"الاحتلال" والقلق من جدوى الحرب لتغيير المعادلات

2305 0 1124

في "دولة الاحتلال الصهيوني" هذه الأيام حالة قلق من جدوى الحرب كسبيل لتغيير المعادلات. ولو قاربنا الحالة الإسرائيلية بعد حرب يوليو/ تموز 2006 ثم حرب غزة 2009، لوجدنا الكثير مما يحوِّل تلك النزعة إلى ظاهرة سوسيولوجية راسخة.

المناخ الإسرائيلي ذو الطابع التشاؤمي، يتكئ على جملة من الحقائق السوسيوثقافية والنفسية، ستكون لها فعالية تأسيسية في سياق البحث عن إخفاقات الحرب مع اللبنانيين والفلسطينيين. وينطلق هذا التنظير من أطروحة تقول: إن الضعفاء هم غالباً الأكثر عقلانية، فهم - بحسب هذا التنظير - يقيسون موازين القوى بمعايير أكثر دقة مما يتصرف المنتصرون إزاءها..

يقول الجنرال الإسرائيلي المتقاعد فان كريفيلد: «عندما كنا في الماضي ضعفاء كنا عقلاء وجسورين فحقَّقنا الانتصار، لكن تحولات جذرية طرأت على الصراع لتصبح المعادلة مقلوبة تماماً. فلقد بدأت المشكلة في لبنان عندما باشرنا بقتال من هم أضعف منا، ومنذ ذلك الوقت ونحن نمضي من فشل إلى آخر».

إزاء هذه المعادلة المثيرة، ينخرط الإسرائيليون ضمن نقاش محوره السؤال التالي: هل من سبيل يعيد الأمور إلى نصابها الأول، أي إلى الحالة التي تستطيع فيها "إسرائيل" مغادرة الإحساس بالوهن والتموضع فوق عصب جديد من الاقتدار المستعاد؟

تذهب تقديرات الخبراء إلى أن المستوطنين، هم القطاع الوحيد الذي لا يزال يملك الحافز والروح القتالية في المجتمع «الإسرائيلي». غير أن هذا القطاع رغم قوته المتأتِّية من طبيعته التكوينية كظاهرة مدنية - عسكرية مركبة، لم ينجُ من نزعة التشاؤم. لكن المستوطنين لا يعادلون إلا نسبه ضئيلة بالقياس على العرب، ولذلك فلن يحققوا الشيء الكثير، فضلاً عن أنهم يعرفون أنَّ هذا الصراع خاسر.

الخط الانحداري الذي بلغ مع حرب تموز 2006 مستويات أكثر عمقاً مما كان يتوقعه كثير من علماء المستقبليات في "إسرائيل"، راح يستأنف مساره المدوِّي في تجربة الحرب على غزة. لهذا لم يكن من الغلو أن ينبري عدد من الباحثين الإسرائيليين إلى حدّ التصريح بأنه «إذا استمرت الأمور على هذا النحو فسوف نصل إلى مرحلة تنهار فيها دولة إسرائيل».

ثمة مشهد آخر من الكلام الساري على فضاء التشاؤم، فقبل بضعة أعوام مضى الكاتب السياسي الإسرائيلي أهارون، ليطرح بكثير من المرارة، سؤالاً لافتاً ويحمل دلالة بالغة: «أحقاً نحن أقوياء»؟ وهو إذ يجيب بأنَّ "إسرائيل" هي حقاً قوية من الناحية التقنية العسكرية، فلا يسعه إلاَّ أن يرثي أحوال هذه القوة، ما دامت في رأيه غير قابلة للاستعمال.

يُنظر إلى هذا الشعور على أنَّه من أكثر الزوايا الحادة التي يجد الإسرائيليون أنهم أسرى جدرانها المغلقة. في الماضي القريب لم تكن ثمة مشكلة تطرح نفسها على هذا النحو. كانت القوة قابلة للاستخدام في أية لحظة ضد عرب الأراضي المحتلة عام 1967، وضد فلسطينيي 1948، ناهيك عن الحروب والمعارك الخاطفة التي اعتاد أن يشنّها الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان.

وليس من شك في أنَّ الوعي الإسرائيلي امتلأ على مدى أكثر من نصف قرن، بحقيقة أنَّ لدى "إسرائيل" من القوة ما يمكنها من إحراز أي انتصار على العرب بيسر نادر، وأنَّ مبدأ القوة واستعمالها حين الضرورة، سواء كتدبير احترازي أو لردع حرب محتملة، هو المبدأ الذي يستحيل على الدولة العبرية أن تتجاهله إذا هي قررت البقاء والحياة في منطقة مملوءة بالأعداء من كل جانب. غير أنَّ هذه الحقيقة سوف تأخذ مساراً معاكساً على امتداد العقدين المنصرمين.

في المجتمع السياسي الإسرائيلي شرائح وازنة أدركت حقيقة اللاَّجدوى من الحرب الكلاسيكية. ولقد أعطت الانتفاضة الفلسطينية نماذج أكيدة على الشلل الذي يصيب الآلة العسكرية الإسرائيلية، جراء استخدام سلاح شعبي لم تعتد "إسرائيل" على مواجهته. ويعترف كثير من السياسيين والخبراء بواقع أن "إسرائيل" لم تُظهر أي استعداد حقيقي لمكافحة الانتفاضة، فضلاً عن العمليات الفدائية الاستشهادية داخل ما يسمى «الخط الأخضر»، أو على خطوط إمداد الجيش في الضفة الغربية وقطاع غزة.

ومن هؤلاء من وجد أن الإثبات البسيط لعدم كون "إسرائيل" قوية، هو الحقيقة التي لم تعد تخفى على أحد، أي فشل منطق القوة في إنهاء حركة الصعود الفلسطيني في المجالين السياسي والعسكري. والتساؤل الذي يطرح بقوة ولا يزال، هو أنه إذا كانت "إسرائيل" لا تزال تملك القوة حقيقة، فلماذا لم تستطع كسب معركة استنزاف مروِّعة فرضت عليها فرضاً منذ الثمانينيات؟

والحجة التي عكف عليها منتقدو الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، في ما يتعلق باستعمال القوة أو عدمها وأثرها على سقوط نظرية الأمن، تدَّعي أنَّ «الأقلية» يجب ألا تخسر أمام الأغلبية، إذا ما كانت ترغب في الحياة في منطقة مملوءة بالأعداء ومناخات العنف.

غياب الثقة التدريجي بمبدأ القوة التقليدية الإسرائيلية وتفوّقها، سوف يُضاف بعد الحرب المبتورة على غزة، إلى نوازع الشك القوية التي تغزو المجتمع الإسرائيلي. ويعترف كثيرون بأنَّ المعادين ل"إسرائيل" اكتسبوا معارف سياسية وأمنية فائقة الخطورة، وهي تتمثَّل أساساً في اكتشاف نقاط ضعفها.

ولئن تمكنت الآلة العسكرية الكلاسيكية على مدى حروب متواصلة من إخضاع الجيوش العربية، أو على الأقل من ردعها عن تحقيق انتصار كبير على "إسرائيل" كما حصل في حرب 1973، فإنَّها (الآلة العسكرية) بدت عاجزة، ومشلولة خلال حربين متعاقبتين على جبهتي الشمال والجنوب، بين الأعوام 2000 و2006 و2009.

التحول الذي يظهره السجال الإسرائيلي الحالي حول نقاط قوة وضعف "إسرائيل"، يتوسع باستمرار. ومع هذا التوسُّع تتراكم نزعات الشك في مسار سياسي أمني، راحت "إسرائيل" تفتقد معه عوامل القدرة التقليدية على التفكير الجدّي في شن حرب تعيد التوازن والتماسك لمجتمعها السياسي والعسكري والمدني. والواضح أن أحد أبرز الأسباب الباعثة للخوف لدى الإسرائيليين، هو تفكُّك كتلتهم التاريخية واضمحلال الإجماع القومي..

وهو ما نجده بوضوح لا يقبل الشك، في الوضعية التي تعيشها حكومة بينيامين نتانياهو منذ تشكيلها. لقد كان التشكيك في عمل وأداء القيادتين السياسية والعسكرية، عاملاً مهماً في إعادة ترميم التصدعات ومناطق الخلل..

فرغم الاحتقان ضد القيادة، ظلت تتوافر غريزة جماعية تدفع المجتمعين السياسي والعسكري للاتحاد عندما يكون هناك خطر خارجي، أما الآن فقد تعرضت تلك الغريزة الجماعية إلى ضرب من الاهتزاز، نتيجة المراجعات الذاتية بين الإسرائيليين، ونشوء مناخات عارمة توحي بنهاية تاريخ كامل من القوة والاقتدار.

ـــــــــــــــ

البيان الإماراتية (بتصرف يسير)

مواد ذات الصله



تصويت

أرشد الإسلام إلى حسن استعمال النعم وعدم التبذير والإسراف، ما هو بنظرك أهم المؤسسات الفاعلة في نشر ثقافة ترشيد الاستهلاك في الماء والكهرباء والطعام والشراب وغير ذلك؟

  • الأسرة
  • المدرسة
  • المؤسسات المعنية مثل(كهرماء)
  • وسائل الإعلام
  • غير ذلك