الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تطور مدارس الاستشراق الألماني في القرن العشرين

10519 1 727
  إن كلمة استشراق لم تعد تستعمل في ألمانيا اليوم بعد صدور كتاب ادوارد سعيد (الاستشراق) الذي يمزج بين الاستشراق والاستعمار. فالمصطلح المستعمل اليوم في ألمانيا هو الاستعراب والدراسات الإسلامية.
  والاستشراق موضوع واسع ومتشعّب يتناول كل ما له علاقة بالشرق من حيث اللغة والأدب والتاريخ والدين والحضارة وما إلى ذلك. والشرق يقسم إلى ثلاثة اقسام: الأدنى - والأوسط - والأقصى . ونحن لا يهمنا منه هنا سوى ما له علاقة باللغة العربية ، والتراث العربي ، وبالإسلام.
  لم تكن ألمانيا الدولة الأوروبية الأولي التي اهتمت بالدراسات العربية والإسلامية، إذ سبقتها دول أوروبية أمثال فرنسا وإنكلترا وهولندا.
  ولعل الصفة البارزة للاستشراق الألماني أنه لم يزدهر نتيجة للاستعمار - كما هي الحال مع فرنسا وإنكلترا وهولندا التي كانت تستعمر أكبر دولة إسلامية هي أندونيسيا - أو يرتبط بأهداف دينية تبشيرية كسواه.    والاستشراق الألماني يمتاز بالموضوعية والعمق. وساهم المستشرقون الألمان أكثر من سواهم بجمع ونشر وفهرسة المخطوطات العربية ، وخصوصاً كتب المراجع والأصول المهمة.
  يقول الدكتور صلاح الدين المنجّد: "إن المستشرق الألماني وستنفلد نشر من تراثنا القديم ما يعجز عنه مجمع علمي" .
  وإلى نشر المخطوطات، فإن أهم ما قام به المستشرقون الألمان وضع المعاجم العربية . فقد وضع فرايتاغ (1788- 1861) المعجم العربي - اللاتيني في أربعة أجزاء ، ثم وضع فيشر (1865- 1949م) معجماً للغة العربية الفصحي. وقاموس استاذي هانس فير (1909- 1981م) العربي - الألماني للغة العربية المعاصرة. وقاموس شراكل (1923م) الألماني - العربي الذي صدر سنة 1974م ، والقاموس الضخم للغة العربية الفصحى الذي عمل عليه اولمان (1931- ) في جامعة توبنغن . ولما زرته سنة 1980م كان وصل إلى حرف الكاف (ك) ، واليوم وبعد عشرين سنة انتقل العمل على هذا القاموس إلى جامعة ميونيخ ووصل إلى حرف الميم (م) . وأن العمل على هذا القاموس سيستغرق مائة سنة ونيّف على رغم الإمكانات التكنولوجية والمادية المتوافرة ، وعلى رغم أن الذي يعمل على هذا القاموس هو فريق عمل.
  عندما نعرف ذلك ندرك كم هو عمل ابن منظور (630- 711هـ) واضع قاموس لسان العرب في (15) مجلداً وما يزيد على (8) آلاف صفحة - عمل مُعجز.
  كما قام بعض الأساتذة من المستشرقين الألمان البارزين بالتدريس في بعض الجامعات العربية وخصوصاً في جامعة القاهرة أمثال: ليتمان وبرجستريسر وشاده وشخت . كما أن أول مدير للمكتبة الخديوية في القاهرة كان المستشرق الألماني شتيرن. وعُيّن بعض المستشرقين الألمان أعضاء في مجامع اللغة العربية ؛ تقديراً لما قدّموه من خدمات للغة العربية والدراسات الإسلامية.
  لا بد لمن يتناول الاستشراق الألماني أن لا يُهمل ثيودور نولدكه (1836- 1930م) ، الذي اهتم بالأبحاث القرآنية ، إلى جانب اهتمامه بالشعر العربي القديم وخصوصاً المعلقات. وكذلك كارل بروكلمان (1868- 1956م) ، الذي اهتم بتاريخ الأدب العربي ، ووضع كتابه الشهير تاريخ الأدب العربي ، الذي ظهر الجزء الأول منه أواخر القرن التاسع عشر ، الذي عمل عليه طوال نصف قرن من الزمن ، ونقله إلى العربية بتكليف من جامعة الدول العربية ، عبدالحليم النجار ، ونشرته دار المعارف في مصر في ثلاثة أجزاء. وكتاب آخر مهم تركه لنا "بروكلمان" هو (تاريخ الشعوب والدول الإسلامية) ، الذي ظهر سنة 1939م ، ونقله إلى العربية نبيه أمين فارس ، ومنير بعلبكي سنة (1949- 1951م). وكتابه الرائد (قواعد اللغات السامية) في مجلدين ضخمين 1961م .
   ويجب ألا ننسى أنّ وليتمان (1875- 1958م) ، الذي ترجم كتاب (ألف ليلة وليلة) إلى الألمانية في ستة مجلدات بأسلوب رائع ، وهي أول ترجمة كاملة لهذا الكتاب الهام ، الذي كان له تأثير كبير في اوروبا .
  الاستشراق لا ينتهي بنهاية القرن ولا يتوقف . هو عملية مستمرة تتطور وتمر بفترات من الضعف والتراجع . ففي الثلاثينات من القرن العشرين أُصيب الاستشراق الألماني بانتكاسة عند مجيء النازية إلى الحكم ، وترك ألمانيا المستشرقون اليهود ، وبعض الألمان ، وذهب القسم الأكبر منهم إلى الجامعات الأميركية ؛ مما أعطى الدراسات العربية والإسلامية فيها دفعاً قوياً. وفي فترة الحرب العالمية الثانية أصاب الاستشراق الألماني ركوداً ؛ لانشغال بعض المستشرقين بالحرب ، ومقتل البعـض منهم فيها.
  ولكن بعد الحرب العالمية الثانية أخذ الاستشراق الألماني يستعيد نشاطه. وهنا حصل شيء جديد جاء نتيجة لتقسيم المانيا إلى قسمين: الغربية والشرقية. ففي ألمانيا الشرقية DDR سابقاً أخذ الاستشراق منحى جديداً ، وأصبح يركز على الدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعقائدية ، وعلى مواضيع حديثة لم يكن الاستشراق الألماني التقليدي يوليها كبير اهتمام.
   جمعية المستشرقين الألمان هذه الجمعية تعد من أبرز الجمعيات الاستشراقية في العـالم ، أسسـها المستـشرق فلايشر سنة 1845م في مــدينة هالّه على غرار الجمعيتين الآسيويتين الفرنسية والبريطانية. وما زالت حـتى اليوم تواصل نشاطها في جمع شمل المستشرقين الألمان ، وإقامة المؤتمـرات الدورية ، ودراسـة التراث العربي ، ونشر كنوزه. وانتقل مقرها بعد الـحرب الــعالمية الثانية أي سنة 1948م من مدينة هالّه إلى مدينة ماينس ، ولكنها عادت بعد أن توحدت ألمانيا إلى مقرها القديم في مــدينة هالّه. وبدأت في عقد اجتماعها الثامن والثلاثين في 26- 30 آذار - مارس الجاري. وهذه الجمعية تنشر مجلة مهمة تُعنى بالدراسات الشرقية ، هي مجلة المستشرقين الألمان ZDMG منذ سنة 1847م . يسهم فيها كبار المستشرقين الألمان وتصدر مرتين في السنة. يتولى الإشراف عليها المسـتــشرق تلمــان ناغـل 1942م الأستاذ في جامعة غوتنغن.
  وتضم جمعية المستشرقين الألمان اليوم أكثر من (600) عضو ، منهم أعضاء من غير الألمان ممن درسوا في الجامعات الألمانية وتفاعلوا مع الدراسات الشرقية.
 ومن بين أعضائها أعضاء شرف ، منهم إحسان عبّاس ، ونقولا زيادة. ولا بد لنا من ذكر مجلة الإسلام التي أسسها الأستاذ بيكر سنة 1910م في هامبورغ ، وتُعنى بعرض أبرز المؤلفات المتعلقة بالتاريخ والأدب والمجتمع الإسلامي.
  وهناك أيضاً مجلة عالم الإسلام التي أسسها كامبفماير في برلين سنة 1913م وهي تُعنى بالعالم الإسـلامــي عمــوماً. ومجلة أوريانس أسسـها الأستاذ ريتر في اسطنبول سنة 1948م ، وتُعنـى بالدراســات العربية. وهناك مجلات أخرى لا يتسع المجال لتناولها.
المعهد الألماني للأبحاث الشرقية في بيروت
 تأسس هذا المعهد سنة 1961م ، وهو تابع للجمعية الألمانية للدراسات الشرقية ، وهو أول معهد يجري تأسيسه خارج ألمانيا.
 كان صاحب فكرة تأسيس هذا المعهد أستاذي هانس فير ، الذي كان أمين سر جمعية المستشرقين الألمان وكان يود أن يؤسس هذا المعهد في دمشق ؛ على اعتبار أن دمشق أقدم عاصمة عربية ، وهي مدينة عربية عريقة. يومها كانت الوحدة بين سورية ومصر. ولما تقدمت ألمانيا بطلب الموافقة على إنشاء هذا المعهد في دمشق اشترطت حكومة الجمهورية العربية المتحدة أن يعين مدير عربي إلى جانب المدير الألماني ، ولما كانت جمعية المستشرقين الألمان لا ترى ضرورة لذلك ؛ لأن هذا المدير المحلّي لن يكون له أي عمل يقوم به ، عندئذ تقدمت الحكومة الألمانية بالطلب إلى الحكومة اللبنانية التي لم تشترط مثل هذا الشرط فتقرر إنشاء المعهد في بيروت. وتأسس في 1/5/1961م ، وكان يُشغل شقة في الطابق الثاني في بناية الصمدي ، شارع مدام كوري بالقرب من فندق البريستول - وهي البناية التي سكن في الطابق الأول منها الشاعر الكبير عمر أبو ريشة - ثم انتقل إلى مركزه الحالي في فيلا مود فرج الله ، في زقاق البلاط شارع حسين بيهم.
 أول مدير للمعهد كان هانس روبرت رويمر (1915- 1997م) ، ثم تعاقب على إدارته عشرة مستشرقين ، من بينهم مستشرقتان ويتولّي إدارته اليوم الأستاذ الدكتور مانفرد كروب.    وبسبب الأحداث في لبنان اضطر العاملون فيه إلى تأسيس مركز في اسطنبول ، أصبح منذ سنة 1987مفرعاً مستقلاً .
 وهذا المعهد الذي يضم مكتبة ضخمة ، ويهيّئ الجو للباحثين الألمان للعمل فيه ، يقوم بنشر سلسلة من الكتب تعرف بـ نصوص ودراسات بيروتية ، صدر أولها سنة 1964م ، وهو دراسة لي عن اللهجة اللبنانية ، هي الأولى باللغة الألمانية - وفاق عددها الـ75 كتاباً .
  ويُعنى المعهد كذلك بإصدار المكتبة الإسلامية ، وصدر منها ما يزيد على الخمسين كتاباً.
  يجب ألا نتوقع أنه بنهاية القرن العشرين طرأ تغير جذري على الدراسات العربية والإسلاميـة في ألمانــيا. في الواقع استمرت هذه الدراسات ناشطة ، وإن يكن من جديد طرأ عليهــا فهو التخصص من جهة ، وكثرة عدد الشبان والشابات الذين أخذوا يهتمون بها ويُقبـلون عليـها اليوم مما استـوجب تأسيس جامعات جـديدة. إذ يوجد في ألمانــيا الـيوم أكثر من (25) جامعة تُعنى بالدراسات العربية والإسلامية . وأن هذه الجامعات أخذت تهتم إضافة إلى المواضيع القديمة ، بالمواضيع الحديثة مثل دراسة اللهجات العربية المحكية ، والأدب العربي المعاصر من شعر ونثر، وبالقضايا السياسية ، والتيارات الفكرية وبالقضية الفلسطينية ، وبالمجتمع العربي والإسلامي .
 ما هو مستقبل الاستشراق الألماني؟
  يعتقد البعض أن الاستشراق إلى ضمــور، أنا لا أرى أن الاستشراق سيضعف ، بل إنه سينمو ويتطور ويتـناول مواضيع جديدة .
  ففي السنوات الأخيرة أخذ الاستشراق الألماني يركّز على العالم العــربي المعـــاصر ، ودراســـة اللغة المعاصـرة ، واللهـجات العربية ، إلى جـانب اللغة الفصـحى واللــغات الساميّة، ويهتم بمتابعة التطورات الســياسية والاقتصادية والاجتماعية في البــلاد العربيــة، ومن هــنا كثر هذا النوع من الدراسات الاجتماعية والسكانية والجــغرافية .
  أضف إلى ذلك الاهتمام بالأدب الحديث ، وبالدراسات اللغوية المعاصرة ، وهو ما يعرف بالألسنية .
  ولكن ذلك لا يعني أن الاستشراق سيتخلى عن الدراسات القديمة ، كاللغة ، والتراث ، والإسلام ، والتاريخ القديم .
  وبتنا نجد شيئاً من التخصص في هذا الحقل ؛ إذ أن بعض الجامعات باتت تُعنى ببعض الجوانب ، وتركز عليها من دون سواها .
  كما أن عدد الجامعات التي تُعني بالدراسات العربية والإسلامية أخذ يتزايد . ففي العقود الأخيرة تأسست جامعات عدة أخذت تلبي حاجات الطلاب الذين يُقبلون على الدراسات الاستشراقية ، ويمكن تصنيفهم إلى ثلاث فئات:
1- الطلاب الألمان الذي يتخصصون باللغة العربية والإسلام.
2- الطلاب الألمان أو العرب الذين يدرسون العربية كمادة فرعية إلى جانب تخصصهم بالعلوم السياسية والاقتصادية أو سواها.
3- أولاد المهاجرين المسلمين ، وفي غالبيتهم من الأتراك الذين ولدوا في ألمانيا ممن يقدمون على دراسة اللغة العربية والإسلام للإطلاع على دينهم .
  هذه لمحة سريعة عن الاستشراق الألماني المُشرق ، الذي سيبقى في يقيني محافظاً على تفوّقه وتفرّده
                      صحيفةالحياة:العدد13

مواد ذات الصله



تصويت

قال بعض السلف :متى رأيت تكديرا في الحال فابحث عن نعمة ما شُكِرت أو زلة فُعِلت قال تعالى(ذلك بأن الله لم يك مغيِّرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). في رأيك ما هو أهم سبب لزوال النعم؟

  • عدم شكرها
  • عصيان المنعم بنعمته
  • منع النعمة عن مستحقها
  • الإسراف والتبذير
  • جميع ما سبق