الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حصول الفعل أو القول على غير الصفة التي نواها الحالف لا يقع به الحنث

السؤال

كنت في المطبخ، ورأيت مكانا غير نظيف، وأتيت بإناء من الماء، وبدأت أنظف المكان، وأتت والدتي وطلبت مني أن أعطيها إنائي مقابل أن تعطيني إناء آخر، فرفضت ولكنها أصرت، وفجأة حلفت بالطلاق على أن لا أستعمل إلا إنائي في تنظيف المكان، ولم أقل أني لا أستعمله أولا ألمسه أبدا، بعد أن انتهيت من تنظيف المكان رأيت إناء والدتي الذي حلفت على أن لا أستعمله موضوعا على الطباخ ولمست الإناء، ولا أتذكر هل لمسته ناسينا أم متعمدا؟ ووضعته في مكان آخر، السؤال هو: هل لمس إناء والدتي يعني أني حنثت بيمين الطلاق؟ مع العلم أني حلفت أن لا أستعمل الإناء في التنظيف، ولم أحلف على أن لا ألمسه أو أستعمله مدي الحياة، وعندما حلفت قصدت في ذلك الوقت بالتحديد. والله أعلى وأعلم.

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فلا يقع الطلاق بما ذكرت لأنك لم تقصده بيمينك، وحصول الفعل أو القول على غير الصفة التي نواها الحالف لا يقع بها الحنث فلا يقع الطلاق، كما لو حلفت بالطلاق ألا تخرج الزوجة بغير رضاك فخرجت برضاك فلا تحنث، قال المرداوي في الإنصاف: ومتى خرجت على غير الصفة التي نواها لم يحنث. انتهى وقال ابن قدامة في المغني: وإذا أوقع الطلاق في زمن أو علقه بصفة، تعلق بها ولم يقع حتى تأتي الصفة والزمن، وهذا قول ابن عباس وعطاء وجابر بن زيد والنخعي وأبي هاشم والثوري والشافعي وإسحاق وأبي عبيد وأصحاب الرأي. اهـ .

وينبغي أن تعلم أيضا أنه لا يجوز للمسلم أن يحلف إلا بالله تعالى أو أسمائه وصفاته، فالحلف بالطلاق مذموم كما هو مبين بالفتوى رقم: 65881.

ثم اعلم أن الله أمر ببر الوالدين، والإحسان إليهما، قال تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا {الإسراء:23-24}، وقال: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ {لقمان:14}،
وجاء رجل للرسول صلى الله عليه وسلم فقال: من أحق الناس بحسن صحابتي قال: أمك قال: ثم من؟ قال: أمك قال: ثم من ؟ قال: أمك قال: ثم من؟ قال أبوك، [ متفق عليه]. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: ثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والديوث، والرجلة من النساء. رواه الحاكم في مستدركه عن عمر.
ومن العقوق ما يبديه الولد لأمه أو أبيه من ملل وضجر وتأفف في مقابلة أمرهما أو نهيهما، وقد أُمر أن يقابلهما بالحسنى واللين والمودة والقول الموصوف بالكرامة السالم من كل عيب، ويكفي في حق العصاة هذا التهديد الشديد ممن لا ينطق عن الهوى، حيث قال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثاً، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وجلس وكان متكئاً، فقال: ألا وقول الزور، قال: فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. رواه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي بكرة وأنس بن مالك ـ رضي الله عنهما ـ وقال عروة بن الزبير: ما برَّ والده من أحدَّ النظر إليه، فكيف بمن يعضي أمره ويرفع صوته عليه، وفي الأثر: كل الذنوب يؤخر الله منها ما شاء إلى يوم القيامة إلا عقوق الوالدين، فإن الله يعجله لصاحبه في الحياة قبل الممات.
فاستغفر الله تعالى مما قابلت به أمك واستسمح منها، وقبل ما بين عينيها تكريما وتذللا لها، ولا تعد إلى مثل ما ذكرت.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني