الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

المسابقات وأحكامها في الشريعة الإسلامية

  • اسم الكاتب: - عبد الرحمن الحاج إبراهيم
  • تاريخ النشر:03/06/2002
  • التصنيف:ثقافة و فكر
  •  
11434 1 551

تشهد وسائل الإعلام والقنوات الفضائية على وجه الخصوص حمى مسابقات تطوي خلفها دوافع تجارية وإعلانية وثقافية وترفيهية متضافرة، إضافة إلى السياسية في بعض الأحيان، وتكاد لا تخلو وسيلة إعلامية في العالم العربي والإسلامي من "مسابقة" (صحف، مجلات، برامج تلفزيونية، إنترنت، هواتف ..الخ). وهذا الوضع يفرض على الباحثين والفقهاء تقديم الموقف الشرعي والاجتهاد العلمي لتوجيه المسلمين إزاء هذه الظاهرة المستفحلة.

لقد ظهرت بعض الكتابات والبحوث الحديثة تتناول هذه القضية الفقهيّة، مثل: "الميسر: حقيقته، حكمهُ، تطوراته المعاصرة" وهو أطروحة دكتوراه غير منشورة عام 1982- جامعة عمان، للباحث فارس عبد الرحمن القدومي، وكتاب "الميسر والقمار: المسابقات والجوائز" للدكتور رفيق يونس المصري- دمشق 1993، وأخيراً كتاب "المسابقات وأحكامها في الشريعة الإسلامية: دراسة فقهية أصولية" للدكتور سعد الشثري - الرياض 1997.
لكن هذه الدراسات ما تزال تحتاج إلى تطوير، وينقصها الكثير من التدقيق، من هنا حاول المؤلف تقديم دراسته، بالاستناد إلى القواعد الكلية التي تحكم المنظور الشرعي لها، معتمداً على دراسات الفقهاء القدماء الذين أسسوا هذا الموضوع ورسموا معالمه تحت عنوان (السبق والرمي)، تلك الدراسات التي دشنها الإمام العظيم محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله.
يبدأ الباحث بتحديد الأصول الكلية التي تقوم عليها "المسابقات والجوائز" في إطار الشريعة الإسلامية، ويحددها بـ "البواعث البريئة" و"العدالة في اللعب" و"الإفادة" و "الأداء الشريف والنظيف".
وبما أن "المال" هو أحد العناصر الرئيسية الداخلة في المسابقات والجوائز في أغلب صورها، فإن المؤلف يمهّد لدراسته بتقديم مفهوم المال من منظور إسلامي، الذي يتخلص في أن المال "أمانة الله بيد الإنسان، وأداة اختبار" لشكر الإنسان أو كفره لأنعم الله، ولأنه هبةُ الله وأمانته، فهو محكومٌ بالأطر التي يحددها الواهب نفسه، وأولى قواعدها الإنفاق فيما هو مفيد، وتحريم التبذير، وتقييد الإنفاق بما لا يضرّ الصالح العام.
ويُتبع ذلك بالإشارة إلى عنصر " الزمان" الذي ينظر إليه في المسابقات على أنه هدف للتضييع ! وأن المسابقات تكتسب قيمتها من قتلها للوقت والفراغ، وهو مقصد يناقض موقف الشريعة الإسلامية التي تعتبر "عمر الإنسان" منحةً يُسأل عنها: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به" كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم.
يعتبر الباحث أن " القمار والمسابقات موضوعان متلازمان، لا ينفك الواحد عن صاحبه، وهو ما سار عليه الفقهاء والمقننون المعاصرون، حيث الميسر" اتفاق طرفين أو أكثر، على أن يدفع الخاسر شيئاً للغالب، إن تحقق أمر ما". وليس ثمة فرق بنظره بينه وبين القمار، فهما مسميان لمعنى واحد، وهو تعريف ينطبق على ميسر المال، أما ميسر اللهو الذي يكون موضوعه فعلاً أو حدثًا دون مال ، فلا يدخل في هذا التعريف .

الميسر يحرّم في الإسلام إذا كان مالاً مقابل مال، ويباح إذا كان من طرف واحد، ولكن إذا كان الإسلام قد حرّم الميسر بالإجماع، فإن القوانين الوضعية تتخذ عموماً من الميسر موقفاً إيجابياً، بل اعتبرت بعضها أن الميسر جريمة (القانون الجنائي المغربي، والقانون المدني السوداني) وفي أقل الاعتبارات عُدَّ الميسر تصرفاً باطلاً لا ينتج أثره، أي يمنع العقد من النفاذ، بما في ذلك القوانين الأجنبية: الفرنسي والإنكليزي والأمريكي.
وقد رتب الله العقوبة الأخروية على مرتكب جريمة الميسر، مما يحتم التوبة ويستلزم إعادة المال لأصحابه، ومن جهة العقوبة الدنيوية، يعاقب الحاكم المسلم لاعب الميسر وكل من روّج له على السواء عقوبة تعزيرية، خلافاً للقوانين الغربية والعربية، ويرى الباحث أن للقاضي المعاقبة بمصادرة أدوات الميسر كلها، وذلك استناداً إلى أحاديث شريفة وعمل الخلفاء الراشدين وأن يعاقب بفرض الغرامة أيضاً على المقامر - إن رأى ذلك - وقد أيَّد هذا المبدأ عدة أحاديث شريفة وآثار عن الصحابة الكرام، بالرغم من وجود فقهاء يمنعون ذلك.

أما المسابقة فإنها من حيث الأصل مشروعة اعتماداً على المصادر الرئيسية في التشريع، في القرآن الكريم " قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق" [يوسف/17]. وفي السنة النبوية عن عائشة - رضي الله عنها- قالت: كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم- في سفر فسابقته، فسبقته على رجليَّ، فلما حملت اللَّحمَ سابقته فسبقني فقال: " هذه بتلك " (أبو داود وابن ماجه). وقد أجمعت الأمة على جواز المسابقة، ولكن الخلاف قائم في التفاصيل، إذ اختلف العلماء في طبيعة الحكم في المسابقة بين الجواز والندب والوجوب، والكراهة؟ وخلص الباحث إلى أنها " مباحة ".
إن السباق مرتبط ارتباطاً وثيقاً بمبحث القمار، فليس القمار - في أحد معانيه - إلاَّ سباقاً باطلاً.
وقد اتفق العلماء على أنه إذا كان عقد السبق بغير عِوَض فهو من العقود الجائزة لا اللازمة، إذ يحق لكل طرف الانسحاب في أي وقت، ذلك أنه لا ضرر على أحد من المتسابقين في الفسخ، ولكن إذا كان في العقد عوض ما، فإن المذاهب الإسلامية تختلف في نظرتها إلى عقد المسابقة هل هو ملزم للجميع، فلا يجوز لهم فسخه بعد إنشائه؟ أم هو وعدٌ لهم ولأي طرف فسخه والعدول عنه؟
ذهب الحنفية إلى وجوب الوفاء بالعقد، وذهب المالكية إلى عدم وجوب ذلك، فالوعد لدى المالكية غير ملزم أصلاً، وفصل الشافعية بين ملتزم العوض وغير ملتزم به، وفصّل الحنابلة بين مظهر الفضل له في السبق فحكموا له بالجواز خلافاًً للآخر، فإن العقد واجب في حقه، ولكل دليل في ما ذهب إليه، ويترتب على هذا الاختلاف عدّة أحكام.

وتعددت أنظار الفقهاء حيال مجال المسابقة، لاختلافهم في تأويل النصوص النبوية الواردة في هذا الشأن، فمنهم من قصرها على ما ورد في الحديث (وهي الخف والحافر والنعل)، ومنهم من وسَّع لتشمل كل وسائل الجهاد، ومنهم من توسّط، ورجح الباحث التوسع لتشمل كل ما ينفع الإنسان والمجتمع.
ويخلص الباحث إلى أن المسابقات اللاهية التي لا تقدم نفعاً، "مرفوضة"، لأنها تهدر الإنسان.
أما الجوائز فلها في الفقه الإسلامي شروط متفق عليها، وهي أن يكون العوض المبذول معلوماً، وأن يكون المال متقوّماً (أي معتبر شرعاً مالاً) وأن يكون مباحاً، وألا يقل نصيب الأول عن غيره من المتسابقين، بل لا يساوي بين المتسابقين، حتى لا ينعدم التحريض والرغبة في المسابقة، وأن يخرج العوض عن شبه القمار، ويمكن لأي طرف خارجي أن يبذل جائزة لمن يؤدي عملاً جيداً ، سواءٌ كان حاكماً أم شخصاً عادياً، وربما تكون الجوائز متجمعة من بطاقات الدخول، فيذهب ريعها للفريق الفائز.
يمكن في الجائزة لأي طرف خارجي (غير المتسابقين) أن يبذل جائزة لمن يؤدي عملاً جيداً ، سواء كان حاكماً أم شخصاً عادياً، كما يمكن أن تكون الجائزة ممنوحة من طرف واحد من المتسابقين، والطرف الآخر لا يدفع شيئاً، فإن سبق الطرف الآخر مُنح جائزة، وإن سبق مخرجها عادت إليه.
وإذا أخرج كلا المتسابقين جائزة على أن يأخذها الفائز منهما كان قماراً صريحاً لا شك في تحريمه، إذ ينطبق عليه الميسر الذي نزل القرآن بتحريمه، وعلى هذا انعقد الإجماع، ولم يخالف في ذلك إلاَّ الإمام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، واعتمدوا على شُبه لم تثبت حسب رأي الباحث.
يناقش الباحث بعد ذلك المسابقات الحديثة، مصنفاً لها إلى مسابقات "جهادية" و"علمية" (ثقافية)، "ورياضية" معتبراً أنها جميعاً مباحة الأصل، لكن أشكالها المالية تجعل بعضها محرماً مثل مسابقة "من سيربح المليون" لأن المتسابق يقامر بالأجرة مضاعفة الثمن التي يدفعها لقاء اتصاله الهاتفي، والتي بها يُموِّل البرنامج الجائزة. كما يعتبر أن السباق على السيارات والدراجات بشكلها الحالي ممنوع شرعاً لحظره على الأنفس والأموال.

ويدرس الباحث الجوائز في صورها الحديثة، جوائز اليانصيب، وجوائز الأسواق، والبنوك والبورصة، وأماكن الترفيه. ويخلص إلى أنه لا يشترط أن تكون جوائز اليانصيب من نفس المال المتجمع من ثمن البطاقات، بل يمكن أن تكون الجوائز من طرف ثالث، فلا فرق في الحرمة بينهما، وهما سواء. وأن لا فرق في الحرمة بين أن يشتري الإنسان البطاقة للدخول في اليانصيب، وبين أن يمنح بطاقة مجانية للدخول في اليانصيب المحرّم، فهو مال متجمع من الحرام ولا يجوز أخذه.
وأنه لا خلاف بين الفقهاء المعاصرين في أن الهدية الظاهرة الملحقة بالسلعة جائزة، لأنها كالحط من سعرها فيما اختلفت أنظار الفقهاء في الهدية المجهولة بحجة الغرر والجهالة ، والأرجح أن الغرر يُتسامح به في الهبات، فهي هدية من المنتج للمشتري.
وأن توزيع الجوائز عبر بطاقات مجانية، ثم ضرب القرعة عليها ومنح من خرج رقمه - لا إشكال فيه من حيث المبدأ - إن كان سعر السلعة بثمنها الحقيقي في السوق.
وأن توجُّه المشتري للسلعة بقصد الجائزة لا إشكال فيها إن كانت السلعة من لوازمه عاجلاً أم آجلاً، أما إذا لم تكن من لوازمه أبداً، بل يشتريها اليوم ليبيعها غداً فهو أقرب شيء للقمار، لاتخاذه السلعة غطاءً واضحاً بيّناً للميسر.
وأن شهادات " ج " ميسر قطعاً لإجماع المجامع الفقهية على تحريمه، وهي أشبه بالإجماع، فالتمسك به واجب برأيه.
وأنه لا يجوز أن يدفع الإنسان مبلغاً من المال على أن يرمي، فإن أصاب فله جائزة، وإن أخطأ فاته المال المقدم.
ويوصي أخيراً بضرورة طرح مسائل المسابقات والقمار المستجدة على مجالس المجامع الفقهية لاستصدار قرارات بشأنها تكون مرجعاً للمسلمين.
لقد كان للموقف الشرعي من قضايا المسابقات والجوائز الأثر البالغ في استئصال الميسر من المجتمع المسلم، وعندما حاول ابن قتيبة (ت 276 هـ) أن يكتب عن الميسر عند العرب لم يجد ما يكتب فيه إلاّ شذرات فقال مفسّراً: "لأن الميسر أمرّ من أمور الجاهلية قطعه الإسلام فلم يبق عند الأعراب إلاّ النزر اليسير منه ، وعند علمائنا إلاّ ما أدى إليهم الشعر القديم من غير أن يجدوا فيه أخباراً تؤثر أو روايات تحفظ " .
ــــــــــ
- الكتاب: المسابقات والجوائز وحكمها في الشريعة الإسلامية
- المؤلف: زكريا محمد طحّان
- الناشر: دار وائل - عمان/ رام الله
- الطبعة: الأولى

مواد ذات الصله



تصويت

قال بعض السلف :متى رأيت تكديرا في الحال فابحث عن نعمة ما شُكِرت أو زلة فُعِلت قال تعالى(ذلك بأن الله لم يك مغيِّرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). في رأيك ما هو أهم سبب لزوال النعم؟

  • عدم شكرها
  • عصيان المنعم بنعمته
  • منع النعمة عن مستحقها
  • الإسراف والتبذير
  • جميع ما سبق