الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أهمية تجنب الفتاوى التي توقع الفرقة بين المسلمين

السؤال

أعلنت السعودية عيد الفطر المبارك يوم الثلاثاء بينما أعلنت مصر إكمال عدة رمضان 30 يوما أي أن العيد الأربعاء. و قد أفتى أحد الدعاة بجواز أن يختار المسلمون في مصر بين أن يصوموا يوم 30 رمضان أو يفطروا في هذا اليوم كما أعلنت السعودية. مما أثار الكثير من البلبلة والانقسام بين أفراد الأسرة الواحدة. فما حكم هذا العمل؟

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فالذي نراه أن هذا المفتي جانبه الصواب حيث إنه لا ينبغي أن يُفتى الناس فتوى عامة من شأنها أن توقع الفرقة والعداوة وتؤدي إلى حدوث الخصومات. نعم نحنُ لا ننفي وجود الخلاف في المسألة، ولا نمنع من رأى رأياً من أن يعمل به إذا كان للاجتهاد فيه مساغ، فمن كان يرى أن الهلال إذا ظهرَ في بلد لزم جميع الناس الصوم والفطر فعملَ بهذا الرأي فلا حرج عليه في ذلك، شريطة أن يعمل به في نفسه ولا يدعو أحداً إليه ولا يحملُ أحداً عليه سداً لذرائع الفتن وإخماداً لجذوة الشر، فقد أوجب بعض العلماء الفطر سرا على من رأى هلال شوال وحده.

قال ابن مفلح في الفروع متحدثا عن هذه المسألة: قال ابن عقيل: يجب أن يفطر سرا لأنه تيقن يوم العيد وعلل ابن عقيل بما فيه من المفسدة كتركه بناء الكعبة على قواعد إبراهيم.

فالمفسدة الناشئة هنا عن الجهر بالفطر معتبرة، فإن قال قائل: كيف أمتنع من إظهار ما أراه شرع الله وهو مذهب الجمهور؟ فجوابه: هو أن الشرع قائمٌ على تحصيل المصالح وتكميلها، وتقليل المفاسد وتعطيلها، وقد نهى الله عز وجل عن سب آلهة المشركين وسبها حق، لما يجره ذلك من الفساد وهو أنهم يسبون الله عز وجل، قال تعالى: وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ. { الأنعام: 108} ، وامتنع النبي صلي الله عليه وسلم من قتل عبد الله بن أبي مع ظهور نفاقه دفعاً لمفسدةٍ أرجح وهي ألا يتحدثُ العرب أن محمداً صلى الله عليه وسلم يقتلُ أصحابه، وامتنع صلى الله عليه وسلم من هدم الكعبة وإعادتها على قواعد إبراهيم لأجل أن الناس حديثُو عهدٍ بكفر، مع أن هدمها وإعادة بنائها حق، وكلُ ذلك ثابتٌ في الصحيحين وغيرهما .

فالفقيه هو الذي يُطابقُ بين الشرع والواقع، لا يُعارضُ بين الشرع والواقع، فهو كالطبيب الماهر يضع الدواء في موضع الداء.

وأما عن تحقيق القول في المسألة، فالمسألة فيها قولانِ معروفان، قولٌ بأن لكلِ أهل بلدٍ رؤيتهم وعليه أكثرُ الشافعية، وهو الذي حكاهُ الترمذي عن أهل العلم ، وهو المفتى به عندنا، وانظر الفتوى رقم: 39425 .

والقول الثاني: وهو مذهبُ الجمهور وهو أن الهلال إذا ظهر في بلد لزم جميع الناس الصوم والفطر، وظاهر كلام شراح مختصر خليل أن ذلك مقيد بما إذا لم تكن البلاد متباعدة جدا كالأندلس من خرسان، وأطال الشوكاني في تقريره والانتصار له في شرح المنتقى، فعلى من رأى هذا الرأي أن يصومَ ويفطر سراً لما يجره الجهر بذلك من الفتن بين المسلمين، نسألُ الله أن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني