وقاعدة الإيمان، فيجب على العبد أن يكون راضياً به، بلا حرج ولا منازعة ولا معارضة ولا اعتراض، قال الله تعالى: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا [النساء: 65]، فأقسم أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسوله صلى الله عليه وسلم، وحتى يرتفع الحرج من نفوسهم من حكمه، وحتى يسلموا لحكمه تسليماً، وهذا حقيقة الرضى بحكمه اهـ

وقال الشيخ ابن باز رـ حمه الله ـ: الأحكام التي شرعها الله لعباده وبينها في كتابه الكريم، أو على لسان رسوله الأمين عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم، كأحكام المواريث والصلوات الخمس والزكاة والصيام ونحو ذلك مما أوضحه الله لعباده وأجمعت عليه الأمة، ليس لأحد الاعتراض عليها ولا تغييرها؛ لأنه تشريع محكم للأمة في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، وبعده إلى قيام الساعة، ومن ذلك: تفضيل الذكر على الأنثى من الأولاد، وأولاد البنين، والإخوة للأبوين وللأب؛ لأن الله سبحانه قد أوضحه في كتابه وأجمع عليه علماء المسلمين، فالواجب العمل بذلك عن اعتقاد وإيمان، ومن زعم أن الأصلح خلافه فهو كافر، وهكذا من أجاز مخالفته يعتبر كافراً؛ لأنه معترض على الله سبحانه وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى إجماع الأمة، وعلى ولي الأمر أن يستتيبه إن كان مسلماً، فإن تاب وإلا وجب قتله كافراً مرتداً عن الإسلام، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من بدل دينه فاقتلوه)، نسأل الله لنا ولجميع المسلين العافية من مضلات الفتن ومن مخالفة الشرع المطهر. انتهى "مجموع فتاوى ابن باز" (4/415) .

هذا؛ وننبه السائل إلى أن تكفير الأعيان ممن ينتسبون للإسلام ليس بالأمر الهين، فإن من اعترض على الشرع أو اعتقد أو قال أو فعل ما هو كفر عند علماء المسلمين فإنه قد وقع في الكفر، لكنه لا يحكم بكفره حتى يستوفي شروط تكفير المعين، وتنتفي عنه موانع تكفير المعين، كما هو مبين في الفتوى رقم: 721.
وأنت تقول في سؤالك وقد حدثته نفسه ربما بالاعتراض على بر الوالدين، وهذا يدل على أن الامر ليس مجزوما به، وقد ذكرنا في كثير من الفتاوى السابقة أن من ثبت إسلامه بيقين فلا يخرج منه إلا بيقين.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني