الثلاثاء 27 ذو الحجة 1435

المركز الأول في فئة المحتوى الإلكتروني - مسقط 2009




نبذة مختصرة عن الخلفاء الراشدين الأربعة

الثلاثاء 8 شوال 1424 - 2-12-2003

رقم الفتوى: 40659
التصنيف: فضل الخلفاء الراشدين

 

[ قراءة: 129036 | طباعة: 615 | إرسال لصديق: 0 ]

السؤال
بسم الله الرحمن الرحيم أرجو من حضراتكم أن تفيدوني بنبذة عن الخلفاء الراشدين؟ وجزاكم الله عنا خيراً.
الإجابــة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:

فإن الخلفاء الأربعة الراشدين أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب معروفون مشهورون رضي الله عنهم أجمعين، وكلهم مبشرون بالجنة، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بسنتهم كما في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره بإسناد صحيح: فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ.
والحديث عن سيرهم يطول فقد صنفت فيهم مصنفات كثيرة قديمة وحديثة، ولكن نذكر لك نبذة مختصرة جداً عنهم:
1- أبو بكر الصديق:
هو عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن كعب التيمي القرشي، وكنيته أبو بكر أمه أم الخير سلمى بنت صخر بن عامر التيمي، ولد سنة 51 ق.هـ (573م) أول من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم من الرجال، وأول الخلفاء الراشدين، سمى بالصديق لأنه صدق النبي صلى الله عليه وسلم في خبر الإسراء، وقيل لأنه كان يصدق النبي صلى الله عليه وسلم في كل خبر يأتيه من السماء، كان يدعى بالعتيق، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: يا أبا بكر أنت عتيق الله من النار، كان سيداً من سادات قريش وغنياً من كبار موسريهم، وكان ممن حرم الخمر على نفسه في الجاهلية، كانت له في عصر النبوة مواقف كبيرة، فشهد الحروب واحتمل الشدائد وبذل الأموال، وكان رفيق النبي صلى الله عليه وسلم في هجرته إلى المدينة وإليه عهد النبي صلى الله عليه وسلم بالناس حين اشتد به المرض، بويع بالخلافة يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم سنة 11 للهجرة، حارب المرتدين والممتنعين عن أداء الزكاة وأقام دعائم الإسلام، افتتحت في أيامه بعض بلاد الشام والعراق، توفي ليلة الثلاثاء لثمان خلون من جمادى الآخرة وهو ابن ثلاث وستين سنة، وكانت مدة خلافته سنتين وثلاثة أشهر ونصفاً.
2- عمر بن الخطاب:
هو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى العدوي القرشي، أبو حفص ولقبه النبي صلى الله عليه وسلم بالفاروق، أمه حنتمة بنت هشام بن المغيرة المخزومية وهي أخت أبي جهل عمرو بن هشام، وهو ثاني الخلفاء الراشدين، وأول من لقب بأمير المؤمنين، كان في الجاهلية من أبطال قريش وأشرافهم، وكانت له السفارة فيهم، ينافر عنهم وينذر من أرادوا إنذاره، أسلم قبل الهجرة بخمس سنوات وشهد الوقائع مع النبي صلى الله عليه وسلم، وأرسله النبي صلى الله عليه وسلم في عدة سرايا، بويع بالخلافة يوم وفاة أبي بكر الصديق وبعهد منه، بعد استشارة الناس فيه فوافقوه، ولاه أبو بكر القضاء في عهده فكان أول قاضٍ في الإسلام، ولم يأته مدة ولايته القضاء متخاصمان، لأن طلاوة الإيمان وأخوة الإسلام كانت تمنع الناس من التخاصم، فإذا اختلفوا استفتوا ونزلوا عند إفتاء من يفتيهم من الصحابة، قطع العطاء عن المؤلفة قلوبهم بعد اعتزاز الإسلام وقوة شوكته، أخضع أراضي البلاد المفتوحة عنوة للخراج ولم يقسمها بين الغانمين، لكي يستكملوا فريضة الجهاد، وأعادها إلى أصحابها الذين كانوا عليها وجعل خراجها حقا للمسلمين.
أول من بدأ التاريخ بسنة الهجرة النبوية، وأول من دون الدواوين في الإسلام، جعلها على الطريقة الفارسية، لإحصاء الأعطيات، وتوزيع المرتبات لأصحابها حسب سابقتهم في الإسلام، اتخذ بيت مال المسلمين، وكانت الدراهم على أيامه على نقش الكسروية، فزاد فيها (الحمد لله) وفي بعضها زاد (لا إله إلا الله)، وفي بعضها (محمد رسول الله)، رد النساء المسبيات في حرب الردة إلى عشائرهن، وقال: كرهت أن يصير السبي سبة على العرب، ضرب في شرب الخمر ثمانين جلدة، وكانت أربعين وحرم المتعة ونهى عن بيع أمهات الأولاد، اتخذ داراً للدقيق وجعل فيها الدقيق والتمر والسويق والزبيب وما يحتاج إليه، يعين به المنقطع، وكان يخرج إذا صلى الآخرة -أي العشاء- فيطوف بدرته على من في المسجد، فينظر إليهم ويعرف وجوههم ويسألهم هل أصابوا عشاء، وإلا خرج فعشاهم، كان له عيون يتقصى بها أحوال الجيش وأحوال عماله في الأمصار، وكان إذا أتاه وفد من مصر من الأمصار سألهم عن حالهم وأسعارهم وعمن يعرف من أهل البلاد وعن أميرهم، وهل يدخل عليه الضعيف وهل يعود المريض، فإن قالوا نعم، حمد الله، وإن قالوا: لا، كتب إليه: أقبل، كان إذا بعث عاملاً يشترط عليه أربعاً: ألا يركب البراذين، ولا يلبس الرقيق، ولا يأكل النقي، ولا يتخذ بواباً.
ومر يوماً ببناء يبنى بحجارة وجص، فقال: لمن هذا؟ فذكروا عاملاً له على البحرين، فقال: أبت الدراهم إلا أن تخرج أعناقها، وشاطره ماله، في أيامه تم فتح الشام والعراق وافتتحت القدس والمدائن ومصر والجزيرة وخراسان وكرمان وسجستان وقبرص.
وانتصب في مدة خلافته اثنا عشر ألف منبر في الإسلام، أنشأ سبلا بين مكة والمدينة ووفر بذلك على السالكين حمل الماء، قالت له أم حكيم بنت الحارث اتق الله يا عمر، فقام إليها أحد الحاضرين يريد لطمها، فمنعه عمر وقال له: دعها تقول، فوالله لا خير فيهم إن لم يقولوها، ولا خير فينا إن لم نسمعها، كان عمر يقول: لو مات جمل ضياعا على شط الفرات لخشيت أن يسألني الله عنه، وكان يقول: أحب الناس إلي من أهدى إلي عيوبي، أجلى يهود خيبر إلى الشام ونصارى نجران إلى الكوفة وقال: لا يجتمع دينان في جزيرة العرب، اغتاله أبو لؤلؤة فيروز الفارسي غلام المغيرة بن شعبة في صبيحة يوم الأربعاء 25 ذو الحجة وهو يؤم الناس في صلاة الفجر، فمات ودفن إلى جانب أبي بكر في الروضة الشريفة التي دفن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانت مدة خلافته عشر سنين وستة أشهر، قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله جعل الحق على لسان عمر، وقال أبو بكر إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما طلعت الشمس على رجل خير من عمر. ، توفي عن ثلاث وستين من العمر.
3- عثمان بن عفان:
هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، الأموي القرشي، أبو عبد الله وأبو عمرو، أمه أروى بنت كريز بن حبيب بن عبد شمس، من كبار رجال الإسلام الذين اعتز بهم عند ظهوره، ولد بمكة وأسلم بعد البعثة بقليل، كان غنياً، شريفاً في الجاهلية، ومن أعظم أعماله تجهيزه جيش العسرة في السنة التاسعة للهجرة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد غزا فيه (تبوك)، هو أحد العشر المبشرين بالجنة، تولى الخلافة بعد اغتيال عمر بن الخطاب فهو ثالث الخلفاء الراشدين، وفي اختياره للخلافة قصة تعرف بقصة الشورى نعرضها باختصار كما رواها الطبري وابن الأثير، وهي أنه لما طعن عمر بن الخطاب دعا ستة أشخاص من الصحابة، وهم علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله ليختاروا من بينهم خليفة، وعلم العباس بالأمر فقال لابن أخيه علي لا تدخل معهم، فقال: إني أكره الخلاف، قال: إذن ترى ما تكره، وذهب المدعوون إلى لقاء عمر إلا طلحة بن عبيد الله
فقد كان في سفر، فلما اجتمعوا عند عمر قال لهم: تشاوروا فيما بينكم واختاروا للخلافة واحداً منكم، ودعا المقداد بن الأسود وقال له: إذا وضعتموني في حفرتي فاجمع هؤلاء الرهط في بيت حتى يختاروا رجلاً منهم، وأحضر معهم عبد الله بن عمر ليكون مشاوراً وليس له شيء من الأمر، وقم على رؤوسهم، فإن اجتمع خمسة ورضوا واحدا منهم وأبى السادس اختياره فاضرب رأسه بالسيف، وان اتفق أربعة فرضوا رجلاً وأبى اثنان فاضرب رأسيهما بالسيف، فإن رضي ثلاثة رجلا منهم وثلاثة رجلا منهم فحكموا عبد الله بن عمر فأي الفريقين حكم له فليختاروه ، فإن لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر فليكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، فخرجوا من عند عمر، وتلقى العباس علياً فقال له علي: عدلت عنا -أي خرجت منا الخلافة- فقال العباس وما علمك؟ قال: قرن بي عثمان، وقال عمر: كونوا مع الأكثر، فإن رضي رجلان رجلا، ورجلان رجلا فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، فسعد بن أبي وقاص لا يخالف ابن عمه عبد الرحمن ، وعبد الرحمن صهر عثمان لا يختلفون، فيوليها عبد الرحمن عثمان، أو يوليها عثمان عبد الرحمن، فلو كان الآخران معي لم ينفعاني ما دام الرجحان للثلاثة الذين فيهم عبد الرحمن، فقال له عمه العباس: لم أرفعك في شيء إلا رجعت إلي مستأخراً بما أكره، أشرت عليك عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسأله في من هذا الأمر فأبيت، وأشرت عليك بعد وفاته أن تعاجل الأمر فأبيت، وأشرت عليك حين سماك عمر في الشورى ألا تدخل معهم فأبيت، احفظ عني واحدة، كلما عرض عليك القوم فقل: لا، إلا أن يولوك، واحذر هؤلاء الرهط، فإنهم لا يبرحون يدفعوننا عن هذا الأمر حتى يقوم لنا به غيرنا، فلما مات عمر وأخرجت جنازته تصدى علي وعثمان أيهما يصلي عليه، فقال عبد الرحمن بن عوف لهما: كلاكما يحب الإمرة، لستما من هذا في شيء، فليصل عليه صهيب، فقد استخلفه عمر بعد طعنه ليصلي بالناس حتى يجتمعوا على إمام، فصلى عليه صهيب، فلما دفن عمر جمع المقداد أهل الشورى في بيت المسور بن مخرمة وكانوا خمسة ومعهم عبد الله بن عمر وطلحة بن عبيد الله غائب، فتنافس القوم في الأمر وكثر بينهم الكلام، فقال عبد الرحمن بن عوف أيكم يخرج نفسه منها على أن يوليها أفضلكم؟ فلم يجبه أحد، فقال: أنا أخلع نفسي منه، فقال عثمان أنا أول من رضي وقال القوم قد رضينا، فقال أعطوني مواثيقكم على أن ترضوا من أختار لكم، وعلي ميثاق الله ألا أخص ذا رحم لرحمه، ولا آلو المسلمين، فأخذ منهم ميثاقاً وأعطاهم مثله، وخلا بعلي بن أبي طالب وقال له: أرأيت لو صرف هذا الأمر عنك فلم تحضر فمن كنت ترى من هؤلاء الرهط أحق به؟ قال: عثمان، وخلا بعثمان وسأله ما سأل علياً، فقال: علي، ثم خلا بكل من الزبير وسعد بن أبي وقاص فكلمهما بمثل ما كلم به علياً وعثمان، فقالا: عثمان ودار عبد الرحمن لياليه يلقى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن وافى المدينة من أمراء الأجناد وأشراف الناس يشاورهم، ولا يخلو برجل إلا أشار عليه بعثمان، حتى إذا كانت الليلة التي يستكمل بها الأجل -وهي ثلاثة أيام كان عمر حددها لهم، دعا عبد الرحمن أهل الشورى ودعا الناس إلى المسجد، ونادى علياً فقال له: عليك عهد الله وميثاقه لتعملن بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده؟ قال: أرجو أن أفعل وأعمل بمبلغ علمي وطاقتي، ونادى عثمان فقال له مثل ما قال لعلي قال عثمان: نعم، فرفع عبد الرحمن رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد عثمان فقال: اللهم اسمع واشهد، اللهم إني قد جعلت ما في رقبتي من ذلك في رقبة عثمان فبايعه، فقال علي: ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علينا، فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون، والله ما وليت عثمان إلا ليرد الأمر إليك، فقال عبد الرحمن: يا علي لا تجعل على نفسك سبيلاً، فإني قد نظرت وشاورت الناس فإذا هم لا يعدلون بعثمان، وازدحم الناس يبايعون عثمان وتلكأ علي، فقال عبد الرحمن: فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بمن عاهد عليه الله فسيؤتيه أجراً عظيماً، فرجع علي يشق الناس حتى بايع وهو يقول: (خدعة وأيما خدعة)، ويقول الطبري: إن سبب قول علي خدعة: أن عمرو بن العاص كان قد لقي علياً في ليالي الشورى، فقال له: إن عبد الرحمن رجل مجتهد، وإنه متى أعطيته العزيمة كان أزهد له فيك، ولكن الجهد والطاقة فإنه أرغب له فيك، قال: ثم لقي عثمان فقال له: إن عبد الرحمن
رجل مجتهد وليس والله يبايعك إلا بالعزيمة فأقبل، فلذلك قال علي لما سأله عبد الرحمن هل يعمل بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده، أرجو أن أفعل وأعمل بمبلغ علمي وطاقتي، آخذاً بنصيحة عمرو بن العاص وأجاب عثمان على نفس السؤال بقوله: نعم دون تردد آخذاً بنصيحة عمرو بن العاص، ونرى أن عمراً نصح علياً بغير ما نصح به عثمان، وقد أخذ كل منهما بنصيحته، وكان خدعة من عمرو رددها علي بعد مبايعة عثمان، وشعر بها بعد أن وقع في حبالتها، كان عهد عثمان عهد فتوحات ففي عهده فتحت أرمينية وأذربيجان وإفريقية وبدأ غزو الروم براً وبحراً، وفتحت جزيرة قبرص، وفي سنة 27 هـ أرسل حملة بحرية لغزو سواحل الأندلس، وهو أول من فكر في فتح القسطنطينية واقتحام أوروبا عن طريق إسبانيا للوصول إليها، وكان أمره بغزو سواحل إسبانيا لهذه الغاية، يرجع إليه الفضل في إزالة الخلاف في قراءة القرآن بجمعه صحفه التي كانت محفوظة عند حفصة بنت عمر بن الخطاب أم المؤمنين، زوج النبي صلى الله عليه وسلم ونسخها في مصحف واحد بمعرفة زيد بن ثابت وآخرين من الصحابة الحافظين للقرآن، وأمر بإحراق ما سواه، اتهموه بتولية أصحابه وأقربائه مناصب الدولة، من ذلك توليته عبد الله بن عامر بن كريز ابن عمته على البصرة بدلاً من أبي موسى الأشعري، وتوليته الوليد بن عقبة أخاه لأمه على الكوفة بعد عزله سعد بن أبي وقاص، وعزله عمرو بن العاص عن مصر وتولية عبد الله بن سعد بن أبي سرح مكانه، وكان عبد الله أخاه من الرضاع، وقد أخذ عمرو بن العاص يؤلب الناس على عثمان، وعظم على أهل مصر عزله، وأخذ يحرضهم على ذلك محمد بن أبي بكر ومحمد بن أبي حذيفة، فاستنفروا نحوا من ستمائة رجل وتوجهوا إلى المدينة وسألوه أن يعزل ابن أبي سرح وتولية محمد بن أبي بكر فأجابهم إلى ذلك، فلما رجعوا إذا هم براكب فأخذوه وفتشوه فوجدوا معه كتاباً إلى ابن أبي سرح على لسان عثمان يأمره بقتل محمد بن أبي بكر وجماعته، فرجعوا إلى المدينة وداروا بالكتاب على الصحابة فلام الناس عثمان، ولما عرض الكتاب على عثمان أنكره وأقسم أن لا علم له به وثبت أنه مزور، وأن مروان بن الحكم كاتب عثمان وحامل ختمه، زوره على لسانه، فهاج المصريون وحاصروا عثمان في داره وطلبوا إليه أن يتخلى عن الخلافة فلما أبى دخلوا عليه وقتلوه ونهبوا داره وعدلوا إلى بيت المال فأخذوا ما فيه، وكان عثمان وهو محصور قد أرسل إلى معاوية بن أبي سفيان يستنجده فأرسل حبيب بن مسلمة الفهري على رأس جيش، وفي رواية أنه أمره أن يبطئ السير إلى المدينة وقبل أن يصل إليها بلغه مقتل عثمان فقفل راجعاً إلى دمشق.
وبمقتل عثمان انعطفت مسيرة التاريخ الإسلامي إلى عهد بدأت فيه الفتن ونشبت فيه الثورات، وانقضى عهد الطبقة الأولى في الإسلام وهي عصر النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما وست سنوات من عهد عثمان رضي الله عنه، ففي هذا العهد كان المسلمون على التوحيد الصحيح المخلص مع الألفة واجتماع الكلمة على الكتاب والسنة، وليس هناك عمل قبيح ولا بدعة فاحشة ولا نزع يد من طاعة ولا حسد ولا غل ولا تأول، حتى الذي كان من قتل عثمان وما انتهك منه، قتل عثمان في شهر ذي الحجة في يوم الجمعة، بعد حصار دام شهرين، وكان عمره 82 عاماً.
4- علي بن أبي طالب:
هو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي، أبو الحسن أمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف القرشية الهاشمية، أمير المؤمنين، رابع الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وأول الفتيان إسلاماً، ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وصهره وأحد الشجعان الأبطال، ومن أكابر الخطباء والفصحاء والعلماء بالقضاء والفتيا، كان اللواء في يده في أكثر المشاهد، ولم يتخلف في مشهد من المشاهد إلا في غزوة تبوك ليرعى عياله، اختاره عمر بن الخطاب بعد طعنه بين الستة من أصحاب الشورى ليخلفه واحد منهم، وهم علي بن أبي طالب وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان وسعد بن أبي وقاص بويع بالخلافة بعد مقتل عثمان بن عفان سنة 35هـ، فقام أكابر الصحابة يطلبون القبض على قتلة عثمان وقتلهم، وتوقى علي الفتنة، فتريث فغضبت عائشة أم المؤمنين، وقام معها جمع كبير في مقدمتهم طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وقاتلوا علياً، فكانت وقعة الجمل سنة 36هـ، وظفر علي على مقاتليه بعد أن بلغ عدد القتلى في الفريقين عشرة آلاف، ثم كانت وقعة صفين سنة 37هـ وخلاصة خبرها أن علياً عزل معاوية بن أبي سفيان من ولاية الشام يوم ولي الخلافة، ولم يأخذ برأي من أشار عليه بالتريث، فعصاه معاوية فاقتتلا مائة وعشرة أيام، ولما رأى معاوية أن النصر اقترب من علي أشار عليه عمرو بن العاص برفع المصاحف وطلب التحكيم، فحكم علي أبا موسى الأشعري وحكم معاوية عمرو بن العاص، ويروي ابن سعد في طبقاته والذهبي في سير أعلام النبلاء أن عبد الله بن عباس قال لعلي: لا تحكم أبا موسى فإن معه رجلاً حذرا قارحاً -أي مجرباً للأمور- فاجعلني معه، فقال علي: يا ابن عباس ماذا أصنع؟ إنما أوتى من أصحابي، وقد ضعفت نيتهم وكلوا، فهذا الأشعث يقول: لا يكون في التحكيم مضريان حتى يكون أحدهما يمانيا، وأبو موسى يماني، قال ابن عباس: فعرفت أنه مضطهد وعذرته، ومثل ذلك قال له الأحنف بن قيس وطلب أن يكون ابن عباس مع أبي موسى ، فأبت اليمانية، وطلب ابن عباس أن يكون الأحنف مع أبي موسى فأبت اليمانية أيضاً، وقد اجتمع الحكمان بأذرح واتفقا سراً على خلع علي ومعاوية وعلى رد الأمر للمسلمين، يختارون من يشاءون، وأعلن أبو موسى ذلك وخالفه عمرو فأقر معاوية وعزل علياً، فافترق المسلمون ثلاثة فرق: الأول بايع معاوية وهم أهل الشام، والثاني حافظ على بيعته لعلي، والثالث اعتزلهما ونقم على علي رضاءه بالتحكيم، فقد أنكر هذا الفريق أن يحكم علي الرجال في حقه بالخلافة، فهو صاحب هذا الحق، وليس له أن يتنازل عنه ويحكم الرجال فيه، فهو حق لله لا يحل فيه التحكيم، وقد جادلهم علي وذكرهم أنهم هم الذين أرغموه على قبول التحكيم حين سئموا القتال، وكانت وقعة النهروان بينه وبينهم سنة 38هـ وفيها قضي على كثير منهم وتفرق من بقي حياً يدعون لمذهبهم الذي عرفوا به وهو (الخوارج)، كما دعوا أيضاً بالحرورية نسبة إلى حروراء التي تجمعوا فيها وأعلنوا فيها خروجهم على علي، وكان منهم جماعة من كبار الصحابة، ويسمون أيضاة بالشراة لأنه شروا أنفسهم وابتاعوا آخرتهم بدنياهم، أقام علي بعد ذلك بالكوفة وجعلها دار الخلافة إلى أن قتله عبد الرحمن بن ملجم الخارجي في مؤامرة يوم 17 رمضان سنة 40هـ، واختلف في مكان قبره، وكان عمره يوم قتل 63سنة، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم فأكثر، وروى عنه بنوه الحسن والحسين ومحمد ابن الحنفية ، وروى عنه الصحابة وكثير من التابعين، وكان عمر بن الخطاب يرجع إليه في المعضلات، وكان الصحابة إذا ثبت لهم الشيء عن علي لم يعدلوا به إلى غيره، وكان النبي صلى الله عليه وسلم عند رجوعه إلى المدينة من حجة الوداع سنة 10هـ توقف في غدير خم وقال لمن معه: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه.
والله أعلم.