لعنة غولدستون تطارد باراك وتهدد نتنياهو

1808 0 989

تاريخ "إسرائيل" معظمه حروب خارجية ضد العرب وأزمات داخلية ناجمة عنها. لعل أقسى حروب "إسرائيل" عدوانها الوحشي على قطاع غزة أواخرَ السنة الماضية ومطالعَ السنة الجارية، وأخطر الأزمات التي عانتها تلك الناجمة عن عدوانها الوحشي ذاك. فهي تتخبط الآن في أزمة داخلها بين أحزابها كما في أخرى خارجها مع الرأي العام العالمي ومؤسسات الأمم المتحدة.

في الداخل ثمة خلاف، وبالتالي صراع بين وجهتي نظر. واحدة تدعو إلى استجابة لتقرير غولدستون بتأليف لجنة للتحقيق المحلي في ما نسبه إلى "إسرائيل" من جرائم حرب في عدوانها على غزة. الأخرى تدعو إلى عدم استجابة لتقرير غولدستون ومحاربة تداعيات تقريره أمام مؤسسات الأمم المتحدة وفي العالم.

بنيامين نتنياهو في حيرة من أمره. فهو إن استجاب لوجهة النظر الأولى، اصطدم برفض شديد من وزير الحرب إيهود باراك كما من الجيش "الإسرائيلي". وهو إن استجاب لوجهة النظر الثانية اصطدم يا للمفارقة! بوزير الخارجية أفيغدور ليبرمان ووزير شؤون الاستخبارات دان مريدور ووزير القضاء يعقوب نيئمان والمستشار القانوني للحكومة ميني مزّوز.

باراك كان وزيراً للحرب في حكومة إيهود أولمرت التي شنّت العدوان الوحشي على غزة. وهو يخشى، كما كبار ضباط الجيش منفذي العدوان، أن تدينه التحقيقات التي ستجري، فمن المنطقي إذاً أن يرفض التحقيق ليبعد عن نفسه وعن الجيش مفاعيل الإدانة والتجريم. في المقابل، يبدو أن لليبرمان مصلحة في نيل رضا القضاء في ضوء ملف التحقيق الجنائي ضده والاشتباه بتلقيه أموالاً ورشى بصورة منافية للقانون. أما مريدور ونيئمان ومزوز فإنهم يميلون إلى الأخذ بنصيحة دول عدة، بحسب صحيفة "هآرتس"، دعت "إسرائيل" إلى إجراء تحقيق محلي مستقل من شأنه أن يعطل التقرير وأن يحول دون إحالته على المحكمة الجنائية الدولية.

نتنياهو محتار لأنه إذا ما أخذ برأي ليبرمان ومريدور ونيئمان ومزوز فإن ذلك قد يؤدي إلى خروج باراك وحزب العمل من الحكومة الائتلافية، وبالتالي إلى سقوطها. وإذا ما أخذ برأي باراك وضباط الجيش فإن ذلك يتسبب بإغضاب دول عدة بينها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وروسيا، ناهيك عن دول عدم الانحياز، التي تحبذ قيام "إسرائيل" بإجراء تحقيق محلي مستقل لتفادي عرض التقرير على مجلس الأمن وإحراجها بطلب إحالته على المحكمة الجنائية الدولية.

غني عن البيان أن نتنياهو مسكون برغبة جامحة في المحافظة على حكومته للبقاء في السلطة. لذلك اتخذ في الاجتماع الأخير للمجلس الوزاري المصغّر لشؤون الأمن القومي موقفاً وسطاً. فقد رضخ مؤقتاً لرأي باراك القائل باتخاذ قرار بعدم مناقشة موضوع تأليف لجنة تحقيق "إسرائيلية" والاكتفاء بتأليف وحدة لمحاربة تقرير غولدستون وتبعاته القضائية والدولية في سياق مواجهة موجة الدعاوى القضائية على "إسرائيل" ومسؤولين كبار فيها على خلفية ضلوعهم في انتهاكات وجرائم خلال العدوان على غزة، وإمكان مناقشة التقرير في الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي وإحالته تالياً على المحكمة الجنائية الدولية.

قرار المجلس الوزاري المصغر لم يحسم الخلاف داخل الحكومة وخارجها حيال مسألة تأليف لجنة "إسرائيلية" للتحقيق. ذلك إنه من الممكن، بل من المرجح، أن يعاود نتنياهو، إزاء الضغوط المحلية والخارجية، طرح مسألة تأليف لجنة للتحقيق المحلي لأنه لن يتضرر منها لعدم توليه منصباً حكومياً خلال العدوان على غزة من جهة، ومن جهة أخرى لرغبته في إحراج خصومه السياسيين، وخصوصاً زعيمة المعارضة وزيرة الخارجية السابقة تسيبي ليفني، وإضعاف رئيس حزب العمل وزير الحرب الحالي إيهود باراك.

حتى من دون إحراجه من طرف نتنياهو، فإن باراك وحزبه يبدوان في موقف سياسي بائس للغاية. ذلك أن دانيئيل بن سيمون، رئيس كتلة حزب العمل في "الكنيست" استقال من منصبه ودعا باراك إلى الانسحاب من الحكومة. لماذا؟ "لأن حزب العمل يتدهور إلى الحضيض ولم يحقق أهدافه، فالشخص الذي يترأس الحزب مسؤول عن مشروع البؤر الاستيطانية غير القانونية الذي يتعاظم تباعاً، وليست هناك عملية سياسية ولا يوجد مبرر لبقائنا في الائتلاف".

من المعلوم أن عدد نواب حزب العمل في الحكومة 13، وعدد النواب المتمردين على باراك 6، وإذا ما ألّف هؤلاء كتلة برلمانية مستقلة، فإن انهيار حزب العمل يصبح أمراً واقعاً. فهل يستمر الائتلاف الحكومي بعد انشقاق حزب باراك؟

ليفني تتمنى ذلك وتعمل لتحقيقه. في هذا الإطار، دعت إلى إجراء تحقيق موسع في نشاط الشركات المالية التي يملكها باراك بعد صدور تقارير تفيد بأن ملايين الشيكلات نقلت إلى تلك الشركات بعد تعيين باراك وزيراً للحرب.

انهيار حزب العمل قد يجرّ معه انضمام بعضٍ من نوابه إلى حزب ليفني (كاديما)، وتعاطف آخرين معه. وإذا ما رافق ذلك أو أعقبه تجريم ليبرمان في التحقيقات الجارية معه، فإن تفكك حزب "إسرائيل بيتنا" أو إضعافه يساعد أيضاً في تقصير عمر حكومة نتنياهو واحتمال قيام حكومة ... برئاسة ليفني أو غيرها.

كل هذه التطورات والتداعيات تزيد أزمة "إسرائيل" احتداماً، وتسهم في كسر حدة طاقمها الحاكم وتساعد، إلى حد ما، في تسريع عملية إعادة وضعها تحت سلطة القانون الدولي بعدما مكثت طويلاً فوقه. كما تساعد في لجم معسكر اليمين العنصري المتطرف الرافض وقف مشروعات الاستيطان والساعي، دونما هوادة، إلى مزيد من التوسع الاستعماري داخل فلسطين وفي جوارها بكل الوسائل المتاحة وفي مقدمها الحرب.

ـــــــــــــ

الخليج الإماراتية (بتصرف يسير جدا)

مواد ذات الصله



تصويت

أعظم الخذلان أن يموت الإنسان ولا تموت سيئاته، وأعظم المنح أن يموت ولا تموت حسناته، في رأيك ماهي أفضل الحسنات الجارية فيما يلي؟

  • - بناء مسجد
  • - بناء مدرسة
  • - بناء مستشفى
  • - حسب حاجة المكان والزمان
  • - لا أدري