السبت 2 محرم 1436

المركز الأول في فئة المحتوى الإلكتروني - مسقط 2009




البسملة في الصلاة.. جهر أم إسرار

الأحد 18 ذو القعدة 1426 - 18-12-2005

رقم الفتوى: 70003
التصنيف: قراءة الفاتحة وسورة

 

[ قراءة: 15219 | طباعة: 246 | إرسال لصديق: 0 ]

السؤال

اشرح رد أبي شامة عن التعارض في حديث البسملة الذي ذكره الحافظ العراقي في التقييد والإيضاح؟   

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

 فقد تكلم على الروايات المتعارضة عن أنس في شأن البسملة في الصلاة ابن عبد البر فأعلها بالاضطراب فإنه قال في كتاب الاستذكار: اختلف عليهم في لفظه اختلافا كثيرا مضطربا متدافعا، منهم من يقول: صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، ومنهم من يذكر عثمان ومن لا يذكر، فكانوا لا يقرءون بسم الله الرحمن الرحيم، ومنهم من قال: فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم، وقال كثير منهم: كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين، وقال بعضهم: فكانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم، وقال بعضهم: كانوا يقرءون بسم الله الرحمن الرحيم. قال: وهذا اضطراب لا تقوم معه حجة لأحد من الفقهاء الذين يقرءون بسم الله الرحمن الرحيم والذين لا يقرءونها .

وقد حاول أبو شامة ترجيح الأحاديث المثبتة بما رواه البخاري في صحيحه، وذكر أنه لم تختلف الروايات على قتادة في حديث البخاري، هذا بخلاف حديث مسلم فاختلف فيه عليه، وما لم يختلف فيه أولى عند الترجيح بحصول الضبط فيه، فذكر أبوشامة أنه روى البخاري في صحيحة من طريقين عن قتادة عن أنس قال: سئل أنس بن مالك كيف كانت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: كانت مدا، ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، يمد ببسم الله، ويمد بالرحمن: ويمد بالرحيم.

ثم أطنب أبو شامة في بيان صحة الحديث ودلالته على المراد بما في ذلك إثبات البسملة حال القراءة في الصلاة وخارج الصلاة فقال: وهذا إسناد لا شك في صحته، وقال الدارقطني بعد تخريجه: هذا حديث صحيح وكلهم ثقات. وقال الحازمي: هذا حديث صحيح لا يعرف له علة، وفيه دلالة على الجهر مطلقا وإن لم يقيد بحالة الصلاة فيتناول الصلاة وغير الصلاة.

ثم قال أبو شامة موضحا كلام الحازمي: وتقرير هذا أن يقال: لو كانت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم تختلف في الصلاة وخارج الصلاة لقال أنس لمن سأله: عن أي قراءتيه تسأل عن التي في الصلاة أم التي خارج الصلاة؟ فلما أجاب مطلقا علم أن الحال لم يختلف في ذلك، وحيث أجاب بالبسملة دون غيرها من آيات القرآن دل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر بالبسملة في قراءته، ولولا ذلك كان أنس أجاب: الحمد لله رب العالمين أو غيرها من الآيات. قال: وهذا واضح.

قال: ولنا أن نقول الظاهر أن السؤال لم يكن إلا عن قراءته في الصلاة، فإن الراوي قتادة وهو راوي حديث أنس ذاك وقال فيه: نحن سألناه عنه. انتهى.

هذا.. وننبه إلى أن الشافعي والترمذي وابن عبد البر وابن خزيمة وابن حزم والنووي وابن حجر رجحوا إثبات البسملة، وحملوا أحاديث أنس على القراءة بها سرا وتابعهم الصنعاني والألباني.

قال الشافعي في رد حديث النفي الذي رواه مالك في الموطأ عن حميد عن أنس قال: صليت وراء أبي بكر وعمر وعثمان فكلهم كان لا يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم.

 قال الشافعي: خالفه سفيان بن عيينة والفزاري والثقفي وعددٌ لقيتهم سبعة أو ثمانية مؤمنين مخالفين له، قال: والعدد الكثير أولى بالحفظ من واحد، ثم رجح روايتهم بما رواه عن سفيان عن أيوب عن قتادة عن أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين. قال الشافعي: يعني يبدءون بقراءة أم القرآن قبل ما يقرأ بعدها، ولا يعني أنهم يتركون بسم الله الرحمن الرحيم.

وقال الترمذي في السنن عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان يفتتحون القراءة بـ {الحمد لله رب العالمين} قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين ومن بعدهم كانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين. قال الشافعي: إنما معنى هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين معناه أنهم كانوا يبدءون بقراءة فاتحة الكتاب قبل السورة ،وليس معناه أنهم كانوا لا يقرؤون {بسم الله الرحمن الرحيم} وكان الشافعي يرى أن يبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم وأن يجهر بها إذا جهر بالقراءة.

وقال ابن عبد البر في كتاب الإنصاف في البسملة بعد أن رواه من رواية أيوب وشعبة وهشام الدستوائي وشيبان بن عبد الرحمن وسعيد بن أبي عروبة وأبي عوانة: فهؤلاء حفاظ أصحاب قتادة ليس في روايتهم لهذا الحديث ما يوجب سقوط بسم الله الرحمن الرحيم من أول فاتحة الكتاب انتهى.

وقال ابن خزيمة في صحيحه: باب ذكر الدليل على أن أنساً إنما أراد بقوله: لم أسمع أحدا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، أي لم أسمع أحدا منهم يقرأ جهرا بسم الله الرحمن الرحيم، وأنهم كانوا يسرون بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة؛ لا كما توهم من لم يشتغل بطلب العلم من مظانه وطلب الرئاسة قبل تعلم العلم. أخبرنا أبو طاهر نا أبو بكر نا سلم بن جنادة القرشي نا وكيع عن شعبة عن قتادة عن أنس قال: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فلم يجهروا ببسم الله الرحمن الرحيم. 

 قال الألباني في تحقيق صحيح ابن خزيمة: إسناده صحيح، وما أعل به من الاضطراب فليس بشيء؛ إذ يمكن التوفيق بين وجوه الاختلاف لكن لا مجال لبيان ذلك هنا.

ثم ذكر ابن خزيمة رواية أخرى تصرح أنهم كانوا يسرون بها.

وقال ابن القيم في الزاد: وكان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم تارة، ويخفيها أكثر مما يجهر بها. ولا ريب أنه لم يكن يجهر بها دائما في كل يوم وليلة خمس مرات أبدا، حضرا وسفرا، ويخفى ذلك على خلفائه الراشدين، وعلى جمهور أصحابه، وأهل بلده في الأعصار الفاضلة، هذا من أمحل المحال حتى يحتاج إلى التشبث فيه بألفاظ مجملة، وأحاديث واهية، فصحيح تلك الأحاديث غير صريح، وصريحها غير صحيح، وهذا موضع يستدعي مجلدا ضخما .

وقال الصنعاني في السبل: والأقرب أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بها تارة جهرا وتارة يخفيها.

ومن أوضح حجج هذا المذهب حديث الدارقطني والبيهقي: إذا قرأتم الحمد لله، فاقرؤوا بسم الله الرحمن الرحيم، إنها أم الكتاب والسبع المثاني، بسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها. والحديث صحيح، كما قال  الألباني في صحيح الجامع، وصحح ابن حجر كونه موقوفا.

والله أعلم.