الخميس 29 ذو الحجة 1435

المركز الأول في فئة المحتوى الإلكتروني - مسقط 2009




تفسير الآيات: 49-51 من سورة الأحزاب

الإثنين 20 ذو الحجة 1422 - 4-3-2002

رقم الفتوى: 14075
التصنيف: مختارات من تفسير الآيات

 

[ قراءة: 18920 | طباعة: 209 | إرسال لصديق: 0 ]

السؤال
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
ما هو تفسير الآية 50 من سورة الأحزاب؟
شكراً لكم.
الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:

فهناك ترابط بين معنى آية (51) من سورة الأحزاب، وبين الآية التي قبلها، والآية التي بعدها، ولذلك فلا يتضح معناها وتتجلى الحكمة فيها إلا بتفسيرها مع ما قبلها وما بعدها، ولذلك سنشرح الآيات الثلاث كلها بإيجاز متوكلين على الله ومستعينين به، ثم بكتب تفسير القرآن الكريم، كتفسير ابن جرير، وابن كثير، والقرطبي، وغيرهم.
يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ) [الأحزاب:50].
أي: أحللنا لك أزواجك الكائنات عندك، لأنهن قد اخترنك على الدنيا وزينتها، وآثرن الحياة معك على ضيق في المطعم والمسكن، لأن الله تعالى قال لنبيه: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً) [الأحزاب:28-29]. فاخترن البقاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقوله: (اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ) أي: مهورهن، وكان مهر نساء النبي صلى الله عليه وسلم اثنتي عشرة أوقية ونصف ذهباً وهي تساوي خمسمائة درهم من الفضة، مع أنه يجوز له أن يتزوج بدون مهر كما سيأتي، وذكر المهر على سبيل الأفضلية.
وقوله: (وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ) [الأحزاب:50] أي: السراري اللتي دخلن في ملكك بالغنيمة، وليس المراد بهذا القيد إخراج ما ملكه بغير الغنيمة، فإنها تحل له السرية المشتراة والموهوبة ونحوها، ولكنه إشارة إلى ما هو أفضل، كالقيد المصرح به بإيتاء المهور.
وقوله: (وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ) [الأحزاب:50] أي: يحل لك نكاحهن. قال ابن كثير: فهذا عدل وسط بين الإفراط والتفريط، فإن النصارى لا يتزوجون المرأة إلا إذا كان الرجل بينه وبينها سبعة أجداد فصاعداً، واليهود يتزوج أحدهم بنت أخته، فجاءت الشريعة الكاملة الطاهرة بهدم إفراط النصارى، فأباح بنت العم والعمة، وبنت الخال والخالة، وتحريم ما فرطت فيه اليهود في إباحة بنت الأخ والأخت، وهذا شنيع فظيع. ا.هـ
وقوله: (اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ) فإنه للإشارة إلى ما هو أفضل، وللإيذان بشرف الهجرة، وشرف من هاجر، وقيل هاجرن: يعني أسلمن، وقيل: إنه لا يحل للنبي صلى الله عليه وسلم الزواج إلا ممن هاجرت، لقول الله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا) [لأنفال:72]. والراجح القول الأول.
وقوله: (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) [الأحزاب:50] أي: وتحل لك أيها النبي المرأة المؤمنة إن وهبت نفسها لك أن تتزوجها بغير مهر إن شئت ذلك، وهذا الحكم خاص بك وحدك، فلا يحل لغيرك نكاح الواهبة نفسها له بدون مهر، بل إن نكحها بدونه ثبت لها مهر المثل بالدخول، كما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم في تزويج بنت واشق لما فوضت، فحكم لها رسول الله صلى الله عليه وسلم بصداق مثلها لما توفي عنها زوجها، كما أنه لا يحل للنبي صلى الله عليه وسلم نكاح الواهبة إذا كانت كافرة؛ ولو من أهل الكتاب كما سيأتي.
وقوله: (قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) [الأحزاب:50]. أي: قد علمنا ما في ذلك من الصلاح، ففرضنا عليهم ألا يتزوجوا إلا بمهر وبينة - شاهدين - وولي، وألا يجمعوا بين أكثر من أربع نسوة، وقد رخصنا لك في ذلك، فلم نوجب عليك شيئاً من (هذا لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) وهذه هي الحكمة من عدم إيجابنا ذلك عليك، ومثله ما سيأتي في عدم إيجاب القسم بين نسائه، وليس معنى هذا أن الله خفف عليه مطلقاً دون الأمة، بل قد أوجب الله عليه أشياء لم يوجبها على الأمة، وحرم عليه أشياء لم تحرم على الأمة.
وقوله تعالى في الآية: (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ) الخطاب هنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعنى قوله: (تُرْجِي) تؤخر من تشاء من نسائك، وتؤوي إليك من تشاء. أي: تضم.
وقد اختلف المفسرون في هذه الآية على ثلاثة أقوال:
الأول: أن الله خير رسوله في القسم بين نسائه، فإن شاء قسم، وإن شاء لم يقسم.
الثاني: أن الله خيره في قبول الواهبة نفسها له وعدمه، كما سبق.
الثالث: أن الآية عامة تشمل الأمرين السابقين.
قال ابن كثير رحمه الله: ومن هنا اختار ابن جرير أن الآية عامة في الواهبات وفي النساء اللتي عنده أنه مخير فيهن، فإن شاء قسم، وإن شاء لم يقسم، وهذا الذي اختاره حسن جيد قوي، وفيه جمع بين الأحاديث.
وقوله: (وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ) أي: ولا جناح عليك أن تقسم لمن عزلتهن من نسائك، فلم تقسم لهن، أو تقبل من الواهبات أنفسهن لك من لم تكن قبلتهن من قبل.
وقوله: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ) [الأحزاب:51].
أي: إذا علمن أن كل هذا لا يجب عليك، وإنما أنت مخير فيه من الله سبحانه وتعالى حملهن ذلك على الرضا بما فعلته، وأنك لم تقصر في حق واحدة منهن إذا لم تقسم لها، أو لم تقبلها، ولكن مع هذا فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه بالعدل، كما رواه أحمد وأصحاب السنن الأربع عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل، ثم يقول: "اللهم هذا فعلي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك" وزاد أبو داود بعد قوله: "فلا تلمني فيما تملك ولا أملك" يعني القلب.
قال ابن كثير الإسناد صحيح، ورجاله كلهم ثقات، ولهذا عقب بعد ذلك بقوله تعالى: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً) وكان الله عليماً أي: بضمائر السرائر حليماً أي يحلم ويغفر. ا.هـ.
وأما الواهبات أنفسهن، فقيل: إنه لم يقبل منهن واحدة، كما روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لم يكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة وهبت نفسها له. وقيل: بل قبل بعضهن، واختلف في اسم المقبولة منهن على أقوال كثيرة لا نطيل بذكرها.
وقوله تعالى: (لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ) [الأحزاب:52] أي: لا يحل لك أن تتزوج غير النسوة اللتي معك، وهذا مجازاة لهن ورضاً عنهن على حسن صنيعهن في اختيارهن الله ورسوله والدار الآخرة، لما خيرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم.
قوله: (وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ) فنهاه عن الزيادة عليهن إن طلق واحدة منهن أن يستبدلها بغيرها، إلا ما ملكت يمينه، فله أن يملك ما شاء.
والصحيح أن هذه الآية منسوخة، لما رواه أبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه، وابن مردوية والبيهقي من طريق عطاء عن عائشة رضي الله عنها قالت: لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل الله له أن يتزوج من النساء ما شاء، إلا ذات محرم، لقوله: (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ).
وبعد معرفة معاني هذه الآيات يتضح أن الله تعالى خص نبيه صلى الله عليه وسلم ببعض الأحكام، وليس معنى ذلك أن الله لم يخص المؤمنين بأحكام أخرى دونه كما يتصور البعض. وربما تكلم أعداء الإسلام في النبي صلى الله عليه وسلم بما هو منه براء، وأنه يمنع الناس من أشياء ويفعلها هو، وكما عرفنا في الآيات أنه ليس هو الذي يخص نفسه بذلك، بل الله يخصه، ومع هذا نجده يلزم العدل، ويتبع المصلحة الشرعية، فلم يعدد كما يزعم البعض لقضاء الوطر، فقد عاش عنفوان شبابه مع خديجة حتى توفيت، ثم تزوج سودة وهي كبيرة في السن، ولو كان زواجه للتمتع فحسب لاختار الأبكار الجميلات، ولكنه عدد لأغراض شريفة، كما في الفتوى رقم: 11207.
وهناك كلام مهم للإمام القرطبي ذكره عند تفسير هذه الآيات يتعلق بما اختص به النبي صلى الله عليه وسلم دون الأمة، وما اختصت به الأمة دونه، مما يدل على أن الأمر كله لله. يقول القرطبي رحمة الله عليه: خص الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم في أحكام الشريعة بمعان لم يشاركه فيها أحد في باب الفرض والتحريم والتحليل مزية على الأمة وهبة له ومرتبة خص بها، ففرضت عليه أشياء ما فرضت على غيره، وحرمت عليه أفعال لم تحرم عليهم، وحللت له أشياء لم تحلل لهم.
منها المتفق عليه، ومنها المختلف فيه: وفي بعضه نظر ظاهر.
فأما ما فرض عليه فتسعة: ذكرها القرطبي مفصلة، ونحن نذكرها ملخصة من كلامه.
الأول: التهجد بالليل. الثاني: الضحى.
الثالث: الأضحى. الرابع: الوتر، وهو يدخل في قسم التهجد، الخامس: السواك. السادس: قضاء دين من مات معسراً. السابع: مشاورة ذوي الأحلام في غير الشرائع. الثامن: تخيير النساء. التاسع: إذا عمل عملاً أثبته. زاد بعضهم: وإذا رأى منكراً أنكره وأظهره لغيره.
وأما ما حرم عليه فهو أمور:
الأول: تحريم الزكاة عليه وعلى آله. الثاني: صدقة التطوع عليه، وأما آله ففيه تفصيل واختلاف. الثالث: خائنة الأعين. الرابع: إذا لبس لأمته للحرب فلا يخلعها عنه حتى يحكم الله بينه وبين محاربه. الخامس: الأكل متكئاً. السادس: أكل الأطعمة الكريهة الرائحة. السابع: التبدل بأزواجه. الثامن: نكاح امرأة تكره صحبته. التاسع: نكاح الحرة الكتابية. العاشر: نكاح الأمة.
وأما ما أحل له صلى الله عليه وسلم فجملته خمسة عشر:
الأول: صفي المغنم. الثاني: الاستقلال بالخمس أو خمس الخمس. الثالث: الوصال في الصوم. الرابع: الجمع بين أكثر من أربع نسوة. الخامس: النكاح بلفظ الهبة. السادس: النكاح بغير صداق. الثامن: نكاحه في حالة الإحرام. التاسع: سقوط القسم بين زوجاته. العاشر: إذا طلق امرأة تبقى حرمته عليها، فلا تنكح بعده. الحادي عشر: دخوله مكة بغير إحرام، وفي حقنا فيه خلاف. الثاني عشر: القتال بمكة. الثالث عشر: أنه لا يورث. الرابع عشر: بقاء زوجته من بعد الموت. الخامس عشر: أنه أعتق صفية، وجعل عقتها صداقها.
ونختم بقول العلامة ابن العربي رحمه الله: فإنه ما كان من جانب الفضائل والكرامة فحظه فيه أكثر، وما كان من جانب النقائص فجانبه عنها أطهر.
والله أعلم.


مواد ذات صلة في المحاور التالية

لا يوجد صوتيات ذات صلة