الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الماما يوحنا Papessa Joan

1857 0 383
   كان موكب البابا يوحنا يخترق شوارع روما متجهـًا من مقره في الفاتيكان إلى قصر اللاتيران ، حيث يعقد ما يسمى بمجلس اللاتيران ، جلس البابا في محفته مشيرًا بيده وأصابعه الثلاثة مرفوعة علامة على التثليث ، ويحركها علامة للصليب بتحريكها يمنة ويسرة ، وإلى أعلى ثم إلى أسفل موزعـًا البركات على الرعية التي اصطفت على جانب طريق الموكب ، وهي تذوب وجدًا وإيمانـًا ، فالموكب باهر ، والرموز كثيرة ، والألوان والأناشيد تملأ المكان ، والفرسان يتقدمون الموكب في ملابسهم الزاهية ، وخوذاتهم اللامعة ، والكل في شوق لتلقي بعض من هذه البركات الموزعة وتماثيل وأوثان لما يسمونه عذراء ، وأناشيد أطفال الكنيسة تختلط بها أناشيد الكهنة والرهبان في نغمات متتابعة مدروسة تزيد من أجواء الأبهة والفخامة.
  وما أن وصل الموكب إلى الطريق الضيق الذي يصل ما بين " الكولوزيوم " و " سانت كليمان " حتى فاجأت البابا الآم المخاض الذي لم يمهله ، وفوجئت الجماهير بصراخ نسائي يصدر من البابا المتألم من حالة الوضع التي أذهلت الجميع ، وسرعان ما وضع طفلاً على قارعة الطريق بين دهشة الجماهير وحيرتهم مما يرون ويسمعون ، وهاجت الناس وماجت حتى تبينت الحقيقة ، وأفاقوا من الصدمة ، فهجموا على موكب البابا الذي لم يكن سوى امرأة تزيت بزي الرجال وارتقت في مناصب الكنيسة حتى وصلت إلى منصب البابوية ، وربطوها إلى حصان أخذ يجري بها في الشوارع إلى أن قتلت سحلاً ، ويقال إنها دفنت في هذا الطريق الضيق ، والذي توقفت مواكب البابوات عن المرور فيه بعد ذلك ، وأطلق الناس على هذا البابا اسم " البابيسا يوهانا "    ( Papessa Joanna )  والذي أخفوا اسمها من سجلات الفاتيكان ، وأنكروا وجودها منذ ذلك الحين .
   وبعد انتشار النبأ في المحافل الكاثوليكية عين بابا جديد هو " أوربان الثاني " ( Urban ll ) الذي بادر بإعلان الحروب الصليبية في " كلير مونت " على المسلمين ، فهل كانت هذه الحروب محاولة للفت الانتباه المسيحي إلى عدو خارجي لتغطية المشاحنات الداخلية والفضائح الفاتيكانية ؟
 خرجت أوروبا ملوكـًا وشعوبـًا لإنقاذ بيت المقدس من يد " الكفار " وضاعت قصة " البابيسا يوهانا " بين أصوات طبول الحرب وأخبارها ، وانشغل الناس لمدة طويلة بانتصارات الحرب وهزائمها ، ومدها وجزرها ، ونسي الناس الفضيحة إلى أن أعاد نشرها " الدومينيكان جين دي مايللي    ( Dominican Jean de Mailly )في ألـ( Universal chronicle of Metz ) ما بين أعوام 1240م و 1250م ، قص قصة الفتاة المغامرة التي اعتلت كرسي البابوية بعد وفاة البابا " فيكتور الثالث " عام 1087م " عند الرجوع إلى تواريخ اعتلاء البابوات للكنيسة نجد أن البابا " فيكتور الثالث " توفي عام 1087م ، وانتخب " أوربان الثاني " عام 1088م ، وهناك فاصل زمني يقارب من الستة أشهر لعلها مدة ولاية الـ " بابيسا " والتي تسقطها الكنيسة الكاثوليكية من تاريخها " ، وكتب " الدومينيكان ستيفان دي بوربون " المتوفى عام 1262م نفس القصة ، وكتب أيضـًا " الفرنسيسكان من إيرفورت " المتوفى عام 1265م في " الكرونيكون مينور "   ( Chronicon minor ) القصة مرة أخرى جاعلاً التاريخ 1100م .
   ثم نشر البولندي " مارتن من تروويو " المتوفى عام 1297م   ( Chronicle of Popes of Em Perors ) نفس القصة غير أنه حدد تاريخ الحادثة في عام 855م عقب وفاة " ليو الرابع "( Johan Anglicus ) هو الـ " بابيسا يوهانا " صاحبة الحادثة المشهورة .
  وبالرجوع إلى تاريخ البابوات نجد أن أقرب حادثة تثير التساؤلات هي ولاية البابا( Joan ) في يناير 844م قبل وفاة " ليو الرابع " وليس بعد وفاته ، والقصة تقول إنه بعد موت البابا " جريجوري الرابع " ، وفي 25يناير 844م بالتحديد أعلن ( Joan ) بابا جديدًا في جو من المظاهرات العنيفة ، وجو شديد من الاضطرابات ، واعتبر( Joan ) هو الخليفة الشرعي ، واحتل قصر اللاتيران ، حيث توج هناك ، ولكن " الأرستوقراطية " لم تكن راضية عن هذا التعيين الشعبي ، واختارت أحد القساوسة من أصل أرستوقراطي هو الأب " سرجيوس " ، حيث طرد ( Joan ) من اللاتيران وسحقت المقاومة بسرعة وعين " سرجيوس " مكان ( Joan ) الذي طالبوا بموته ، ولكن " سرجيوس " أعتقه وحدد إقامته في أحد الأديرة ، ولم يسمع عنه بعد ذلك .
  وأيـًا كان التاريخ الصحيح ، فإن " مارتن " يقول : إنها حكمت مدة سنتين وسبعة أشهر وأربعة أيام ، وأن البابا في حقيقته كان امرأة من مواليد " ماينز "( Mainz ) ـ مدينة في ألمانيا الغربية حاليـًا ، وأنها خرجت من ماينز ، وهي فتاة تلبس ملابس الرجال في رفقة عشيقها ، وسافرا إلى اليونان ،حيث تميزت في الدراسة ، ثم أقامت في روما ، حيث كانت محاضراتها تجتذب نوعـًا رفيعـًا من المستمعين تحضهم فيها على الفضيلة ، ارتقى بها العمل في البلاط البابوي ، ثم أصبحت مبعوثـًا للبابا ، وأخيرا " كاردينالا " وانتخبت للكرسي البابوي بعد ذلك .
  والاختلاف القائم هو في تاريخ فترة حكمها هل كان بين حكم " فيكتور الثالث " و " أوربان الثاني " ، وهذا هو الأرجح أم في قترة الاضطرابات التي سبقت أو عقبت حكم البابا " ليو الرابع " ، ولعل هذا الاختلاف في تحديد تاريخ حكم " البابيسايوهانا " راجع إلى التعتيم الذي اتبع عقب الحادثة ، وطغيان أخبار الحروب الصليبية ، فأهملت الحادثة حقبة من الزمن ، وعندما عاد البروتستانت إلى نبش التاريخ مرة أخرى تفلتت بعض التفاصيل ، وقد أنبرى لهم المؤرخون من الكاثوليك يدافعون عن الشرف منكرين الحادثة ومدافعين دفاع المستميت عن كنيستهم وباباواتهم ، غير أنه من الملاحظ أنه عقب هذه الحادثة أصبح من قوانين انتخاب البابا أن يجري الكشف على المرشحين للتثبت من كونهم ذكورًا ، ويمكن بمعرفة تاريخ صدور هذا القانون من سجلات الفاتيكان أن يكون هذا التاريخ مؤشرًا لتاريخ الحادثة [ صدر هذا القانون في نهايات القرن الثالث عشر ] .
  وقد اختلف المؤرخون في أصل اسمها فأطلقوا عليها أسماء مختلفة فمنهم من سماها " أجنس " ، ومنهم من سماها " جيلبرتا " أو " يوتا " وبعضهم تركها بدون اسم ، وكتب دارسون أمثال " تبراخ " " 1374م " و " بوكاشيو " " 1375م " عن وجود تماثيل نصفية للبابوات ، ومنها تمثال نصفي للـ " بابيسا " كانت موجودة في " كاتدرائية سيينا "   ( Siena ) حتى عام 1400م ، وقد دافع النقاد عن الحادثة فقال مثلاً " ماريو اكويكولا " من " الفيتو " " 1525م "   Mario Equicola of Alvito بجوار " كازيرتا "           ( Caserta )أن تعيين " جوانا " كان بغرض إثبات أن الكنيسة تساوي بين الرجل والمرأة ، وازداد دفاع النقاد الدارسين الكاثوليك حتى انبرى لهم " دافيد بلونديل "   ( David Blondel ) " 1590 "  ـ 1655 " ، وهو بروتستنتي ، فمزق دعوى المنكرين ، وحجج المدافعين بطريقة المنكرين ، وحجج المدافعين بطريقة مؤثرة شاملة قطع بها الأمر نهائيـًا ، ونشر مقالاته في " امستردام " عام 1647م ، وعام 1657م حتى لم تقم لمدافع بعد ذلك قائمة .
  ومن الحجج الواهية قول بعض النقاد أن سبب تجنب الشارع المذكور بين " الكولوزيوم وسانت كليمان " هو ببساطة ضيق الشارع .
  ولعل اكتشاف تمثال امرأة ترضع طفلاً في هذا الشارع وعلى التمثال كتابات غريبة كان من دواعي إثارة هذه القصة مرة أخرى .
  ويدفع أحد النقاد القصة بقوله لعل ازدياد نفوذ كثير من النساء غير المدققات في البلاط البابوي في القرن العاشر من أمثال " تيودورا الكبرى " و " ماروزيا " و " تيودورا الصغرى " ساعد على انتشار هذه الفضيحة .
   ولعل جدولاً صغيرًا لتواريخ حكم البابوات في الفترتين المذكورتين يبين أين يمكن أن يقع حكم " البابيسايوهانا "

1- The Oxford dic tionary of the chistian chunch. F.L.cross Ox ford. Press 1974     
2- The Qxford dic tionary of Popes. J.N.D. Kelly Oxford University Press 1986

 

مواد ذات الصله



تصويت

قال بعض السلف :متى رأيت تكديرا في الحال فابحث عن نعمة ما شُكِرت أو زلة فُعِلت قال تعالى(ذلك بأن الله لم يك مغيِّرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). في رأيك ما هو أهم سبب لزوال النعم؟

  • عدم شكرها
  • عصيان المنعم بنعمته
  • منع النعمة عن مستحقها
  • الإسراف والتبذير
  • جميع ما سبق