الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

علو الهمة

  • اسم الكاتب: الشيخ محمد بن إسماعيل المقدم
  • تاريخ النشر:19/05/2001
  • التصنيف:اقرأ في إسلام ويب
  •  
16674 0 565
مما لا شك فيه أن سر عظمة المسلمين وخيريتهم وتفوقهم على الأمم : " العلم " و الإرادة" .
وكم صنف المتقدم والمتأخر في بيان فضل العلم وشرفه والحث عليه ، والمقصود من كلامنا التالي إلقاء الضوء على قسيم العلم وشريكه في صناعة المجد ، وإحياء الأمة ، ألا وهو " القوة العملية " أو " الإرادة " أو " الهمة " .

ما هي الهِمَّة ؟
الهَمُّ : ما هُمَّ به من أمرٍ ليُفْعَل .
و " الهمة " : هي الباعث على الفعل ، وتوصف بعلوٍّ أو سفول .
وفي " المصباح " : " الهِمَّة " بالكسر : أول العزم ، وقد تطلق على العزم القوي ، فيقال : له همة عالية .
وقيل : " علو الهِمَّة " : " هو استصغار ما دون النهاية من معالي الأمور "(انظر رسائل الإصلاح2/86) .
وقيل : " خروج النفس إلى غاية كمالها الممكن لها في العلم والعمل "(صيد الخاطر ص:189) .
قال الجرجاني : و " الهِمَّة " : " توجه القلب وقصده بجميع قواه الروحانية إلى جانب الحق لحصول الكمال له أو لغيره "(التعريفات ص : 320) .
وقال " ابن القيم : " علو الهِمَّة أن لا تقف دون الله ، ولا تتعوض عنه بشيء سواه ، ولا ترضي بغيره بدلاً منه ، ولا تبيع حظها من الله ، وقربه والأنس به ، والفرح والسرور والابتهاج به ، بشيء من الحظوظ الخسيسة الفانية ، فالهِمَّة العالية على الهمم ، كالطائر العالي على الطيور ، لا يرضى بمساقطهم ، ولا تصل إليه الآفات التي تصل إليهم ، ... فعلو همة المرء ، عنوان فلاحه ، وسفول همته عنوان حرمانه "أهـ .(مدارج السالكين3/3 ـ 4) .
و " الهِمَّة " طليعة الأعمال ومقدمتها ، قال أحد الصالحين : " هِمَّتك فاحفظها ، فإن " الهِمَّة " مقدمة الأشياء ، فمن صلحت له " هِمَّته " وصدق فيها ، صلح له ما وراء ذلك من الأعمال "(بصائر تربوية ص :137) .
الهِمَّـةُ مولُودَةٌ مَعَ الأدميّ :
قال ابن الجوزي في " لفتة الكبد إلى نصيحة الولد " : " وما تقف هِمَّة إلا لخساستها ، وإلا فمتى علت الهِمَّة فلا تقنع بالدون ، وقد عُرف بالدليل أن " الهِمَّة " مولودة مع الآدمي ، وإنما تقصر بعض الهمم في بعض الأوقات ، فإذا حُثَّتْ سارت ، ومتى رأيت في نفسك عجزًا فسل المنعم ، أو كسلاً فسل الموفق ، فلن تنال خيرًا إلا بطاعته ، فمن الذي أقبل عليه ولم ير كل مراد ؟ ، ومن الذي أعرض عنه فمضى بفائدة ؟ ، أو حظي بغرض من أغراضه ؟ " أهـ .
وقوله ـ رحمه الله ـ : " وإنما تقصر بعض الهمم في بعض الأوقات بسبب عجز أو كسل ، أو ركون إلى وسوسة الشيطان ، وركوب الهوى وتسويل النفس الأمارة بالسوء ، فهنا تحتاج " الهِمَّة " إلى إيقاظ وتنبيه وتذكير برضا من تطلب ؟ ، وفي أي نعيم ترغب ؟ ، ومن أي عقاب ترهب ؟ ، كما فعل ذلك البطل الذي لا نعرف اسمه ، لكن حسبه أن الله يعلمه ، وهو وحده الذي يثيبه .
عن عبد الله بن قيس ، أبي أمية الغفاري قال : " كنا في غزاة لنا ، فحضر عدوُّهم ، فصِيحَ في الناس ، فهم يثوبون إلى مصافهم ، إذا رجل أمامي ، رأسُ فرسي عند عجُز فرسه ، وهو يخاطب نفسه ويقول : " أي نفس ألم أشهد مشهد كذا وكذا ؟ ، فقلت لي : " أهلُكَ وعيالُك ، فأطعتك ورجعتُ " ؟ ، " ألم أشهد مشهد كذا وكذا ؟ " ، فقلت : " أهلُك وعيالُك ، فأطعتك ورجعت ؟ ، " والله لأعرضنك اليوم على الله ، أخذكِ ، أو تركك " ، فقلت : " لأرمُقنَّه اليوم " ، فرمقته ، فحمل الناسُ على عدوهم ، فكان في أوائلهم ، ثم إن العدوَّ حمل على الناس فانكشفوا ، فكان في حُماتهم ، ثم إن الناس حملوا ، فكان في أوائلهم ، ثم حمل العدو ، وانكشف الناس ، فكان في حُماتهم ، قال : " فوالله ما زال ذلك دأبَه حتى رأيته صريعـًا ، فعددت به وبدابته ستين أو أكثر من ستين طعنةً "(صفة الصفوة4/421) .
لابد للسَّالك من " هِمَّةٍ " تُسيِّرهُ وتُرَقِّيه ، و " علمٍ " يُبصِّرُهُ وَيَهدِيهِ :
قال الإمام المحقق " ابن القيم الجوزية " ـ رحمه الله تعالى : " إن الله سبحانه وتعالى لما اقتضت حكمته ورحمته إخراج آدم وذريته من الجنة ، أعطاهم أفضل منها ، وهو ما أعطاهم من عهده الذي جعله سببـًا موصِّلاً لهم إليه ، وطريقـًا واضحـًا بيِّن الدلالة عليه ، من تمسك به ؛ فاز واهتدى ، ومن أعرض عنه شقي وغوى ، ولما كان هذا العهد الكريم ، والصراط المستقيم ، والنبأ العظيم ، لا يُوصَل إليه أبدًا إلا من باب العلم و الإرادة ، فالإرادة باب الوصول إليه ، والعلم مفتاح ذلك الباب المتوقف فتحُه عليه ، وكمال كل إنسان ، إنما يتم بهذين النوعين " همة تُرقِّيه " ، و " علم يُبصِّرُه ويهديه " ، فإن مراتب السعادة والفلاح ، إنما تفوت العبد من هاتين الجهتين ، أو من إحداهما ، إما أن لا يكون له علم بها ، فلا يتحرك في طلبها ، أو يكون عالمـًا بها ، ولا تنهض همته إليها ، فلا يزال في حضيض طبعه محبوسـًا ، وقلبه عن كماله الذي خُلِق له مصدودًا منكوسـًا ، قد أسام نفسه مع الأنعام راعيـًا مع الهَمَل ، واستطاب لِقيعات الراحة والبطالة ، واستلان فراش العجز والكسل ، لا كمن رُفع له عَلَم فشمَّر إليه ، وبورك له في تفرده في طريق طلبه فلزمه ، واستقام عليه ، قد أبت غلبات شوقه إلا الهجرة إلى الله ورسوله ، ومقتت نفسه الرفقاء إلا ابن السبيل يرافقه في سبيله .
ولما كان كمال الإرادة بحسب كمال مرادها ، وشرفُ العلم تابعـًا لشرف معلومه ، كانت نهاية سعادة العبد الذي لا سعادة له بدونها ، ولا حياة له إلا بها ؛ أن تكون إرادته متعلقة بالمراد الذي لا يبلى ولا يفوت ، وعزمات همته مسافرة إلى حضرة الحي الذي لا يموت ، ولا سبيل له إلى هذه المطلب الأسني ، والحظ الأوفى ؛ إلا بالعلم الموروث عن عبده ورسوله وخليله وحبيبه الذي بعثه لذلك داعيـًا ، وأقامه على هذا الطريق هاديـًا ، وجعله واسطة بينه وبين الأنام ، وداعيـًا لهم بإذنه إلى دار السلام ، وأبى سبحانه أن يفتح لأحد منهم إلا على يديه ، أو يقبل من أحدٍ منهم سعيـًا إلا أن يكون مبتدئـًا منه ، ومنتهيـًا إليه ـ صلى الله عليه وسلم ـ " أهـ .
أقسام الناس من حيث القوتان العلمية والعملية :
قال " ابن القيم " ـ رحمه الله ـ : " كمال الإنسان مدراه على أصلين ، معرفة الحق من الباطل ، وإيثار الحق على الباطل ، وما تفاوتت منازل الخلق عند الله تعالى في الدنيا والآخرة ؛ إلا بقدر تفاوت منازلهم في هذين الأمرين ، وهما اللذان أثنى الله سبحانه على أنبيائه ـ عليهم الصلاة والسلام ـ في قوله تعالى : ( واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار )(ص/45) ، فالأيدي : القوة في تنفيذ الحق ، والأبصار : البصائر في الدين ، فوصفهم بكمال إدراك الحق ، وكمال تنيفـذه ، وانقسم الناس في هذا المقام أربعة أقسام ، فهؤلاء أشرف الأقسام من الحق ، وأكرمهم على الله تعالى .
القسم الثاني : عكس هؤلاء ، من لا بصيرة له في الدين ، ولا قوة على تنفيذ الحق ، وهم أكثر هذا الخلق ، وهم الذين رؤيتهم قذى العيون ، وحُمَّى الأرواح ، وسقم القلوب ، يُضيقون الديار ويغلون الأسعار ، ولا يُستفاد من صحبتهم إلا العار والشنار .
القسم الثالث : من له بصيرة في الهدى ومعرفة به ، ولكنه ضعيف لا قوة له على تنفيذه ، ولا الدعوة إليه ، وهذا حال المؤمِن الضعيف ، والمؤمنُ القوي خير وأحب إلى الله منه.
القسم الرابع : من له قوة وهمة وعزيمة ، لكنه ضعيف البصيرة في الدين ، لا يكاد يميز أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ، بل يحسب كل سواء تمرة ، وكل بيضاء شحمة ، يحسب الورم شحمـًا ، والدواء النافع سمًّـا .
وليس في هؤلاء من يصلح للإمامة في الدين ، ولا هو موضع لها سوى القسم الأول، قال الله تعالى : ( وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون )(السجدة/24) ، فأخبر سبحانه أنهم بالصبر واليقين بآيات الله نالوا الإمامة في الدين ، وهؤلاء هم الذين استثناهم الله سبحانه من جملة الخاسرين ، وأقسم بالعصر " الذي هو زمن سعي الخاسرين والرابحين " على أن من عداهم فهو من الخاسرين ، فقال تعالى : ( والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر )[العصر/1 ـ 3] "أهـ .
ومن كانت له هاتان القوتان استقام له سيره إلى الله ، ورجي له النفوذ ، وقوي على رد القواطع والموانع بحول الله وقوته ، فإن القواطع كثيرة ، شأنها شديد ، لا يخلص من حبائلها إلا الواحد بعد الواحد ، ولولا القواطع والآفات لكانت الطريق معمورة بالسالكين ، ولو شاء الله لأزالها ، وذهب بها ، ولكن الله يفعل ما يريد ، " والوقت ـ كما قيل ـ سيف فإن قطعته ، وإلا قطعك " ، فإذا كان السير ضعيفـا ، والهمة ضعيفة ، والعلم بالطريق ضعيفـًا ، والقواطع الخارجة والداخلية كثيرة شديدة ، فإنه جهد البلاء ، ودرك الشقاء ، وشماتة الأعداء ، إلا أن يتداركه الله برحمة منه من حيث لا يحتسب ، فيأخذ بيده ويخلصه من أيدي القواطع ، والله ولي التوفيق "أهـ .
الهمـة محلُّها القلب :
الهمة عمل قلبي ، والقلب لا سلطان عليه لغير صاحبه ، وكما أن الطائر يطير بجناحيه ، كذلك يطير المرء بهمته ، فتحلق به إلى أعلى الآفاق ، طليقةً من القيود التي تكبِّل الأجساد .
إن يسْلُـب القومُ العِدا مُـدْ ـكـي وتُسْـلِمْـني الجمـوعْ
فالقـلب بيـن ضـُـلُــو عِـهِ لم تُسْـلِمِ القلـبَ الضلوعْ
ونقل " ابن قتيبة " عن بعض كتبه الحكمة : " ذو الهمة إن حُطَّ ، فنفسه تأبي إلا عُلُـوًّا ، كالشعلة من النار يُصَوِّبُها صاحبها ، وتأبى إلا ارتفاعـًا "(عيون الأخبار3/231) .
همـة المؤمن أبلغ من عمله :
قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " من همَّ بحسنة ، فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة "(روه البخاري) .
وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " من سأل الله الشهادة بصدقٍ ، بلَّغـه الله منازل الشهداء ، وإن مات على فراشه "(رواه مسلم) .
وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " ما من امرئٍ تكون له صلاة بليل ، فغلبه عليها نوم ، إلا كُتب له أجر صلاته ، وكان نومُه صدقةً عليه)(رواه أبو داود) .
فليس الشأن فيمن يقوم الليل ، إنما الشأن فيمن ينام على فراشه ، ثم يصبح ، وقد سبق الركب بعلو همته ، وطهارة قلبه ، وقوة يقينه ، وشدة إخلاصه ، وفي ذلك قيل :
من لي بمثل سيرك المــدلل تمشي رويدًا وتجيء في الأول
وما أحسن قول الشاعر مخاطبـًا الحجيج ، وقد انطلقوا للحج :
يا راحلين إلى البيت العتيق لقد سِرتم جُسـومـًا وسرنا نحن أرواحا
إنا أقمنا على عُذرٍ وعـن قـدَر ومن أقام على عُذرٍ كمـن راحــا
وقد يتفوق المؤمن بهمته العالية كما بيَّن ذلك الصادق المصدوق ـ صلى الله عليه وسلم ـ في قوله : " سبق درهم مائة ألف " ، قالوا : " يا رسول الله كيف يسبق درهم مائة ألف ؟! " ، قال : " رجل كان له درهمان ، فأخذ أحدهما ، فتصدق به ، وآخر له مال كثير ، فأخذ من عرْضها مائة ألف "(رواه أحمد وغيره ، وإسناده حسن) .
لماذا يستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خيرٌ ؟
" والسبب الذي يجعل كثيرًا من الناس يطلبون الأدنى من الأمور ، ويقصدون ما لا يملك لهم ضرًّا ولا نفعـًا ـ فساد العلم ، وكثرة الجهل ، وضعف الهمَّة ، فكلما صحَّ العلم ، وانتفى الجهل ، وصحَّت العزيمة ، وعظمت الهمَّة ، طلب الإنسان معالي الأمور ، فبعض الناس همُّـه لقمـة يسدُّ بها جوعته ، وشربة روية تذهب ظمأه ، ولباس يواري سوأته ـ وهو مذهبٌ ذمَّ أهل الجاهلية أصحابه ، وفي مثل هؤلاء يقول حاتم طيِّئ :
لَحَـى اللهُ صُعْلُـوكًا مُنَـاهُ وهَمُّـهُ مِنَ العيْشِ أن يَلْقى لُبُوسًا ومطْعَمًا
يرى الخُمْصَ تَعْذِيبـًا وإن يلْقَ شَبْعَةً يَبِتْ قلبُهُ مِنْ قِلَّةِ الهـمِّ مُبْـهَـمًا
ومن الناس من يكون مطلبه التمتع بمتاع الحياة الدنيا كحال طَرَفَة بن العبد " ، الذي قال عن غايته من الحياة :
ولولا ثلاثٌ هُـنَّ مِنْ عِيشَـةِ الفَـتَى وجَدِّكَ لم أحْفِلْ مَتى قـامَ عُـوَّدي
فَمِنْهُـنَّ سَبْقـي العَاذِلاتِ بِـشَـرْبةٍ كُمَيْتٍ مَتَى مَـا ما تُعْلَ بالماء تُزبِدِ
وَكَـرِّي إذا نادَى المُضَافُ مَحَنَّـبـًا كَسيـد الغضـَا نبَّهْـتَهُ المُتَـوَرِّدِ
وتَقْصِيرُ يَوْمِ الدجنِ والدَّجْنُ مُعْـجِبٌ بِبَهْكَنَـةٍ تحت الخِـبـَاءِ المُعَمَّـدِ
كثير من الناس همُّـه من دنياه همُّ هذا الشاعر المسكين ، شربة خمر ، والتمتع بامرأة حسناء ، وقليل من الناس تنهض همته إلى الدفاع عن الخائف المستجير .
وهذا " جميل بثينه " شاعر قصر همته على ملاحقة النساء يجيب من أمره بالجهاد في سبيل الله :
يقـولون جاهدْ يا جميلُ بغـزوةٍ وأي جهـاد غيـرهنَّ أريـدُ
لكل حديـثٍ بينهـنَّ بشـاشـةٌ وكـلُّ قتيـلٍ عندهـنَّ شهيدُ
وقد يكون مسعى الناس ومطلبهم أمورًا يعدُّ طالبها سامي الهمَّة عالي القصد كحال امرئ القيس ، عندما أفاق من سكره وعبثه على زوال ملك أبيه ، فانقلب جادًا طالبـًا إعادة هذا الملك :
ولوْ أنَّ ما أسْعَى لأدْنَى مَعِيشَـةٍ كَفَـانِي ولمْ أطْـلُبْ قلِيلٌ مِنَ المَـالِ
ولكِنَّمـَا أسْعَى لِمَجْـدٍ مُـؤثَّـلٍ وقد يُـدْركُ المـَجْـدَ المُـؤَثَّلَ أمْثالي
ولقد طال تطلابه للملك ، حتى قضى نحبه في طلبه :
بَكَى صَاحِبي لَمَّا رأى الدَّرْبَ دُونَهُ وأيْقَـنَ أنَّــا لاحِقـان بِقَيْـصَـرَا
فَقُـلْـتُ لـهُ لا تَبْـكِ عَيْنُـكَ إنَّمَا نُـحَـاوِلُ مُـلْكًا أوْ نَمُـوتَ فَنُعْـذَرا
لقد ضيَّع حياته أولاً في المتع والشهوات ، وقضى شطر عمره الثاني في طلب الملك الضائع ، وانتهت حياته ، ولم يحصِّل مطلوبه ، ومات كما مات المتنبي من بعده ، طلبا الملك والإمارة ، فأعياهما الطلب "أهـ .بتصرف .
وما أكثر الذين طلبوا الملك للرياسة ، وألحوا في طلبه ، فحامت حوله همتهم ، وطافت به عزيمتهم .
كان " الأبيوردي " يدعو عقب كل صلاةٍ " اللهم مَلِّكني مشارق الأرض ومغاربها " ، وله في ذلك الأشعار الفائقة التي تكشف عن شخصية ونفسية شديدة الشبه بشخصية المتنبي .
وقيل لـ " يزيد بن المهلب " : " ألا تبني دارًا " ؟ ، فقال : " منزلي دار الإمارة أو الحبس " .
وقال آخر :
وعِش مَلِكًا أو مُت كريمًا وإن تمت  وسيفُـك مشهور بكَفِّك تُعذرِ
تفَـاوتُ الهِـمَّمِ حتَّـى بينَ الحيَواناتِ :
تتفاوت الهمم في جميع الحيوانات :
فـ " العنكبوت " من حين يولد ينسج لنفسه بيتـًا ، ولا يقبل مِنَّـة الأم ، و " الحية " تطلب ما حفر غيرها ، إذ طبعها الظلم ، و " الغراب " يتبع الجيف ، والقصر لا يقع إلا على الحِّي ، و " الأسد " لا يأكل البايت ، و " الفيل " يتملق حتى يأكل ، و " الخنفـساء " تُـطْـرَدُ فتعـود .
قال المُتَلَمِّـسُ :
إن الهـوانَ حِمـارُ البيت يألَفْـه والحُـرُّ يُنـكِـره والفيـلُ والأسَـدُ
ولا يٌقيــم بـدار الذلِّ يألَـفها إلا الذليــلان عَيْـرُ الحي والوتـدُ
هذا على الخَسْف مربوط برُمَّتِهِ وذا يُـشَـجُّ فمـا يأوِي لــه أحـدُ
تفاضُل الناسِ بتفاوتِ هممهِمْ :
قال الله تعالى : ( إن سعيكم لشتَّـى )[الليل/4]
والهمـة رزق من الله عز وجل ، والله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ، ومن حكمته سبحانه أن فاضل بين خلقه في قواهم العملية ، كما فاضل بينهم في قواهم العلمية.
على قدر أهل العـزم تأتي العزائـم وتأتي على قـدر الكـرام المـكارمُ
وتعظم في عين الصغير صغـارُها وتصغـر في عين العظيم العظائـم
اجتمع عبد الله بن عمر ، وعروة بن الزبير ، ومصعب بن الزبير ، وعبد الملك بن مروان بفناء الكعبة ، فقال لهم " مصعب " : " تمنَّوا " ، فقالوا : " ابدأ أنت " ، فقال : " ولاية العراق ،و تزوُّج " سُكَينة ابنة الحسين " ، و " عائشة بنتَ طلحة بن عبيد الله " ، فنال ذلك ، وأصدق كل واحدة خمسمائة ألف درهم ، وجهّـزها بمثلها ، وتمنى " عروة بن الزبير " الفقه ، وأن يُحمل عنه الحديثُ ، فنال ذلك ، وتمنى " عبد الملك " الخلافة ، فنالها ، وتمنى " عبد الله بن عمر" الجنة .
ويدل على تفاوت الهمم أن من الناس من ينشط للسهر في سماع سمر ، ولا يسهل عليه السهر في سماع القرآن الكريم ، ومنهم من يحفظ بعض القرآن ، ولا يتوق إلى التمام ، ومنهم من يعرف قليلاً من الفقه ، ومنهم قنوع بصلاة ركعتين في الليل ، ومنهم من يطلب معالي الأمور ، دون أن تكون له إرادة وسعي في تحقيقها ، فهذا مغتر بالأماني الكاذبة :
وما نيل المطـالب بالتمنِّـي ولكـن تُـؤْخذُ الدنيـا غِـلابـا
وما استعصى على قومٍ منال إذا الإقــدام كـان لهم ركابـا
ولو علت بهم الهمم لجدَّت في تحصيل كل الفضائل ، ونَبَتْ عن النقص ، فاستخدمت البدن ، كما قال الشاعر :
ولكـل جسـم في النُّـحـول بَلِـيَّـةٌ وبــلاء جسمـي من تفـاوت همتي
وقال " المتنبي " :
وإذا النـفــوس كُــنَّ كبـــارًا تعبـت في مـرادهـا الأجســـامُ
وآخر يقول :
وقائــلةٍ : لِـمْ غيـرتك الهـمومُ وأمـرك ممـتثـل فـي الأُمَــمْ
فقلـتُ : ذرينـي عـلى غُصَّتـي فـإن الهمــومَ بقــدر الهِـمَـمْ
وقال الإمام " ابن دقيق العيد " :
الجسـم يُـذيبـه حقـوق الخدمـة والقـلب عذابـه علـوُّ الهـمـهْ
والعمـرُ بذاكَ ينْقَـضِي فـي تعـبٍ والراحـة ماتت فعليـها الرحمـهْ

مواد ذات الصله



تصويت

قال بعض السلف :متى رأيت تكديرا في الحال فابحث عن نعمة ما شُكِرت أو زلة فُعِلت قال تعالى(ذلك بأن الله لم يك مغيِّرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). في رأيك ما هو أهم سبب لزوال النعم؟

  • عدم شكرها
  • عصيان المنعم بنعمته
  • منع النعمة عن مستحقها
  • الإسراف والتبذير
  • جميع ما سبق