الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فلسطين مأساة ونضالا في شعر الشباب

6686 0 656

كانت الانتفاضة الفلسطينية بعثا حقيقيا لنضال الشعب الفلسطيني . صحيح أن النضال الفلسطيني في مواجهة الصهيونية لم ينقطع من أول قيام دولة العدوان (إسرائيل) بل قبل ذلك بعشرات السنين، لكن النضال الانتفاضي، والظروف المحيطة به تختلف من عدة وجوه أهمها:
(1) أنه يشكل حركة شعبية عامة شاملة امتدت لكل الأراضي الفلسطينية، فلم تنحصر في مكان معين، أو فئة أو جماعة معينة، وإن كان لتنظيمي حماس والجهاد فضل التقدم والتفوق في هذا المجال.

(2) دخول عنصر بشري جديد هو الأطفال بسلاح الحجارة، وقد يستهين من ينظرون إلى الأمور نظرة سطحية بهذه المقاومة الطفولية، فآلتها - وهي الحجارة - عاجزة أمام الأسلحة الإسرائيلية الفتاكة: من دبابات، ومدافع، وصواريخ، ولكن الواقع يجزم أن اشتراك هؤلاء الأطفال بهذه الآلية البدائية يحقق انتصارا نفسيا رائعا؛ إذ يمثل باعثا نفسيا وروحيا للشباب والرجال يدفعهم إلى السير في درب الجهاد، فعزيز على هؤلاء أن يتقاعسوا في وقت يتصدى فيه الأطفال الصغار للصهاينة دون خوف أو وجل.

كما أن هؤلاء الأطفال يزرعون الفزع بحجاراتهم في قلوب الجنود الإسرائيليين المدججين بأفتك الأسلحة، وقد رأينا في قنوات التلفاز بعض الجنود اليهود وهم يفرون أمام طفل يهددهم بحجر في يده.

(3) استخدام المجاهدين أسلحة جديدة في المقاومة كالمدافع الرشاشة، والقنابل اليدوية، والهاون، وصواريخ قسام(1)، وقسام(2)، وهي صناعة محلية.
وأهم من كل أولئك "القنابل أو الألغام البشرية" وذلك بأن يفجر المجاهد نفسه، مما يترتب عليه خسائر بشرية كبيرة في الجانب الإسرائيلي، وهذا السلاح البشري الإيماني هو أخطر الأسلحة، وأشدها إفزاعا لإسرائيل.

(4) ثبات الشعب الفلسطيني وصموده على الرغم من كثرة الضحايا، ومعاناة الجوع والجراح، واستخدام اليهود الطائرات والمدافع والصواريخ، ونسف البيوت، وتجريف الأرض، كما أن أمريكا والدول الإمبريالية تقف في صف إسرائيل، أما موقف السلطة الفلسطينية والحكومات العربية فيمثل نقطة عار في تاريخنا، وهو حكم لا يحتاج إلى شرح وتفصيل.

(5) بروز عنصر مساندة جديد للانتفاضة، يتمثل عسكريا في حزب الله اللبناني، وماديا ومعنويا في الشعوب العربية، وخصوصا النقابات المهنية، وجماعات التيار الإسلامي، وخصوصا في مصر والأردن.
وكان للشاعر أسامة الخريبي اهتمام خاص، وتوجه إيماني متوهج إلى الانتفاضة الفلسطينية، فهو يهدي ديوانه "من عبير الزهرة البرية" "إلى شهداء الانتفاضة الفلسطينية، وإلى مائة وعشرين طفلا دون الثانية عشرة، من بين أربعمائة شهيد خلال ستة أشهر"، ويخاطبهم في هذا الإهداء بقوله:
تصمت الأشعار خجلي .. عندما تهدي إليكم
تسقط الأقوال صرعى ..إن دنت من شفتيكم
ويموت الدمع في الأحـداق محسورا عليكم
يا ندى الفجر الذي .. يغزل من نبض يديكم
يا رؤى النصر الذي .. هز الطواغيت لديكم
تعجز الأقـلام أن .. تهدي ولو سطرا إليكم

ويوجه خطابه إلى كل شهيد من شهداء الانتفاضة الفلسطينية، وهو يرى قوافل الجنائز يوميا في فلسطين الحبيبة:
أرنو إليك فتذرف دمغها المقل...يا من حملت على الأعناق يا بطل
قوافل الموت طوفان يزلزلني.... أنا الكسيح ، فيا رباه .. ما العمل
كآبة الموت في أعماقنا سكنت .... وخيم الحزن في الأفواه والخجل
يجري الصراخ بنار الحزن ممتزجا....فالأم ثكلى .. وشيخ جنبها ثكل
هذا الهدير وراء النعش أيقظني ..... لكي أراك، وعرى ظلم من قتلوا
هذا الهدير وراء النعش مندفع .... يبكي شبابا ، وجرحا ليس يندمل

إنه حزن عارم يزلزل الكيان، ويستبد بالمشاعر والأحاسيس على هؤلاء الشباب الذين يسقطون صرعى في ميدان الشرف والجهاد، وهم يواجهون قوة ظالمة غاشمة، ولكنه حزن له قيمته الإيجابية الفاعلة، فيشحن النفوس بالغضب والنقمة:
والثأر يغلي بكل مشيع هدمت ... عصابة البغي ما يرجو ويأتمل
ويبقي الجهاد هو السبيل الوحيدة لتحقيق النصر، مهما كان الفرق بعيدا شاسعا بين إلية المواجهة بين المجاهدين والعدو الظالم الغاشم الدموي المغتصب فالحسم ليس للسلاح، ولكن للإيمان القوى بعدالة القضية، ونبل الهدف، وما زال الشاعر - إيمانا بهذا العطاء الجهادي النبيل - يؤثر توجيه الخطاب المباشر للشهيد الفادي:
يا من رسمت سبيل النصر في وطن .... تاهت إلى النصر من أقدامه السبل
يا من أجبت نداء الحق إذ هتفت .... بك المحاريب والأقداس تشتعل
أقبلت للقدس تبغي فك محبسها .... وعودك الغض معقود به الأمل
وكفك البكر مقلاع به حجر .... من العزيمة في العدا .. جبل
هوي عليك جبان في مدرعة .... من الصواريخ تخشى بأس ها الدول
رصاصة سكنت في الصدر أو عبرت.. وحولها النحر بالآلام يكتحل

وإذا كان الحاضر داميا، والمعاناة شديدة، والدماء المبذولة غزيرة دفاقة، والأحزان يستعر أوارها في النفوس، فكل أولئك ثمن ومقدمة لمستقبل وضيء يرسم الشاعر ملامحه في الأبيات التالية، وبها يختم قصيدته:
يأتي زمان بلا خوف يحاصرنا
ولا الحروف من الأفواه تعتقل
يأتي زمان وأحزاني التي سلفت
بعزة النصر أمحوها وأغتسل
يأتي زمان وقرآن يظللنا
وقائد تحت ظل الله يبتهل
وأمتي في رحاب الكون قائدة
وخلفها تركض الأقوام والدول

وفي ديوانه "يمانيات" يتحدث أسامة الخريبي إلى "الطفل المعجزة" ذلك الطفل الذي "تشكل في الليالي المظلمة" و"حوته أرحام التباريح العجاف المؤلمة":
غذ ته آلام القيود بدمعها الدموي نارا
وسقته جدران الحدود بكفها المخضوب ثارا
حتى تأهب للولادة
كان الصراخ المر  زاده
وأتي يزمجر في دياجير السنين بلا وجل
ويصيح في صمت الهوان .. أنا البطل

ولم يكن ذلك ادعاء، بل كان حقيقة على مسرح النضال المر، فقد كان هذا الطفل أكبر من "أحلام الصغار"، وفوق ما يأخذهم من مخاوف في هذه المواقف، كما أنه نبذ "فلسفة كل صعلوك أجير" و"كل مهزوم غبي" و"كل من يدعو لعقد المؤتمر".

ولأن الشاعر يرى أن قضية فلسطين قضية وجود، لا قضية حدود، وأنها في المقام الأول قضية عقيدة ودين، لا قضية أرض وطين .. فمع هذه الرؤية تتسق الصورة التي رسمها الشاعر لهذا الطفل المعجزة، إنه "طفل رسالي " يحمل بافتخار مصحفا، ويقيم بالقرآن مدرسة لتقرير المصير.
ويختم الشاعر قصيدته بهذا الخطاب القوي المتوهج الصارخ :
يا أيها البطل الصغير حذار أن تدع الحجر
وحذار أن تصغي لمن يدعو لعقد المؤتمر
نحن انتهينا يا بطل
لكن أرضك لم تزل
فاصنع بكفك أنت مجدك .. للسنين القادمة
وابصق على كل الجحافل والجيوش .. النائمة

وفي الثاني من رجب (2 من رجب 1421) (30/9/2000) يسقط الطفل محمد الدرة شهيدا، فينظم الشاعر قصيدة بعنوان "يا درة سرقت" في ديوانه "من عبير الزهرة البرية" والقصيدة تتدفق بالتوهج العاطفي، والإيحاء الآسر ابتداء من العنوان" إذ ساوي فيه الشاعر بين الدرة "الطفل الشهيد" والدرة "الجوهرة العصماء".

وترك الشاعر هذا العنوان يلقي إيحاءه طوال القصيدة، ولم يبن عن حقيقة المقصود إلا بعد تسعة وعشرين بيتا من القصيدة، أي قبل نهايتها بعدة أبيات حين وجه الخطاب للطفل الشهيد بقوله:
يا درة سرقت وكان بوسعها .... أن تخطف الأبصار وهي تدار
يا درة تاج العروبة عاطـل .... والشرق بعدك قد علاه غبار
ولكن أغلب أبيات القصيدة موجه إلى "جمال الدرة" والد الطفل الشهيد، ويجسد الشاعر عاطفة الأبوة الحانية الملتاعة، والأب يرى كل محاولاته في حماية ابنه وتفديته تضيع سدى:
حاولت لكن حالت الأقدار .... وعدا عليك الغاشم الجبار
حاولت أن ينأى ضناك عن الأذى ...ووددت لو صد الرصاصَ جدار
ورفعت كفك تستغيث قلوب هم ... وقلوبهـم قد صمها الإصرار
وبسطت صدرك كي تقيه رصاصة ... مجنونة ذهلت لها الأبصار
لكن من حملوا الرصاص حثالة .... ترمي الرصاص كأنه الإعصار
فرمته في أعماق صدرك فانحني .... وبكت بقرب دمائه الأحجار

وكان مصرع الطفل الشهيد رسالة موجهة مصوغة بالدم الطاهر الشذى البريء:
لتقول للعرب الذين تجمـدوا .... بدم البطولة تقرع الأسوار
بدم الشهادة يرجع الحق الذي .... قد ضاع لا التنديد والإنكار
بدم الشهيد الحر لا بقصائد .... شاخت بها في مهدها الأشعار
بدم الشهيد الفذ تكتب قصة .... للخلد خط حروفها الثـوار

ويختم هذه الرسالة الموجهة إلى "العرب الذين تجمدوا" بهذا القرار الحاسم القهار:
لو كان فينا من يرد كرامة .... لمشي إليك الجحفل الجرار

كما جعل الشاعر دم الطفل الشهيد رسالة موجهة إلى العالم بأسره بكلمات صارخة ملتاعة في استفهام استنكاري قوي:
في أي قانون وأية شرعة .... يرمي دم الأطفال وهم صغار؟

ومن جديد يتوجه الشاعر بخطابه إلى جمال الدرة - والد الطفل الشهيد - يذكره بأن جرائم اليهود وعدوانهم مكرر شائع في كل أرض فلسطينية، فمذابحهم وفظائعهم قصص دامية لا تنتهي:
قصص يشيب لهولها ولبؤسها .... شعر الوليد وتشخص الأبصار
كم من ذبيح فوق صدر حبيبه .... هطلت عليه فأحرقته النار
كم زوجة حبلى و بقر بطنها .... متراهنون .. حثالة .. أقذار
كم في العراء وحيدة وطريدة .... شهدت بخطف رجالها الأسحار

وقد عرض الشاعر هذه المشاهد الدامية لغرضين: إدانة اليهود ووص مهم بالإجرام والعدوانية من ناحية، وإدانة العرب المتقاعسين عن نجدة إخوانهم من ناحية أخرى" لذلك أنهي هذه المشاهد بتكرار القرار الحاسم:
لو كان فينا من يصون كرامة
لمشي إليهم جحفل جرار

أما الغرض الثاني من عرض هذه المشاهد فهو التخفيف عن الأب المفجوع جمال الدرة، وصد ت الخنساء إذ قالت:
ولولا كثرة الباكين حولي .... على إخوانهم لقتلت نفسي

يؤكد ذلك أن الشاعر ختم قصيدته بالتعبير عن المشاركة الوجدانية له في أحزانه، وبمنطق إيماني رفيع يوصيه بالصبر والثبات والشموخ والأمل، فلربما سطعت بموت محمد أقمار":
ولربما كان النفير لثورة
بعثت شرارة بدئها الأقدار
ولربما تهب السماء بموته
بطلا يسير بدربه الثوار

لقد كان الشاعر موفقا في هذه القصيدة" إذ جعل من استشهاد الطفل محمد الدرة قضية عربية وقضية إنسانية، زيادة على طرافة التوجه الموضوعي، فقد خالف المعهود عند من نظم في مأساة محمد الدرة، فأعطي ج ل  اهتمامه - لا إلى المأساة في ذاتها عرضا وتوصيفا - ولكنه اتخذ منها نافذة لإبراز مأساة الشعب والأمة والقيم الإنسانية المنتهكة.

ونسجل على الشاعر بعض الهنات الأسلوبية، فبعض الأبيات لا يرقى التعبير فيها إلى مستوى المضمون والتوهج الوجداني: كوصفه دم العروبة بأنه "أضحي ت حط م دونه الأسعار "؛ فتحطيم الأسعار تعبير شائع في الأسواق و"الأوكازيونات".

ولا نستسيغ الصورة الآتية في مقام تجريم اليهود:
كم من رضيع قطّعوه لأمه
وقت الغداء بقدرها الأشرار
فتقطيع الرضيع - وقت الغداء بالذات - ووضعه في إناء الطبخ أمام أمه صورة لا تليق إلا في حواديت أمنا الغولة، كما أن التعبير دارج هابط، وإن كان اليهود قد ارتكبوا ما هو أنكى من ذلك.
ولكن القصيدة - بصفة عامة - تعد من أرقي ما نظم الشاعر أسامة الخريبي، ومن أعظم القصائد التي عالجت هذا الموضوع في شعرنا العربي.

وأذكر القارئ بما سبق أن ألمحت إليه، بأنني - في هذا العدد والعدد السابق - لم أقدم تقييما شاملا لإبداعه الشعري، ولا حتى تقييما شاملا "لفلسطينياته" ، ولكن ما قدمت - في الحلقتين - لا يزيد على كونه وقفتين نقديتين لهذه الفلسطينينات، بقدر ما تسمح به المساحة المتاحة، وآمل أن نستكمل هذه الوقفات مع شعراء شباب آخرين - في الأعداد القادمة من المجلة - في حدود ما نظموه في "فلسطين مأساة ونضالا "... بمشيئة الله.

مواد ذات الصله



تصويت

قال بعض السلف :متى رأيت تكديرا في الحال فابحث عن نعمة ما شُكِرت أو زلة فُعِلت قال تعالى(ذلك بأن الله لم يك مغيِّرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). في رأيك ما هو أهم سبب لزوال النعم؟

  • عدم شكرها
  • عصيان المنعم بنعمته
  • منع النعمة عن مستحقها
  • الإسراف والتبذير
  • جميع ما سبق

الأكثر مشاهدة اليوم

دراسات ومقالات

الضحك ..

عجب أو دهشة تعتري النفس نتيجة إدراك المفارقة في حال أو مقال أو صفة.. حتى إذا كانت تلك المفارقة مفتعلة أو مبتذلة كان الحاصل أنها - وإن دعي ضحكًا - سفهًا وخفة. وإن كان الإدراك عصيًا أو غير كامل لم يكن الواقع ضحكًا بل تضاحكًا..أما...المزيد