محاكمة النشوء قبل الارتقاء

  • اسم الكاتب: د.هيثم طلعت-إسلام ويب
  • تاريخ النشر:07/08/2016
  • التصنيف:نظرية التطور
  •  
1500 0 756

منذ أن وضع تشارلز داورين Charles Darwin كتابه الأشهر "في أصل الأنواع On the Origin of Species" في العام 1859 ، والجدال لم يتوقف بشأن صحة "الداروينية" أو الصيغة الأحدث "التطور"، وقد لا يتوقف الجدال في المستقبل المنظور لدواعٍ تتجاوز حيز العلم بكثير وتمّس عقائد وأديولوجيات لدى الطرفين.

فالملحد يريدها تطور؛ لأن الكائنات على وجه الأرض إما جائت عبر تطور وارتقاء وإما خلق مباشر ولا بديل ثالث. وبالتالي إذا سقط التطور سقط الإلحاد وسقطت مدارس المادية قولاً واحدًا.

لكن الطرف الآخر قد يكون أقل حماسةً؛ فالتطور لا يشكل خطرًا على الدين كما يشكل نفيه نسفًا للإلحاد.

لكن في وسط هذا الجدال الذي لا يرحم قليل مَن يلتفت إلى أصل الموضوع وهو النشوء- أي بداية ظهور الحياة- قبل الحديث عن الارتقاء-أي تطور الأنواع-.

فالأولى أن يتم التنظير للأصل قبل الفرع، وللجذع قبل الغصن. لكن سارت السفن بما يشتهي الملحد، فنحن لو انطلقنا من الأصل –النشوء- ما سَلِم للملحد فرع –الارتقاء- لأن الأصل يقع خارج أُطر العلم الرصدي والتجريبي حتى الساعة.

فقليل مَن يدرك حتى من المتحمسين من كلا الطرفين أن النشوء باعتراف كبار الملحدين يستحيل تفسيره في إطار المادة أو العشوائية أو الرؤية التطورية.

وإلى اليوم يبقى سؤال كيف بدأت الحياة على الأرض باتفاق كل مَن يُعتد برأيه من البيولوجين وعلماء الكيمياء الحيوية بلا إجابة. -1-

فإذا كان السؤال الأول في الداروينية بلا إجابة فكيف نتطلع إلى القطع بما بعده ؟

لكن قد يرى متفائل أن القضية قصور في أدوات البحث سيجد لها العلم جوابًا ذات يوم، وهذا ليس تفاؤلاً وإنما جهل بأبجديات علمي البيولوجيا والكيمياء الحيوية، فطبقًا لحسابات عالم الفلك الإنجليزي الملحد فريد هويل Sir Fred Hoyle، فإن فرصة الحصول على فقط مجموعة الإنزيمات لأبسط خلية حية تصل إلى 10 أس 40,000 مع أن عدد الذرات في الكون كله لا تتجاوز 10 أس80. -2-
 

وفي هذه اللحظة يستنتج فريد هويل أن مجرد طرح احتمالية ظهور البرنامج المنظم للخلية الحية، بالمصادفة في الحساء البدئي لبيئة الأرض الأولى على أنه نوع من الهراء على أعلى مستوى ممكن
Is evidently nonsense of a high order. -3-

وفريد هويل لمن لا يعرفه هو عالم فلك بريطاني شهير وصاحب مصطلح الانفجار العظيم Big Bang وكان ملحدًا، إلا أن أبحاثه في فرضيات نشأة الحياة على الأرض جعلت إلحاده يهتز بشدة "greatly shaken" كما يقول عن نفسه. -4-

وقد اعترف هويل صراحةً أن أبسط بديهيات العقل حين تتحرى لحظة الظهور الأولى للحياة فإنها تُسلم لحقيقة التصميم والإبداع كونها بديهة ماثلة أمام الأعين، يقول هويل: "ولو تابعنا بشكل مباشر ومستقيم في هذه المسألة ، ودون أن نبالي بالخوف من مخالفة الرأي العلمي السائد، نصل إلى استنتاج مفاده أن المواد البيولوجية بما تحويه من قياس ونظام يجب أن تكون ثمرة تصميم ذكي ، ولا توجد أي احتمالية أخرى يمكنني التفكير بها". -5-


أما ديفيد بيرلنسكي David Berlinski عالم الرياضيات والبيولوجي الأمريكي الشهير، فيؤكد أن مسألة النشوء وكل ما كُتب فيه مِن قبل الماديين مجرد خيال علمي لا أكثر! -6-

وديفيد بيرلنسكي شخص لا أدري agnostic ظهرت رؤيته لخرافية ما كُتب عن نظريات نشأة الحياة في إطارها المادي أثناء عمله كمساعد باحث في البيولوجيا الجزيئية molecular biology بجامعة كولومبيا Columbia University، وتبين له كما تبين لفريد هويل من قبل أن احتمالية الظهور العشوائي لأبسط خلية خلية ممكنة، هو نفس القدر من احتمالية تشكيل طائرة بوينج 747 بعد إعصار يجتاح كومة من الخردة . -7-

فأبسط خلية ممكنة هي منظومة معلوماتية تحتوي على تشفير داخل الجينوم الخاص بها، وحين يتم فك هذا التشفير تظهر خصائص الخلية ووظائفها، ولا يمكن أن تقوم الخلية بتشفير ما ستحتاج إليه لأنها أصلاً لا تعرف ما تحتاجه قبل أن تظهر، وهي لن تظهر بدون تشفير مسبق، هذه أبسط بديهيات العقل التي إن تجاهلناها تجاهلنا بعد ذلك كل شيء!

فالتشفير هو عملية خلق متقنة مبدعة لا يوجدها إلا خالق موجد –سبحانه وتعالى-، ولذا حين اكتشف فرانسيس كريك Francis Crick جزيء الDNA المعجز، اعترف كريك وكان ملحدًا أن نشأة حياة على الأرض شيء مستحيل تلقائيًا ووضع من أجل ذلك كتابه "الحياة نفسها نشأتها وطبيعتها Life Itself: Its Origin and Nature". -8-

فنشأة الحياة –النشوء- هي القضية التي إن صلحت وفق النسق الديني صلح ما بعدها وتهاوت كل دعاوى الملحدين، وإن تجاوزناها دخلنا مع الملحد جدالاً لا يرحم وفروضًا لا تنتهي.

ومؤخرًا وتحديدًا في 9 ديسمبر عام 2004 كتب الملحد الشرس في ذلك الوقت أنتوني فلو Antony Garrard Newton Flew كتب يقول: "إن الحجج الأكثر إثارة للإعجاب على وجود الله هي المدعومة بالاكتشافات العلمية الحديثة، وتلك الحجج الخاصة بالخلق المبدع للحياة أقوى بكثير عما كنت قد رصدتها من قبل." -9-

فالسؤال الفلسفي الذي لم تتم الإجابة عليه حتى الآن طبقًا لأنتوني فلو هو بشأن نشأة الحياة إذ كيف للكون الذي يتشكل من مادة عمياء بلا عقل أن يُنتج كينونات تحكمها الغائية، والمقدرة على التكاثر والكيمياء المشفرة، إننا الآن لا نتعامل مع بيولوجيا إنها فئة مختلفة تمامًا من المشكلة. -10-

فحتى تشارلز داروين نفسه كان يؤمن أن الحياة قد "نُفخ فيها بإعجاز مِن قبل الخالق" وهي الكلمة الشهيرة لداروين في آخر كتابه أصل الأنواع The Origin of Species في طبعاته الأولى.

وبعد اكتشاف الجزيء المعجز DNA الذي يُشكل جينوم الخلية الحية ويشفر وظائفها، لم يعد بالإمكان الحديث عن ترف الصدفة أو الحساء البدئي لبيئة الأرض الأولى أو كل تلك الفروض التي كان يعبث الملحد يومًا ما من خلالها في بديهياتنا العقلية.

يقرر اللاديني فرانسيس كريك Crick Francis مكتشف جزيء الDNA سابق الذِكر أن نشأة بروتين واحد وظيفي بسيط بالصدفة هو ضرب من الاستحالة يكاد يفوق 10 أس 260 مع أن عدد ذرات الكون ككل لا تتجاوز 10 أس 80، هذا في بروتين وظيفي بسيط مع أن أدنى الكائنات به آلاف البروتينات، وفي النهاية يعترف فرانسيس كريك قائلاً: "كرجل منصف، ومُسلح بالعلم المتاح لنا الآن، أستطيع أن أُقرر بشيءٍ من المنطق، أن نشأة الحياة معجزة." -11-

لكن وقبل أن نختم لابد وأنه قد قفز إلى ذهنك سؤال: كيف بقي كل هؤلاء العلماء الملحدين على إلحادهم مع قطعهم بوجوب التدخل والإبداع والخلق؟
ستبقى إجابة هذا السؤال إلى مقالنا التالي بمشيئة الله تعالى.


هوامش المقال
-------------------
1- Today as we leave the 20th century, we still face the BIGGEST PROBLEM that we had when we entered the 20th century : how did life originate on earth
source:Jeffrey Bada, Earth, February 1998, p.40
2- the chance of obtaining the required set of enzymes for even the simplest living cell without panspermia was one in 1040,000. Since the number of atoms in the known universe is infinitesimally tiny by comparison (1080).
3- The notion that not only the biopolymer but the operating program of a living cell could be arrived at by chance in a primordial organic soup here on the Earth is evidently nonsense of a high order.
Sir Fredrick Hoyle and Chandra Wickramasinghe, Evolution from Space (New York: Simon & Schuster, 1984), p. 148.
4- http://www.uncommondescent.com/intelligent-design/fred-hoyle-an-atheist-for-id/
5- Hoyle, Fred, Evolution from Space, Omni Lecture, Royal Institution, London, 12 January 1982; Evolution from Space (1982) pp. 27–28
6- https://web.archive.org/web/20080420082802/http://www.slate.com/id/2189178/entry/2189179/
7- http://www.jstor.org/discover/10.2307/2024776?uid=3737928&uid=2&uid=4&sid=21104849695011
8- Crick, F. H. C. and Orgel, L. E., 1973, Icarus, 19, 341.
9-
Habermas, Gary R. (9 December 2004), "My Pilgrimage from Atheism to Theism: An Exclusive Interview with Former British Atheist Professor Antony Flew"
10-
"The philosophical question that has not been answered in origin-of-life studies is this: How can a universe of mindless matter produce beings with intrinsic ends, self-replication capabilities, and 'coded chemistry'? Here we are not dealing with biology, but an entirely different category of problem."
There is a God: How the World's Most Notorious Atheist Changed His Mind, New York: Harper One, p. 124
11- "If a particular amino acid sequence was selected by chance, how rare an event would this be?
"This is an easy exercise in combinatorials. Suppose the chain is about two hundred amino acids long; this is, if anything rather less than the average length of proteins of all types. Since we have just twenty possibilities at each place, the number of possibilities is twenty multiplied by itself some two hundred times. This is conveniently written 20200 and is approximately equal to 10260, that is, a one followed by 260 zeros.
" Moreover, we have only considered a polypeptide chain of rather modest length. Had we considered longer ones as well, the figure would have been even more immense. The great majority of sequences can never have been synthesized at all, at any time." pp. 51-52
"An honest man, armed with all the knowledge available to us now, could only state that in some sense, the origin of life appears at the moment to be almost a miracle, so many are the conditions which would have had to have been satisfied to get it going."
Life Itself: Its Origin and Nature, P.88
 

مواد ذات الصله



تصويت

أعظم الخذلان أن يموت الإنسان ولا تموت سيئاته، وأعظم المنح أن يموت ولا تموت حسناته، في رأيك ماهي أفضل الحسنات الجارية فيما يلي؟

  • - بناء مسجد
  • - بناء مدرسة
  • - بناء مستشفى
  • - حسب حاجة المكان والزمان
  • - لا أدري