دوغمائية الإلحاد

  • اسم الكاتب: أبو عبد الرحمن الإدريسي-إسلام ويب
  • تاريخ النشر:29/06/2016
  • التصنيف:زيف الإلحاد
  •  
1539 0 362

لا شك أن الملاحدة على تنوّع مدارسهم، واختلاف مذاهبهم، وتعدّد قناعاتهم، يعانون من علّة وجودهم، وتقضّ مضجعهم تلك الأسئلة الوجوديّة : هل هناك إله؟ ما دوري في الحياة؟ لماذا يوجد موتٌ ؟ لماذا لا أكون خالداً ؟ من هو خالقي؟ هل الكون مخلوق أم أزليّ ؟ .. تلك الأسئلة الفطريّة التي تعصف بكيان الملحد عصفاً، لا يهنأ له بالٌ، ولا تقرّ له نفسٌ إلا بالإجابة عنها .

هذه الأسئلة لن يرتاح صاحبها إلا حينما يجد لها أجوبةً مقنعةً، فيضطرّ الملحدُ إلى كبتها، وتجاهلها، والتشاغل عنها، فيصبحُ معتقِداً لمعتقدٍ مرهونٍ بأجوبةٍ غير منطقيّةٍ ولا عقليّةٍ يلقيها إليه إمامهُ المتّبع، فيلسوفاً كان أو فيزيائيّاً، ومن هنا يتبلور هذا الإلحاد إلى دوغمائيّةٍ dogme تقليدانيّة، ووثوقيّةٌ يقينيّةٌ لا تضاهي ما يحسبه الملحد " أدلّةً" تنصر معتقده، لأنّ المذهب الإلحادي باعتراف منظّريه المعاصرين لا يمتلك أدلّةً تنفي وجود الله، بل فقط مشاغباتٍ واعتراضاتٍ لا ترقى لأن تكون أدلّةً، وهذا ما سنبيّنه في حينه.

وقد يعترض ملحدٌ بالقول بأن الإلحاد ليس دوغمائيَةً لأنّ هذه الأخيرة تكون في الدين، وجوابه أن هذا خاطئ، لأن الوثوقية لا يشترط أن تكون في دين بل إيمانٌ مطلقٌ بصحّة فكرةٍ معيّنةٍ دون أدلةٍ قد يؤدي إلى تلك الدوغمائية المذمومة، التي ذمّها الإسلام وقدّم حججا قوية على صحة معتقده عكس كثيرٍ من الأديان كالمسيحية، هذه الأخيرة التي رفعت شعار أن الإيمان لا دليل عليه بل هو شيء محسوسٌ قلبيّ !!!

والإلحاد اليوم يتّجه لأن يكون مثل الدين، بمؤسسات ومنظّرين وغيرهم، ففي دراسة للملاحدة الفرنسيين تبيّن بأن أغلبهم يعتمد موقعا إلحاديا فرنسيا كمرجع للإلحاد، وأسسوا منذ سنة 1933م لاتحاد العقلانيين l’Union rationaliste،والأمريكيون الملاحدة أسسوا لمنظمة سموها Infidels ، والبريطانيون British humanism، فهنا الإلحاد بدأ بالتجمع كتأسيس لمفهوم الجماعة التي تنادي به الأديان، والذي يوازي التكتلات الكنسيّة المعروفة، والملاحظون الغربيون لظاهرة الإلحاد يلقّبون الملحد الشهير : Richard Dawkins ببابا الإلحاد في العهد المعاصر، حيث أنه أكثر الكتّاب تأثيرا في ملاحدة العصر، وأن عددا من الكتب تعتبر مراجع للإلحاد ويوصون بعضهم البعض بأخذ ما فيها بشكلٍ وثوقيٍّ تقليديٍّ .

فيكون الإلحاد بذلك بدأ يؤسس لديانته، التي فيها أئمةٌ متبوعون، وكتب مقدّسة كمراجع، وتكتّلاتٌ مؤسساتيةٌ، وعباداتٌ كما أسسها تيار الإلحاد الروحي أخذا عن بعض طقوس الهند، أو حتى في مقارفتهم للمعاصي كشكلٍ رمزي لممارسة " الحرية الإلحادية" .

ولكي نضرب أمثلةً على دوغمائيةِ الإلحاد، وإيمانهم بشيءٍ دون أدلّةٍ تنصره إيمانهم، هي إقرارهم بعدم وجود أدلّةٍ تنفي وجودَ الله وفي نفس الوقت يجزمون بعدم وجوده ! فعقلاً إن لم يتوفر دليل – جدلاً- لوجود إله خالقٍ للكون، ولا توجدُ أدلّةٌ تنفيه، كان الأولى أن يتوقفوا في المعتقد، كاللأأدرية، لكن نتاجاً لهذه الدوغمائية نفوا وجود الله وجزموا به، بل تجاهلوا كل الأدلّة العقلية، والفلسفية، والعلميّة التي تثبت وجود خالقٍ للكون !

ومن الأمثلة أيضا : أن ريتشارد داوكينز لما أعيته الأدلة العلمية التي تثبت استحالة وجود الكون صدفة أو عشوائية، والتصميم والإتقان الذي أقرت به مختلف العلوم، خرج على الناس قائلا أنه لا يستبعد أن يكون الكون مخلوقاً من طرف كائناتٍ فضائية متطورةٍ !! فتابعه كل ملاحدة العالم بجهلٍ وكرروا مقولته !

والأولى إن قامت عليهم الحجة، أن يقروّا بوجود خالقٍ للكون كما تقول به الأديان، فالله تعالى عرّف البشريّة بنفسه وأنزل أدياناً وشرائع كان آخرها الإسلام، ونصرها بالتأييد والأدلة والحجج، لا أن يتهرّب من الإقرار بوجود الله بدعوى خلق الكون وتصميمه من طرف كائناتٍ فضائيّةٍ لم يثبت وجودها أصلاً، ولا عُرف في حال وجودهم استطاعتهم لذلك من عدمه ! فهذا أيضا دليلٌ على دوغمائية الإلحاد .

ومن دوغمائية الإلحاد أيضا، انطلاقهم من مقدّمات وقواعد خاطئة ويسقطونها تعسّفها، ويحاولون فهم طبيعة الإله كما يصورها الدين! ومنها أنهم حينما يعجزون عن فهم طبيعة الذات الإلهية ينكرونها ببساطة، فيُخضعون قوانين المخلوق على الخالق ! ومن تم يتسائلون من خلق الله ؟ أو هل الله محتاج لعبادتنا حتى نعبده ؟ وأشباه هذه الأسئلة التي تكون نتيجة محاولة تصور الخالق انطلاقا من احتياج المخلوق !

وحينما يسقطون صفات في المفعولات على صفات الخالق، فيحسبون مثلا أن الشرّ في العالم مردّه إلى إله شرير والعياذ بالله !!

إنّ هذه الدوغمائية المقيتة للإلحاد، هي السّبب الرئيسي في تعطيلِ عقل الملحد، وتغليف مذهبه بنوعٍ من اليقينيّة التي لا تقبل الجدل، فيُحرم بذلك من البحث المنصف عن الحقيقة، ولا يدخل لحوارٍ مع المتديّنين إلا بغرض زعزعة معتقده لا الاستفادة مما عندهم، أو توسيع مداركه، ولهذا تكون غالب المناظرات لا تضيف للملحد شيئاً، حتى لو قامت عليه الحجّة يواجهها بعنادٍ تامٍّ !

وحتّى في الشبهات والافتراءات التي تكون حول دين الإسلام، فهي ليست آتيةً من ملاحدةٍ درسوا الإسلام بإنصافٍ، بل غالبها شبهاتٌ استشراقيّةٌ كان كتّابها نصارى غربيّين، فينقلونها في مواقعهم ومصنّفاتهم كما هي، فيكون أنهم سقطوا في وثوقيّةٍ أشدّ من سابقتها، وهي استئمان قول النصارى في دين الإسلام، وهم قومٌ معروفون بالكذب ! ومن ذلك على سبيل المثال افتراء وجود أخطاءَ نحويّةٍ في القرآن، التي أجمع العرب الفصحاء بمؤمنيهم وكفّارهم على ذاك الإعجاز، وعدم القدرة على الإتيان بسورةٍ من مثله تعارضه!
فأول من ادّعى ذلك بعض المستشرقين الأعاجم، الذين لم تكن العربيّة لسانهم الأصليّ ! بل درسوها دون تعمّق وبضعفٍ شديدٍ، حتى يكاد أحدهم يمسك فاه حتّى يستقيم له النطق الصحيح! ومع ذلك تلقّف الملاحدة هذا الافتراء وبدؤوا يكرّرونه في معاقلهم، وأعلمهم لا يستطيع تركيب جملة مفيدة دون أخطاء أو إعراب جملة بها مبتدأ وخبر !

وكثيرٌ من المناظرات التي دارت بيننا وبين الملاحدة، وألقى فيها الملحد هذا الافتراء، لم يستطع أن يجبينا عن سؤال إعراب جملة بسيطةٍ في اللغة العربيّة! فملقي الشبهة على الأقلّ ينبغي أن يكون له علمٌ لا بأس به في اللغة العربية، وصرفها نحوها وبلاغتها، حتى يقف أولا على صحّة الدعوى، ولا يُحرج ثانياً في حواراته مع المسلمين.

وهذا ما جعل الدكتور الأديب حسام الدين حامد-1-، في أحد حواراته لمّا ضاق بدعاوى ملحدٍ جهولٍ أن يقول: " ما تعرف أنت عن البلاغة.. و من أنت يا من لا تحسن إلا أن تلصق حرفين دون فهم للمعاني حتى تتكلم عن القرآن ؟!! أنت عندي وقح بما يكفي لتتكلم عن القرآن دون تحرج ، جاهل بما يكفي لتتكلم بكل شيء لا تعرف عنه شيئًا ، حاقد بما يكفي لتضع الآيات بكتابة خطأ ، أحمق بما يكفي لفضح نفسك حتى و أنت تتهرب من الموضوع ..ثم أيها المجهال الجهول الجهال الجهل : أنت - أيتها الحشرة - تأتي بأبيات مثل القرآن بلاغة ؟!!إنني لو قلبتك ظهرًا لبطن و وجهاً لقفا و نفضتك نفضًا و عصرتك عصرًا فأقصى المأمول منك أن يسقط منك حروف الهجاء !! " -2-

وهذه باختصارٍ، أيها السادة الكرام، بعضُ الأمثلة عن دوغمائيّة الإلحاد، التي تجعله معتقداً متهافتاً على جميع الأصعدة، ومن كلّ الجوانب والأركان، { ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون } ( الأنفال: 8 ).
 

هوامش المقال
-1- محاورٌ على منتدى التوحيد، ومتخصص بقضايا الإلحاد واللادينيّة، وله مصنّفات في هذا الصدد ومقالات.
-2- http://www.eltwhed.com/vb/showthread.php?10410-%D8%E1%C8-%C8%D3%ED%D8-%E3%E4-%C7%E1%D2%E3%ED%E1-%C3%E3%CC%CF-%DD%E5%E1-%ED%CC%ED%C8-%BF&p=72678#post72678

مواد ذات الصله



تصويت

أرشد الإسلام إلى حسن استعمال النعم وعدم التبذير والإسراف، ما هو بنظرك أهم المؤسسات الفاعلة في نشر ثقافة ترشيد الاستهلاك في الماء والكهرباء والطعام والشراب وغير ذلك؟

  • الأسرة
  • المدرسة
  • المؤسسات المعنية مثل(كهرماء)
  • وسائل الإعلام
  • غير ذلك