الغيب.. بين الإسلام والإلحاد ! نظرةٌ موجزة

2201 0 456

الحمدُ لله الذي منح المُنقطعَ إلى رحمته متواترَ آلائه، وعمَّ الأَنامَ بمشهورِ نعمائِه، أحمده تعالى على إحسانه، وأشكرُه على متواتر بِرّه و امتنانِه، والصلاةُ والسلام الأتَمّانِ الأكملان، على نبي الهدى والرحمةِ نبيِّنا أبي القاسم محمدٍ سيدِ وَلدِ عدنان، وعلى آلهِ وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين،وبعد:

فلما كان الإسلامُ هو الدينُ الحق – يَعرف ذلك من يعرفُه ويجهلُه من يجهله – كان من تمام ذلك إخبارُه بجملةٍ من المغيبات فآمن بها أهلُ الإسلامِ وكفر بها مَن سواهُم مِن الملاحدةِ والوثنيينَ ونحوِهم.

فما هو الغيب ؟ وكيف نعرفُه ؟ وهل يجوز الخوضُ فيما لا يُعلمُ إلا بطريق الوحي الإلهي ؟

الغيبُ كما عرّفه أهلُ اللغةِ والتفسير: كُلُّ ما غاب عنك من شيءٍ.
ومعرفتُه تنبني على أمرين:
1 –أن يأتيَ الخبرُ الصادقُ عنه.
2 – أن يُرى – أو يُعرفَ بالأمورِ الحسيةِ كالشمِّ واللمسِ وما اتصل بذلك - بعد أن كان مُغَيبًا عنه.


وقد اقتصر بعضُ الملاحدةِ على الأمر الثاني وهو قولُهم أن إثباتَ المغيّباتِ يُبنى على الأمورِ التجريبية، وأما غيرَ ذلك فلا !
وقولهم هذا قمةٌ في الجهالة والضلالة، فإن الملحدَ نفسَه يؤمن بقضايا مغيّبةٍ عنه: بالخبر الصادقِ فقط!
وكما قيل: بالمثالِ يتضحُ المقال.


فإذا قيل له: إن صديقَك فلانٌ سيأتي الأسبوعَ القادمَ من بلاد كذا، آمن بذلك وصدّق، واستعد لاستقبالِه وتهيّأ، وما ذاك إلا لإيمانِه بالخبر الصادق عن مجيئه من السفر! رغم أن هذا الأمرَ غيبٌ نسبيٌّ عنه، ولكنه لم يطلب البراهينَ والأمورَ التجريبيةَ كالتأكدِ من تذكرةِ السفرِ والحجوزات..الخ! وبهذا يسقطُ أصلُ ضلالتِه.

فإن قال: أنا أُؤمن بالخبرِ الصادق من حيث أنه خبرٌ صادقٌ عندي، ولا أُؤمن بما جاء في الكتاب والسنةِ لأنه ليس بخبرٍ صادقٍ عندي.

قيل له: فالخلافُ إذاً في طريقة إثباتِ الخبرِ الصادق، لا في الخبر الصادقِ نفسِه، وأنت نفسُك تطعنُ في الخبرِ الصادقِ ولا تعتدُّ به في إثباتِ المغيّباتِ، بل تقتصرُ على الأمورِ التجريبيةِ لإثبات ذلك! فإما أن تكونَ متناقضاً جامعاً للجهل والضلالة – وهو الأقرب – وإما أن تكونَ عارفاً بذلك، ولكنك تغضُّ طرفَك عنه لئلا تُفضح !

فيؤولُ الخلافُ معه في إثبات صحةِ صدقِ كلام الله تعالى وسنةِ نبيه -صلى الله عليه وسلم- بما يعرفُه أُولو العلم من طرقٍ عدة - وليس المقصودُ استيفاءَ الكلامِ في إثبات ذلك فهذا له موضعٌ آخر -.

ولما كان الملاحدةُ من أعظمِ الناسِ جهلاً، وأكثرِ الناسِ في الاضطرابِ عقلاً، كان من تمامِ ذلك: أن حججَهم - كلَّها - التي يستندون إليها لتقريرِ ساقطِ كلامِهم، وفاسدِ مرامِهم ,من أضعفِ الحججِ وأدناها، بحيث لا تقفُ أمامَ وجهِ الحقِّ وسلطانِه، بل غايتُها السقوطُ والاضمحلالُ، بعونِ الملكِ المتعالِ.

فإن جئنا لمسألةِ الأمورِ الغيبية: نجدُ أن اللهَ تعالى قد فصّلَ بعضاً منها في كتابه، وذكرَ شيئاً منها نبيُّنا محمدٌ صلى الله عليه وسلم، فقد جمع اللهُ تعالى في القرآن الكريمِ مع وجازةِ كلِمِه، وإحكامِ نَظمِه، وقواعدِ عِلمِه، وتناسُبِ آياتِه، والتئامِ كلماتِه: أضعافَ ما في الكتب السابقةِ من الحِكمِ والمواعظِ والآياتِ، وذكر بعضَ المغيّباتِ مع أنه معجزةٌ واحدةٌ تحتوي على أُلوفِ المعجزات، وفيه من المغيّباتِ ما أخبر تعالى بوقوعِه فوقع كما أخبر، وفيه من المغيّباتِ ما استأثرَ اللهُ تعالى بعلمِه، فلا يَطَّلعُ عليه أحدٌ من خلقِه، فسبحان الله العلي القدير.


فمما هو غيبٌ عنا: حقيقةُ كيفية ذات اللهِ تعالى وصفاتِه، فنحن نعلمُها من حيث ما أخبرنا به سبحانه وتعالى كإخبارِه عن نفسِه تعالى أنه عليمٌ حكيمٌ خبير، متكلم، سميعٌ بصير، استوى على عرشِه بعد خلْقِ السمواتِ والأرضِ كما أخبرَ جل وعلا، فهذا كلُّه نؤمنُ به كما جاء ونفهمُه من حيث المحكمِ، وهو إخبارُه عن ذلك بكلامٍ عربيٍّ مفهومٍ لا شيَةَ فيه، ونؤمن بمتشابِهِه: وهو إستئثارُه تعالى بحقيقةِ وكُنْهِ هذه الصفاتِ، فالرحمةُ من المخلوق ليست هي الرحمةُ من الخالقِ جلَّ وعلا، وإن كان المعنى مفهوماً من جهة لفظ "الرحمة"، ولكن علم كيفيةِ ذلك مما اختص اللهُ تعالى به ومما استأثر بعلمه، وهكذا في سائرِ الصفات، فبَايَنَ الخالقُ المخلوقَ في صفاتِه، فكان هذا من الغيبِ المجهولِ الذي عَلِمنا ذِكرَه وخبرَه بالخبر الصادقِ عنه، وهو ما جاء في مُحكمِ كتابِه جلَّ وعلا أو في سنة نبيِّه صلى الله عليه وسلم، فآمنا بمحكمِه وكففنا الكلامَ عن متشابِهه، فهذا غايةُ التمامِ في دين الإسلام.

وإذا جئنا لما ذكره الله تعالى عن بعض مخلوقاتِه كالملائكةِ والجن: وجدنا أن ما نعرفُه عنهم هو بالخبر الصادقِ مما لا سبيلَ لتكذيبِه: لأن الملحدَ المكذِّبَ لذلك لم يوردْ حجةً عقليةً صحيحةً في نفسِها لإبطالِ ذلك، وهيهات هيهات له أن يأتيَ بشيءٍ من ذلك ولو استظهر بالملاحدةِ أجمعينَ، وربما اتّكأ على شقاشقَ ومخارقَ هلاميةٍ سرعان ما تذوبُ إذا ما قابلت صواعقَ الحقِّ المرسلةِ، فتذيبُها وتصيّرُها هباءً منثوراً بحمدٍ من الله وفضل.

فإن كان ما جاء عن الملائكة لا نعرفُه إلا ما بما عرَّفنا به الخبرُ الصادقُ من الكتاب والسنة: كان الخفيُّ عنّا غيبًا بالنسبة لنا، لا نعرفُ شيئًا منه إلا بالحد المذكور لنا، فلا نتمحَّلُ بأقيسةٍ باطلة، أو استنباطاتٍ عاطلة، ليس عليها نورٌ وهدىً من كلام ربِّ البريةِ أو من السنةِ النبوية.

وهكذا بالنسبة للروحِ التي في أجسامِنا: وهي من أدقِّ وأقربِ الأشياءِ للنفس البشرية، بل إن بعض الملاحدةِ قد يتجوّزُ ويؤمنُ بالروح في قرارة نفسِه - وربما صرّح بذلك - وإن كان لم يدركْ حقيقتَها، وهنا المحكُّ الحقيقيُّ بين أنصار الحقِّ وأنصار الباطل: فإن كان الملحدُ لم يدركْ شيئًا من خصائص الروحِ بالأمور التجريبية، فكيف يُقنعُ نفسَه بصحةِ هذه الطريقة - وفسادُها من أظهرِ الأمورِ وأوضحِها لذي عينين - ؟!


وإذا انتقلنا من الحديث عن المخلوقات إلى خالقِها عز وجل: فبماذا يُنكر الملحدُ وجودَه تعالى؟ رغم أن الكون كلَّه - من أولِه لآخرِه - يشهدُ بوجود خالقٍ واجبِ الوجودِ لذاتِه، تنتهي عندَه الخلائقُ، ونقيض ذلك محالٌ عقلًا, وقد استندَ بعضُ الملاحدةِ إلى شبهةٍ مُؤداها تعطيلُ وجودِ الله تعالى، وهو أن التسلسلَ اللانهائيَّ ممكنٌ عقلاً، فلو فرضنا هذا التسلسلَ لأدّى بنا إلى عدم وجودِ خالقٍ أو موجودٍ واجبِ الوجود لذاتِه.

والجوابُ عن ذلك أن يقال: إن التسلسلَ اللانهائيَّ المطلقَ الذي يتحدثُ عنه هؤلاءِ الملاحدة - لو مثّلنا له بالأرقام مثلاً -: بحيث تكون بدايةُ السلسلةِ غيرُ موجودة: محالٌ عقلاً، فهو وهمٌ يتوهمُه الواهم، لأن الشيءَ مترتبٌ على ما قبلَه وما قبلَه مترتبٌ على ما قبلَه...الخ فإن استمرّ التسلسل إلى ما لا نهاية، فهذا يعني أن أولَ السلسلةِ التي ترتبت عليها الأرقام - مثلا - غيرُ موجود، وهذا يُبطل وجودَ السلسلةِ أصلاً في أجزائها، ولمّا كنا نعاينُ أجزاءَ السلسلةِ في الحقيقة وجبَ المصيرُ إلى قَطْعِ التسلسلِ اللانهائيِّ والانتهاءِ بموجودٍ واجب الوجود لذاتِه، ينقطعُ عندَه التسلسلُ ليكون إسنادُ السلسلة إلى موجودٍ لا إلى معدوم.

وليس معنى عدمُ قدرتِنا على الوصولِ إلى أولِ السلسلة: عدمُ وجودِها ! فهذا لا يقوله عاقل، ففرقٌ بين الوصولِ لبدايةِ السلسلة وبين وجود بدايةِ السلسلة، فالأولُ لا يمكنُ بالنسبة لنا، والثاني ممكن.

ثم إن العقلَ الصحيحَ يشهدُ أن ما من شيءٍ إلا وله مُحدِث: فهذه السيارةُ هل ظهرت فجأةً دون سابقِ إحداثٍ من محدِث؟ أم أحدثَها مُحدث؟ وهل الأكلُ الذي تأكلُه في المطاعمِ والطاولةُ والكرسيُّ الذي تجلسُ عليه..الخ كلُّ هذا حدثَ دون مُحدث ؟

فإن قلت: لا ! وجب المصيرُ إلى هذا في الإنسان أيضًا وفي كلِّ مخلوق.

فتمامُ الأمر: وجودُ مُحدِثٍ لهذه الأشياءِ، ولا يمكن القولُ بأن هذا كلُّه نشأ من عدمٍ لوحدِه لأنك أصلا لا تُقرُّ بأن السيارةَ نشأت لوحدِها من عدمٍ، بل تُقرّ بأن الإنسان قام بصناعتِها وتشكيلِها، فإما أن يكون الجميعُ من بابٍ واحدٍ، وإلا لزم التناقض !

بقي الكلامُ على مسألة الخوض فيما لا يُعلمُ إلا بطريق الوحي الإلهي:
فهذه المسألةُ واضحةٌ في دين الإسلام، وقد أوضحها العلماءُ الثقاتُ في مصنفاتِهم كثيراً جدا، فلا يجوز الخوضُ فيما لا يُعلمُ إلا بطريقِ الوحي الإلهي قولاً واحداً عندهم، لأن هذا من التقوُّلِ على الله تعالى، ولمّا كان عِلمُنا محدوداً، وتفكيرُنا وعقولُنا محددةً بحدودٍ لا يمكنُ ألبتةَ تجاوزَها: كان الخوضُ في مثل هذه المسائل ممنوعٌ شرعاً، فهذه أمورٌ توقيفيةٌ لا تنبني على رأي فلانٍ أو اجتهادِ علان.

أما عند الملاحدة: فلا شرعَ ولا نقلَ يحكمُهم، صُمٌّ بكمٌ عميٌ فهم لا يعقلون، ولهذا أتَوا بالغرائبِ والعجائب، فخاضوا فيما لا تُعلمُ حقيقتُه إلا بالخبرِ الصادق، وسوى ذلك ظنونٌ وهذيان، بل هي من وساوسِ الشيطان، ولو أنهم وقفوا عند ما يُتقنونَه من علوم، وتركوا هذا المجالَ لأهل العلم بالشرعِ الحنيف - كما ترك أهلُ المهنِ الطبَّ لأهلِه فلم نسمعْ عن نجّارٍ يُجري عملياتٍ جراحيةٍ مثلاً! - لكان أجدى لهم من هذا الخوضِ الباطل، ولكن كما قيل: مَن تكلم في غير فَنِّه أتى بالعجائب !
 

مواد ذات الصله



تصويت

أرشد الإسلام إلى حسن استعمال النعم وعدم التبذير والإسراف، ما هو بنظرك أهم المؤسسات الفاعلة في نشر ثقافة ترشيد الاستهلاك في الماء والكهرباء والطعام والشراب وغير ذلك؟

  • الأسرة
  • المدرسة
  • المؤسسات المعنية مثل(كهرماء)
  • وسائل الإعلام
  • غير ذلك