متى تولد القيادة السياسية العربية؟

1899 0 499

ثمة حاجة ملحة إلى قيادة سياسية عربية.

ثمة حاجة ملحة إلى خطة سياسية عربية.

ثمة حاجة إلى قرار سياسي عربي.

في غياب القيادة، وفي غياب الخطة، وفي غياب القرار، تتكاثر المشكلات داخل المنطقة العربية، وحول المنطقة العربية، وتغيب تماما إمكانية إيجاد حلول لها. وفي غياب الحلول، تصبح المشكلات مؤهلة للانتقال من مكان إلى آخر، وتصبح قادرة على الانتقال عبر الحدود مثل بقعة الزيت.

حدث هذا في الصومال، وفي السودان، وها هو يحدث أمامنا في اليمن وفي فلسطين. مشكلات تبدأ صغيرة ثم تكبر وتكبر حتى يصل التهديد إلى إعلان الحروب.

مهمة السياسة أن تعالج الأمور قبل أن تندلع الحروب، أما حين تندلع الحروب، فإن لذلك معنى واحداً فقط هو فشل السياسة، أو أن تكون السياسة غائبة أصلاً، كما هو حال الوضع العربي.

في الصومال التي تطحنها حرب أهلية داخلية، يخرج العنف من إسار البراري والغابات، وينتقل حتى إلى البحار الشاسعة، ويطلب منا أن نصدق أن حفنة من القراصنة، يمتطون قوارب تشبه قوارب الصيد، يستطيعون تحدي أكبر السفن، والتابعة لأكبر الدول، يسوقونها كما تساق العربة، إلى ميناء سري خفي لا يعرف أحد أين هو، ثم يبدأون بالتفاوض مع الدول صاحبة الأساطيل والجيوش، حتى ترضخ تلك الدول وتدفع لهم الفدية، ومن دون أن يفكر أحد بالبحث عن ذلك الميناء الضائع، وقصف قواربه التي تتحدى الجميع، وتأمين حرية للملاحة كما كان الحال عليه على امتداد سنوات طويلة. ويقول المحللون والعارفون: إن ما يجري في الصومال يهدد أمن القرن الإفريقي كله، ويصل في تهديده إلى اليمن، ثم يمتد إلى أثيوبيا وإريتريا. ومع ذلك فإن أحداً لا يتحرك إلا إذا وصل الحريق إلى داخل بلده. لا أحد يحاول أن يعرف طبيعة المشكلة في الصومال، لا أحد يحاول أن يقترح حلاً لها، لا أحد يتقدم ليقترح استضافة المتقاتلين وإقناعهم برحلة تفاهم وتعاون وبناء دولة يستفيد من رخائها الجميع.

في اليمن، وهي المثال الأبرز الثاني، يسود الاستقرار سنوات طويلة، ويتوحد اليمن للمرة الأولى في تاريخه الحديث. ثم تنفجر مشكلة الحوثيين، ثم يقولون: إنها حرب الحوثيين الثالثة أو الرابعة. كيف وجد تنظيم الحوثيين هذا؟ كيف خاض حرباً أولى وثانية وثالثة ضد الدولة وتم السكوت عنه؟ وهل كان هدفه اليمن أم السعودية أم كليهما؟ وهل جرت محاولات سياسية لمعالجة أمر هذا التنظيم أم لا؟

وتحرك جنوب اليمن فجأة جنباً إلى جنب مع الحوثيين، وعادت نغمة الانفصال تطل من جديد. ما الذي جعل «الحراك الجنوبي» يتناغم مع تحرك الحوثيين؟

وفجأة تتراجع جبهة الحوثيين، وتهدأ جبهة الحراك الجنوبي، وتطل من بينهما نشاطات تنظيم القاعدة. وتصبح نشاطات تنظيم القاعدة هي الأصل، وتطرح المسألة نفسها على صعيد عالمي، وتصبح الولايات المتحدة بكل عظمتها، معنية بما يفعله تنظيم جديد يطلق على نفسه اسم: القاعدة داخل اليمن.

كيف أتيح لهذه القوى الثلاث أن تتحرك فجأة، وأن تهدد حتى بتقسيم اليمن إلى ثلاث دول؟ كيف تنتقل دولة من الهدوء إلى احتمالات التقسيم؟ وأين كانت السياسة طوال نمو ذلك التوجه الكامن؟ هل كانت فاشلة أم كانت غائبة؟ ربما كان الأمران معاً. وهو ما يستوجب حضور السياسة، والاجتهاد من أجل أن تكون سياسة ناجحة، وإلا فإن الخطر الأكبر قادم. وهو لن يبقى خطراً يمنياً، بل سيمتد إلى كل ما حوله، وسيمتد أيضاً إلى النفط وتأثيراته العالمية.

وكذلك الأمر في "دولة الاحتلال" وفلسطين. حكومة في "إسرائيل" عنصرية ويمينية، تتحدى العرب جميعاً بشكل يومي. ترفض السلام، وترفض المفاوضات، وتصر على الاستيطان، وتقبض على القدس، ولا تتورع أن ترفع شعار الترانسفير الاختياري، ولا يملك العرب أن يقولوا إزاء كل ذلك سوى جملتين: الجملة الأولى، إن السلام خيار استراتيجي. والجملة الثانية: إن مبادرة السلام العربية لا تزال موضوعة على الطاولة. يتقدم المفاوض الإسرائيلي ويصفع المفاوض العربي، ويكون الجواب:إن السلام خيار استراتيجي. يتقدم المفاوض الإسرائيلي ويعلن أنه حتى بعد التفاوض والاتفاق والسلام وربما إنشاء دولة فلسطينية ستبقى "إسرائيل" عسكرياً داخل الضفة الغربية (التي سيتم الاستيلاء على نصفها)، ويكون الجواب الفلسطيني: إن العودة إلى المفاوضات مشروطة بوقف كامل للاستيطان. جمل مقابل تحد وإهانات. جمل مقابل استعداد عسكري إسرائيلي لحرب ضد لبنان وسوريا وغزة. والكل يتداول ذلك في التحليلات السياسية، ولكن لا أحد يفكر برد الصفعة الإسرائيلية بصفعة عربية. يتم فقط التغني بصفعات تركية ل"إسرائيل".

وحين يتم اللجوء إلى طلب دعم «الوسيط الأميركي النزيه»، لا يجد هذا الوسيط سوى أن يرسل مبعوثه ديفيد ميتشل إلى المنطقة. يتهدد ويتوعد مثل رئيسه، ثم يتراجع ويلين مثل رئيسه. ولا أحد يحتج من العرب على سياسة أميركية تم إقرارها، ثم تم إبلاغها للعرب رسمياً، ثم تم التراجع عنها علناً. لا أحد يقول لهم: إما مصالحكم في بلادنا وإما حل فلسطيني مقبول ومُرضٍ للعرب وللاجئين الفلسطينيين. لا أحد يقول لهم: إما دعم الصناديق السيادية للاقتصاد الأميركي المأزوم وإما حل القضية الفلسطينية.

ولكن مثل هذه المواقف العربية، ضد التحدي الإسرائيلي، الذي يمتد من "إسرائيل" إلى جوارها، ومن جوارها الأقرب إلى جوارها الأبعد، يحتاج إلى قرار، ويحتاج إلى سياسة، ويحتاج إلى قيادة، وتفتقد منطقتنا هذه الأمور الثلاثة، تفتقد القرار والسياسة والقيادة الشاملة. وما تحتاجه منطقتنا بإلحاح هو هذه الأمور الثلاثة: القرار والسياسة والقيادة.

ويظن البعض، أنه إذا تقدم وحاول أن يفعل، فهو إنما يفعل ذلك خدمة للآخرين من العرب. وهذه الخدمة مطلوبة. ولم لا؟ ولكن الأمر لا يقتصر على هذه الرؤية الموجزة. ولا هو عمل خيري لمصلحة الآخرين. إن التقدم نحو الفعل، من قبل نظام ما، أو من قبل محور ما، هو تقدم من أجل حماية النفس. تقدم من أجل حماية النفس من التهديد الإسرائيلي، ومن أجل حماية النفس من اللامبالاة الأميركية، التي تأخذ كل ما تريد دون أن يطلب منها طلب واحد.

أما الاستمرار في الوضع العربي الراهن، حيث تغيب القيادة وتغيب السياسة ويغيب القرار، فإن نتائجه وخيمة جداً، على أصحاب المشكلات، وعلى جميع من حولهم.

إن انفصالاً في جنوب السودان، يتلاعب ولو قليلاً بتدفق مياه النيل، يمكن أن يهز القارة الإفريقية برمتها. إن تقسيماً لليمن إلى ثلاث دول، كما يقال، يمكن أن يهز منطقة الخليج العربي برمتها.

إن تواصل الاستقواء الإسرائيلي في وجه العرب، سيولد حروباً تبدأ بالسلاح، ولكنها لا تنتهي إلا عند تخوم النفط. وتمويل النفط لمشاريع التنمية الإسرائيلية. ولهذا قال (عوزي لنداو) الزعيم المتطرف في حزب وزير الخارجية الإسرائيلي، عندما وصل إلى دولة الإمارات لحضور (القمة العالمية لطاقة المستقبل): "إن إسرائيل تريد أن تكون عاملاً مركزياً في هذا المجال". فلنحفظ هذا القول جيداً، ولنتمعن فيما ينطوي عليه من طموح، ولنتذكر أن الغيوم تتجمع ثم تنفجر العاصفة.

ــــــــــــــ

صحيفة الشرق الأوسط

مواد ذات الصله



تصويت

أعظم الخذلان أن يموت الإنسان ولا تموت سيئاته، وأعظم المنح أن يموت ولا تموت حسناته، في رأيك ماهي أفضل الحسنات الجارية فيما يلي؟

  • - بناء مسجد
  • - بناء مدرسة
  • - بناء مستشفى
  • - حسب حاجة المكان والزمان
  • - لا أدري