الانبهار كمدخلٍ من مداخل الإلحاد 1

  • اسم الكاتب: اسلام ويب ( أبو عبد الرحمن الإدريسي )
  • تاريخ النشر:09/05/2016
  • التصنيف:زيف الإلحاد
  •  
1053 0 300


مراهقٌ بلغ لتوّه سنّ التمييز، مدمنٌ على الأفلام الغربيّة، منفتحٌ على ثقافة الغرب منذ الصغر، أغرته تقنيّاتُ الغرب المتقدّمة، فكلّ ما جاء بعد الثورة الصناعيّة من أجهزةٍ كانت نتاج هذا العقل الغربيّ المتمرّس في العلوم الوضعيّة، فوقفَ صاحبنا موقف المذهول من هاته المبتكرات، طائراتٌ تحلّق، وهواتف تقرّب البعيد، وسيارات سريعة تطوي المسافات طيّاً ... ! فتولّدت عند مراهقنا رغبةٌ في معرفة المزيد، ففتح كتب الغربيين قبل أن يفتح كتب دينه وثقافته، فبدأ يقرأ في الإلحاد ما تيسّر، فكان عامل التأثّر حاضراً منذ أن فتح فاه مُعجباً بالتقنية، فلم لا يفتحه مرّة أخرى في جانب الفكر؟!

هي أول خطوةٍ من خطى الانبهار fascination، كظاهرةٍ اجتماعيّةٍ معروفةٍ منذ القدم، حينما يصبح الإنسان يقلّد الحضارة الأقوى في كل شيء، لأنّ العقل المنبهر لا يفرقّ بين تقدّم تقنيٍّ وآخر عَقديٍّ، وذلك أول شيء التبس على عقل هذا الصغير !

ذلك أنه منطقاً التقدّم التقني والعقديّ قد افترقا في الغرب افتراقاً كثيراً، فالأولى تعتمد على البحوث العلميّة التي لا تخوض في مسائل الغيبيّات، ولها أسبابها إن أخذت بها أية حضارةٍ وصلت إلى ما وصل به أولئك، والثانية تعتمد على البحوث المنصفة اللاهوتيّة التي تأخذ من الغيب موضوعاً جوهريّاً لها ، فحضارة الرومان قديماً بلغت مبلغاً من القوة والمبتكرات في ذاك الزمان والعسكر وهي على ديانة الوثنيّة ! وقس عليه اليونان والإغريق والفرس، والصينيين .. فهل كان تقدمهم وهيمنتهم في ذاك الزمان تساوي مدى تقدم دينهم وعقيدتهم ؟

بالطبع لا، لأن الربط يكون مغلوطاً في العقل المنبهر لا غير، وإن شئتَ ضربتُ لك مثالاً صغيراً تراه واقعاً اجتماعيّاً، فمثلاً خذ مغنيّاً أو مغنيّةً أمريكيّةً بلغت درجة أيقونة -1-، هذا المغني حقق أموالاً طائلةً وشهرةً عالميّةً ونجح نجاحاً ماديّاً كبيراً، حتى أصبح متبوعاً من طرف معجبيه في طريقة لباسه، حياته، أكله وشربه، ما يحبّ وما يكره، بل حتى في عقيدته ودينه !

طيب سؤال لك أيها الشاكّ والمعجب، هل التوفيق في الحياة الماديّة تعني صحة المعتقد لهذا المطرب ؟

الجواب : لا، لأن المطرب بشرٌ يخطيء ويصيب، قد يكون متخصصا في ميدانه نظماً لشعره، تليحيناً لموسيقاه، تحكّماً في طريقة كلامه ومشيه وملبسه، لكنه لم يولي معتقده نفس الاهتمام، فتجده اعتنق معتقداً وثنيّاً تستحي من أن تعتنقه أنت !

فإن عقلتَ الجواب وفهمته، فكذلك الحضارة، بوصفها تجمّعا لجهودٍ بشريّة فرديّةٍ، هي أيضاً قد تخطيء وتصيب، وقد تولي تقدمها التقني أولويّة جعلتها تهمل البحث المنصف في الدين الحقّ، فكانت جميلةً في باب التقنيّة، قبيحةً في باب العقيدة !

لكنّ خطورة الانبهار تكمن في ذاك التقليد الأعمى الذي يرسخ في وعي الإنسان المنبهر، فإن كان الغربي معتنقاً للنصرانيّة اعتنقها المبهور تقليداً، وإن كان ملحداً صار مثله، لا يرى إلا ما لا يراه له الغربيّ، الذي أخذ عنه دقائق حياته، وزخرف له القول، وألقى له بالتصوّرات!

فقد حسب الإنسان الغربيّ أنه تمرد على خالقه بوصوله إلى تلك التقنيّات، مدفوعاً بحقدٍ وكرهٍ لكل ما له علاقة بهذا الإله والدين، والذي كان من أسبابه فساد أولئك الرهبان والباباوات، فكانت القاعدة أن التطرّف لا يولّد لنا إلا تطرّفاً مثله، فكان من تطرّف الغرب أن كرهوا الدين كرهاً تامّاً ورفضوه، واستبدلوه بمناهج فكريّة تخريبيّةً.

وقد حذّر الإسلام من هذا الخطر، وجاء كلام نبيّه صلى الله عليه وسلّم في نبوءةٍ تُعلم بحال هؤلاء حين قال : ( لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه.. ) متفق عليه.

فانظر لحال صاحبنا المراهق وحال كثير من أفراد الأمّة ستجدها موافقة لهاته النبوءة ! حتى لو كانت الموضة الدخول لجحر السحلية الشوكية الذيل ( الضب) لدخلوه على صغر حجمه ونَتنه وأوساخه!

إن الانبهار بالغرب في حقيقته بابٌ من أبواب اعتناق الإلحاد الغربي، فالإنسان الغربيّ في أفلامه ومسلسلاته وبرامجه وأغانيه يمجّد فيها المذاهب الفكريّة في كل حينٍ ! وتنطلي اللعبة على العقول المبهورة فيخسرون دينهم وثقافتهم بين عشيّةٍ وضحاها! ولا ترفع الغربيّ لمنزلة التقديس، لأنه في حقيقته كائنٌ مثلك ليس معصوماً عن الزلل والخطأ، وإنما خذ عنه ما تحتاج في جانب التقنيّة وما ينفعك في حياتك الشخصيّة واطرح ما علق من الأضرار العقديّة والفكريّة، تكن إن شاء الله من الفائزين .

هوامش المقال
-1- هو لقبٌ في الوسط الفني الغربي يطلق على المطرب الذي يذيع صيته ويصبح مقلَّدا من طرف معجبيه.

مواد ذات الصله



تصويت

أرشد الإسلام إلى حسن استعمال النعم وعدم التبذير والإسراف، ما هو بنظرك أهم المؤسسات الفاعلة في نشر ثقافة ترشيد الاستهلاك في الماء والكهرباء والطعام والشراب وغير ذلك؟

  • الأسرة
  • المدرسة
  • المؤسسات المعنية مثل(كهرماء)
  • وسائل الإعلام
  • غير ذلك

الأكثر مشاهدة اليوم

زيف الإلحاد

اللاأدرية؛ أزمة عقل (1)

اللاأدرية Agnosticism؛ هي مرحلة منتصف الطريق، فاللاأدرية أحد الفرق الإلحادية الثلاث الكبرى "إلحاد – ربوبية-...المزيد