في البدء كانت الأحفورة

  • اسم الكاتب: د.هيثم طلعت-إسلام ويب
  • تاريخ النشر:20/09/2016
  • التصنيف:نظرية التطور
  •  
4795 0 583


بينما تقوم نظرية الداروينية الجديدة "التطور" Evolution على مسألة الطفرات والتي تعرضنا لها بالتفصيل في المقال السابق، فإن قوام الداروينية الكلاسيكية Darwinism على الحفريات –الكائنات المتحجرة fossils-، وإن كانت إحدى النظريتين لا تستغني عن حجج الأُخرى وأدلتها!

ولقد تعرَّفنا اليوم، وبعْدَ 150 عاماً من نشر نظرية التطور لداروين، على آلاف الكائنات المتحجرة التي لم تكُن معروفة لداروين. لكن بقيت الفجوات بين المجموعات التصنيفية الرئيسية للحيوانات عصيَّةً على الملء. فمنذ أن ظهرت نظرية داروين وعلماء الأحافير في حيرة من أمر الندرة الشديدة في الأحافير الانتقالية.

كان من الممكن تفهُّم وجود الأمل أيامَ داروين بأن تظهر الروابط المفقودة مع الوقت، حين كان علم الأحافير في بدايات تشكُّله. حيث أن علماء الأحافير في ذلك الوقت لم يقوموا بالبحث كما ينبغي.

أما اليوم فقد استُخرجت أعداد مذهلة من الأحافير، وسرعة اكتشاف المزيد منها تفوق قدرتنا على تصنيفها.

وكلما ازدادَ عددُ الأحافير المكتشفة من قِبل علماء الأحافير ازداد وضوحُ تعارض الأحافير المكتشفة مع ما تفترضه نظرية داروين. إنَّ نمطَ الأحافير المكتشفة ليس نمطاً متشعّباً بشكلٍ تدريجي، بل إنَّه يشكل عناقيد مجتمعة تفصل بينها فراغات. قد لا يكون ذلك مفاجئاً كونه نفس النمط الذي نجده بين الكائنات الحية اليوم. فمثلاً توجد العديدُ من سلالات الأحصنة لكنها منعزلةٌ بشكل واضح عن الماشية، وبالمثل يوجد العديد من تنوعات الذرة، لكن لن يصعبَ على أحد التفريق بينها وبين القمح، وتتجمع التنوعات حول نمطٍ واحد، بدلاً من ظهورها متدرجة كما تفترض الداروينية.(1)

فلا يوجد مثلاً سلاسل متدرجة من الأحافير تملأ الفراغ بين الأسماك والبرمائيات أو بين الزواحف والطيور، بل تظهر الأحافير كاملة النمو والتمايز والوظيفة من أول ظهورٍ لها في السجل الأحفوري. وتُظهر أحافير الأسماك الأولى كل الصفات المعروفة للأسماك اليوم. وكذلك تُظهرُ الزواحفُ في السجل الأحفوري كلَّ صفات الزواحف الحية اليوم. هذا النمط ظاهر عبر السجل الأحفوري ككل..

فالسجل الأحفوري لا يقدّمُ أيَّ دليلٍ على أنَّ الشُعب المنقرضة مرتبطة مع بعضها بمراحل تطورية وسيطة.

إن الأشكال الانتقالية التي يُزعم وجودها. عددها اليوم أقلَّ مما كان معروفاً أيام داروين. فالتطوريون مثلاً اضطروا لنفي بعض الحالات التقليدية المشهورة للتغيرات الداروينية في السجل الأحفوري، كتطور الحصان في أمريكا الشمالية بعد ظهور المزيد من المعلومات المفصلة حول ذلك.(2)

فالزعم بأن الزمن كفيل بإظهار الحلقات المفقودة جاء بنتيجةٍ عكسية غير مُتوقعة!

يقول عالم الفيزياء النظرية –والحاصل على الدكتوراة في فيزياء الكم النظرية- أميت جوسوامي Amit Goswami أن: "أنصار نظرية التطور يفعلون اليوم كما كان يفعل أنصار نظرية أن الأرض هي مركز الكون، فهم الآن يمارسون نفس عناد السابقين، حيث كان السابقون يقومون برسم عدد لا نهائي من الحلقات والحلقات، ليبرروا دوران الأفلاك حول الأرض ليتمكنوا من التمسك بنظريتهم، وأنصار الداروينية يفعلون اليوم الشيء نفسه تجاه أي اكتشاف يُغير أو يناقض مباديء النظرية ومباديء آليتها، بأن يقوموا بتعديلات لا نهائية للنظرية الأُم لتواكب تلك الاكتشافات، فكان المفترض لو أن الأمر كما يزعمون أن تتحقق توقعات النظرية في كل كشف أحفوري جديد لكن الحاصل أنه لا شيء يتحقق البتة، بل إن كل كشف جديد يتطلب رسم دوائر جديدة لا أكثر، وصارت النظرية حبلى بالدوائر عاجزة عن التنبؤ بشيء ولا يقدم الكشف الأحفوري إلا إضافة دوائر جديدة حول النظرية.

-ويقول في موضع آخر على موقعه الرسمي أن- الجميع يعلمون الآن بشأن الفجوات الأحفورية، وخلافاً لتوقعات عدد كبير من علماء الأحياء، لم تمتليء الفجوات الأحفورية يومًا ما حتى مع آلاف آلاف الحلقات الوسيطة المتوقعة!
إذن ما هو الدليل-على النظرية-؟
ما الذي يحاول هؤلاء إثباته بالضبط؟ "(3)

وهي نفس النتيجة التي توصل لها كولين باترسون Colin Patterson -من كبار علماء الحفريات-، والذي عمل في مجال التطور طيلة عشرين سنة ثم قال: " لقد استيقظت ذات يوم واكتشفت أنني بعد عشرين عامًا من العمل في التطور لا أجد دليلاً عليه سوى تخمينات اعتباطية."

وقال: " نعم أتفق معكم تمامًا، لا توجد أحفورة واحدة نستطيع أن نجادل بشأنها."(4)
لقد أوضح كولين باتريسون وغيره أن مشكلة التطور تقوم على الفروض الفلسفية والأُطر التأويلية لا أكثر، ولو كانت النظرية تملك دليلاً علميًا واحدًا لتوقف الجدل بشأنها منذ زمنٍ بعيد.

أما الملحد اللاأدري الشهير ديفيد بيرلنسكي David Berlinski فيرى أن التطور طبقًا لمعطياتنا الأحفورية من مفهوم رياضي-وهو مجال تخصصه- مستحيل! حيث يؤكد أن التطور وهم وخرافة من منظور إحصائي رياضي، وطبقًاً له فإنه عندما تقرر البقرة أن تتحول إلى حوت -كما يفترض التطور- فإنها بحاجة إلى 50 ألف تغير جسدي بها، ولابد أن تكون هذا التغيرات متزامنة، ولابد أيضاً من وجود ملايين الكائنات الوسيطة في كل تغير، والنتيجة التي نعرفها جميعاً أنه لا وجود لأيٍ من هذه الكائنات الوسيطة وفي النهاية يبقى السؤال:مَن هو الموجه لهذا التغير؟ (5)

من العدل أنْ نقولَ أنَّ علماء الأحافير قد شغلوا أنفسهم بجهودٍ ملحمية لاكتشاف الروابط المفقودة باحثين في آلاف السفوح الرسوبية وفي أطنان الصخور الصلبة (ليس فقط الأحجار الرملية أو الصخور الطينية بل حتى في صخور الكوارتز التي تحتاج لتقطيعها إلى شرائح رقيقة).(6)

نستنتج أنَّ ندرةَ الأحافير الانتقالية لا تعود لنقصٍ متأصلٍ في السجل الأحفوري، ولا إلى قلّة الجهود المبذولة لاكتشافه.

خلاصة ما في الموضوع أن: الداروينية لا تملك الدليل إلَّا من غياب الدليل الأحفوري الذي وضعت النظرية من أجل تفسيره.

وحين بذل العلماء جهوداً جبارة في الأحافير فمن العدل أن نتخلى عن مثالية التطور كحقيقة علمية لتفسير تنوع الكائنات الحية.

يعترف التطوري الشهير هنري جي Henry Gee والذي يعمل محررًا علميًا في مجلة الطبيعة Nature أيضاً أن هوس صحة التطور من خلال الأحافير أصبح سرابًا فيقول: "لا تُدفن الأحفورة مع شهادة ميلادها، وأصبح من المستحيل عملياً محاولة ربط هذه الأحافير في سلاسل مقبولة من نمط سبب ونتيجة... إنّ أخذ سلالة من الأحافير وادعاء أنها تمثل خطاً تكاثرياً لا يعتبر فرضية علمية قابلة للاختبار، وإنما هو تأكيد على قصة تحمل نفس القيمة العلمية للقصص التي تروى قبل النوم". (7)

هوامش المقال
1-تصميم الحياة، د.ويليام ديمبسكي ود.جوناثان ويلز، ترجمة د.مؤمن الحسن وآخرين، دار الكاتب ص103-104.
2- http://www.darwinismrefuted.com/natural_history_2_12.html
3- Everybody is by now familiar with the fossil gaps. Contrary to a great number of biologists’ expectations starting with Darwin, the fossil gaps have never filled up with the thousands upon thousands of predicted intermediates. The vast majority of the gaps are real; about this there is no doubt. So what do they signify? What do they prove.

Neo-Darwinists, and the majority of biologists, fall into a dogmatic worldview insisting that the fossil gaps mean nothing. They are sold on a promissory evolutionism—faithfully believing that eventually the gaps will fill up.
http://www.amitgoswami.org/2014/11/05/darwins-mistake/
4- I fully agree with your comments on the lack of direct illustration of evolutionary transitions in my book. If I knew of any, fossil or living, I would certainly have included them. . .I will lay it on the line, There is not one such fossil for which one might make a watertight argument."
—Colin Patterson, (Creation Science Foundation, Revised Quote Book, 1990)
5- http://www.youtube.com/watch?v=OMw3OzQfVvI
6- تصميم الحياة، د.ويليام ديمبسكي ود.جوناثان ويلز، ترجمة د.مؤمن الحسن وآخرين، دار الكاتب ص116
7- Henry Gee, In Search of Deep Time, p.116. ( م. س. ص135)
 

مواد ذات الصله



تصويت

أرشد الإسلام إلى حسن استعمال النعم وعدم التبذير والإسراف، ما هو بنظرك أهم المؤسسات الفاعلة في نشر ثقافة ترشيد الاستهلاك في الماء والكهرباء والطعام والشراب وغير ذلك؟

  • الأسرة
  • المدرسة
  • المؤسسات المعنية مثل(كهرماء)
  • وسائل الإعلام
  • غير ذلك