لماذا لم يعتذر البابا للمسلمين عن الحروب الصليبية؟

  • اسم الكاتب: دمشق - عبد الرحمن الحاج إبراهيم
  • تاريخ النشر:21/05/2001
  • التصنيف:اقرأ في إسلام ويب
  •  
2968 0 477
لماذا لم يعتذر البابا للمسلمين عن الحروب الصليبية
ولماذا لم يُدِن الإرهاب الإسرائيلي في انتفاضة الأقصى؟

لم يكن لدى السوريين أي مشكلةٍ في قدوم مسيحي لزيارة بلدهم، فهم بطبيعة الحال يتعايشون مع الأقلية المسيحية بسلام، ودون أي توتر أو إشكال، وذلك على النقيض من الحالة اللبنانية، ولم يتلق السوريون زيارة البابا بالنفور أو الحساسية، بقدر ما تم تلقيها بالاستغراب، وقد كان ممكناً لهذه الزيارة ألا تلفت الانتباه والاهتمام وتثير الاستغراب لولا أن برنامجها المعلن قبل مجيء البابا يتضمن زيارةً للمسجد الأموي، ولولا الاستقبال الكبير الذي قوبل به البابا، فجنّد له الإعلام " المحلي " كاملاً، واجتمعت له كل الحكومة السورية، وفي مقدمتها الرئيس السوري بشار الأسد، ورئيس الوزراء مصطفى ميرو، ونائبا الرئيس، وعدد كبير من السفراء، إضافة إلى عدد من رجال الدين المسيحيين (رؤساء الطوائف وممثليها) وبعض الشيوخ المسلمين (أحمد حسون).. كل ذلك جعل زيارة البابا زيارة غير " عادية ".

وهكذا قضى السوريون كغيرهم أيام الزيارة في تأويل الزيارة وفك ألغازها.
وكان السؤالان الملحان دوماً هما:

- هل سيعتذر البابا عن الحروب الصليبية أمام قبر صلاح الدين؟

- هل سيدين البابا الإرهاب الإسرائيلي في فلسطين؟

هدف سياسي أولاً:

في كلمته التي ألقاها الأسد في قاعة كبار الزوار في مطار دمشق الدولي، أشار إلى " الوحدة الوطنية " في سوريا، وروح التسامح والسلام في العيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين قائلاً له: " إنكم وأنتم تزورون سورية تطئون أرض التاريخ، والوطن الذي احتضن أقدم حضارات العالم، وكان منارةً من منارات المعرفة، أضاءت للبشرية خلال قرون كثيرة، كان العالم خلالها، في معظم بقاعه، يسترشد بنورها.

ومن سورية، التي حمت الديانة المسيحية بعد المسيح، انطلق القديس بولس حاملاً مع تلامذة المسيح الآخرين الدين الجديد إلى العالم، مبشراً بالأخوة والعدالة والمساواة. ومن سورية انتشر الإسلام إلى العالم داعياً إلى العدالة والمحبة والمساواة بين الناس، فلا يتميّز أحد عن الآخر إلاّ بالتقوى.

وأنتم اليوم تحلون ضيفاً على شعب يعبد جميع أفراده الإله الواحد ويستمدون العون منه، سبحانه وتعالى، ويعيشون متحابين.. يشهد على ذلك.. جلوس ثمانية باباوات من أبناء سورية على الكرسي البابوي في الفاتيكان، ووجود ثلاثة مقرات بطريركية مشرقية في دمشق " وسرعان ما توجه الحديث إلى المسألة السياسية الأكثر إلحاحاً وهي قضية السلام في الشرق الأوسط قائلاً :
" أنتم يا صاحب القداسة، تجسدون بوجودكم على الكرسي البابوي في روما قمة المسؤولية في الحفاظ على هذه القيم، خاصة وأن هناك من يسعى دائماً لتكرار رحلة الآلام والعذاب مع كل الناس؛ فنرى إخوتنا في فلسطين يقتلون ويعذبون، ونرى أن العدل ينتهك: فتحتل أراضٍ في لبنان والجولان وفلسطين. ونسمعهم يقتلون مبدأ المساواة عندما يتحدثون عن أن الله خلق شعباً متميّزاً عن الشعوب الأخرى، ونراهم يعتدون على الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية في فلسطين، فينتهكون حرمة المسجد الأقصى، وكنيسة القيامة في القدس، وكنيسة المهد في بيت لحم. وهم يحاولون قتل مبادئ الديانات السماوية بنفس العقلية التي تمت بها خيانة السيد المسيح وتعذيبه، وبنفس الطريقة التي حاولوا بها أن يغدروا بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم ".
(…) من هنا نقول : إننا متمسكون بالسلام العادل والشامل الذي يعيد الأرض إلى أصحابها حسب قرارات مجلس الأمن وعودة اللاجئين إلى ديارهم، وقيام دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس، فحقوقنا تقرها لنا الشرائع السماوية والتاريخية والقرارات الدولية " .

إذاً إن ما يريده المسؤولون من زيارة البابا كهدف " سياسي "، يتلخص في:
- التأكيد على أن سوريا وطن سلام ومحبة في مقابل الوحشية الإسرائيلية وعدوانيتها وعنصريتها.
- التأكيد على أن سوريا هي داعية السلام، وأن السلام في الشرق الأوسط لا يمرّ إلاّ من هنا.
- كسب البابا في إدانة إسرائيل، وهذا ما يشير إليه حديث الأسد " إننا.. نقدر جهودكم من أجل خير الإنسانية ونشر المحبة بين الناس، ودفاعكم عن المظلومين ، ونشعر أنكم في صلواتكم التي تتذكرون فيها عذاب السيد المسيح ستتذكرون أن هناك شعباً في لبنان والجولان وفلسطين يتعذب ويعاني من القهر والاضطهاد، ونتوقع منكم أن تقفوا إلى جانبهم ضد الظالمين لاستعادة ما سلب منهم على وجه الحق " .

في كلمته (في حفل الاستقبال) حاول البابا التأكيد على دور سوريا في الحضارات الإنسانية، وقال أنه جاء " كحاجٍّ مؤمن، مواصلاً الحج اليوبيلي (...) اليوم أكمل هذا الحج هنا في سورية في دمشق " .

وقد بدأ حج البابا ـ كما يقول ـ بمناسبة " عيد الألفين لميلاد المسيح.. الآن يتجه فكري وقلبي إلى شخص شاوول الطرسوسي ؛ الرسول العظيم بولس، الذي تغيّرت حياته للأبد على طريق دمشق " .

وقد كان البابا ذكياً في الإشارة إلى المسلمين: " يتجه فكري أيضاً إلى التأثير الثقافي العظيم الذي قام به الإسلام في سوريا... هناك حاجة إلى روح جديدة للحوار والتعاون بين المسيحيين والمسلمين " وكما هو واضح كانت إشارة إلى " العيش المشترك " الذي يمثل الهدف الأساسي في " حوار الأديان " (الحوار المسيحي الإسلامي).

واللافت في حديث البابا أنه لم يذكر إسرائيل، ولم يدن أعمال القتل والتدمير الذي تقوم به تجاه شعبنا الفلسطيني، ولكنه دعا إلى " نبذ العنف" والعودة إلى مبادئ " الشرعية الدولية " وأهمها " منع أخذ الأراضي بالقوة، حق الشعوب بتقرير المصير، احترام مقررات هيئة الأمم المتحدة" ، وأكّد أن سوريا لن تألو جهداً من أجل " سلام المنطقة ".

إن ما تريده سوريا سياسياً من البابا، أعلن منذ البداية، كما قدّم البابا لها " أكثر ما يستطيعه".
وختم البابا كلمته قائلاً: " إن الدعوة الكريمة التي وجهتموها إلي، مع حكومتكم وشعبكم السوري، ..." وهذا يؤكد ما ذهبنا إليه، بأن زيارة البابا كانت بدعوة من " سوريا " وبالتالي كانت زيارة المسجد الأموي من الشروط التي قدمها البابا، و" اضطرت " سوريا ـ ربما ـ لقبولها مقابل المكسب السياسي.

في برنامج الزيارة:

في ختام يومه الأول زار البابا كاتدرائية الروم الأرثوذكس " المريمية " بدمشق، وهي أقدم كنيسة في سوريا ، وفيها دفن رأس يوحنا المعمدان حسب الروم الأرثوذكس ، حيث رعى قداساً أقيم فيها، بحضور بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس، ما يجب الانتباه إليه أن هذه الزيارة كانت بداية البرنامج، وهذا له دلالته إذا تذكرنا أن البابا قدم من " أثينا " (اليونان) بعدما طلب البابا هنا (قبل يوم من قدومه) الصفح من الأرثوذكس باسم الكاثوليك عن الذين ارتكبوا أخطاء حيال الأرثوذكس " حسب تعبيره " أمام " الحبر الأعظم المونسنيور كريستودولوس رئيس الكنيسة الأرثوذكسية " ، وكان البابا يعني بذلك حسب الكنيسة الأرثوذكسية " الحروب الصليبية " التي استهدفت فيما استهدفت " الأرثوذكس " أنفسهم!
وبالمناسبة فإن بطريرك موسكو وعموم روسيا للروم الأرثوذكس " الكسي الثاني " استقبل طلب الصفح بفتور، وشكك في " صدق " الطلب، وقال: " يجب أن ننظر إلى هذا التصريح في إطاره، أولاً كان الصفح يتعلق... أساساً بالحروب الصليبية، ويجب أن نرى كيف سيتحول طلب الصفح إلى أفعال " ، وهو يقصد بذلك الاضطهاد الذي يعانيه الأرثوذكس في كثير من البلدان من قبل الكاثوليك الشرقيين. ويتهم البطريرك الكنيسة الكاثوليكية بالقيام بـ " التبشير " في المناطق الأرثوذكسية تقليدياً ، فيما أعلن كريستودولوس (اليوناني) المذكور أن " الجراح " التي سببتها الكنيسة الكاثوليكية للكنيسة الأرثوذكسية " لا تزال مفتوحةً حتى اليوم "(صحيفة الشرق، بيروت، عدد 15617، 8 أيار 2001م).

إذاً فقد كانت زيارته لتأكيد رغبة الكنيسة الكاثوليكية بالتقارب من الأرثوذكس ولكن الغريب أنه لم يؤكد طلب الصفح من الأرثوذكس في زيارته للكنيسة في كلمته التي تناقلتها الصحف. ويبقى هذا سؤالاً يحتاج للإجابة؛ خصوصاً وأنه يرتبط بالقضية نفسها: أعني " الحروب الصليبية " .

زيارة المسجد الأموي:

في أثناء التحضير لزيارة البابا، رفض كل من الأساتذة والعلماء والشيوخ الكبار استقباله، وعلى رأسهم الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، الذي كان له دور أساسي في " التراجع " عن الصلاة الجماعيّة التي أعلنت في البداية ثم ألغيت، ويذكر البعض أن الدكتور البوطي أبلغ " الجهات المسؤولة " مباشرة، بأن هذه الصلاة تهدد الوحدة الوطنية، وتهدد بفتنة تسيء للعلاقة بين المسلمين والمسيحيين في هذه البلاد.

هذا فيما دوَّت في كلية الشريعة فتوى للدكتور " وهبة الزحيلي " (الفقيه المعروف) بعدم جواز حضور صلاة البابا في ملعب العباسيين " للفرجة " أو المشاهدة. إذاً فقد بقيت المهمة متعلقة بأحد أبرز الشيوخ في الشام، وهو مفتي الجمهورية الشيخ " أحمد كفتارو " .
اجتمع الشيخ " كفتارو " مع تلامذته للإعداد للزيارة، وناقش معهم ماذا نقول له في المسجد الأموي؟ وماذا نقدم له هديةً تذكارية؟

وبطبيعة الحال كان هدف الزيارة الرسمي يفرض الصبغة السياسية على الزيارة وهو الأمر الذي تشاور فيه فبدأ منه كمسلَّمة، وانتهى إليه كذلك! فاتفق الجميع على أن يأخذ الحديث منحى سياسياً.

ليس هذا غريباً بالطبع، ولكن " الطريف " في الحدث أنه عندما استشارهم في " الهديَّة " التي يجب أن تقدم برتوكولياً للبابا، اقترح بعضهم اقتراحاً شديد الغرابة يتلخص في أن تكون الهدية " لوحة نحاسية كبيرة للمسجد الأموي " مكتوبًا عليها عبارة تشير إلى التسامح والعيش المشترك!!.

وفوراً تنبه البعض إلى أن هذا بمثابة تقديم رمزي للأموي، الذي يحضر الآن بقوّة على أنه كان كنيسة! ورفض الجميع هذه الفكرة، ولم يلبث أن طُرح عليهم أن تكون اللوحة النحاسية هي " المسجد الأقصى " تحفر عليها عبارة " القدس قبلة جهادنا "، وهي بطبيعة الحال تتناسب مع الصبغة السياسية التي يريد " كفتارو " أن تكون للزيارة، انسجاماً مع الجهات العليا، وهو ما تمّ فعلياً.

في مساء (يوم الأحد) الذي أقام فيه البابا " قداساً " في استاد ملعب العباسيين، وحضره خليط من المسيحيين والمسلمين، دخل البابا المسجد الأموي. وعند دخوله " طُلب " من البابا خلع حذائه، وركزت المحطات التلفزيونية على هذه " القضية " ، وخصوصاً قتاة (cnn) (الأمريكية). وزير الأوقاف في كلمته الافتتاحية الترحيبية ركز على القضية السياسية، والوحدة الوطنية، ولم تختلف كلمة الشيخ " كفتارو " في مضمونها عن كلمة وزير الأوقاف محمد زيادة.

ومما قاله " كفتارو " : " اليوم يرى العالم وللأسف الشديد ـ المجازر بنظرة المتفرج الذي لا حول له ولا قوة؛ تهدم البيوت، وتقلع الأشجار، ويهجّر الأبرياء، ويقتل المئات من الأطفال والنساء والرجال ويصاب بالجراح الآلاف، وتنتهك حرمات المساجد والكنائس على السواء، ويعم الخراب كل شيء على أيدي الإسرائيليين، (...) إننا نتطلع إلى موقف أكثر فاعلية، أكثر من الصلوات والدعاء والأمنيات، نتطلع إلى موقف عملي، من قبل كل الشرفاء ومحبي السلام وأتباع الأديان لوقف هذه المجزرة الوحشية، بحق أبناء المسيح وأبناء محمد عليهما السلام على أرض الخيرات فلسطين...

ونحن نرغب إلى الكنيسة الكاثوليكية في العالم وعلى رأسها فخامة البابا،... ونرْغب إلى كل الحكومات المسيحية في العالم الغربي أن يقفوا موقفاً لنصرة العدالة وإعفاء ظلم الصهاينة، والضغط على إسرائيل بكل الوسائل لوقف عدوانها الغاشم، وهذا أقل ما يمكن أن تقدمه المسيحية في العالم وفاءً للمسيح عليه السلام " .

في كلمته " الخطيرة " ركز البابا على أن " أرضكم عزيزة على قلب المسيحيين، فهنا عرفت ديانتنا [المسيحية] مراحل حيوية من نشأتها ومن نموها العقائدي، وهنا عاشت جماعات مسيحية عيش سلام وحسن جوار مع المسلمين على مدى القرون ، نلتقي بالقرب مما يعتبره المسيحيون والمسلمون ضريح يوحنا المعمدان، المعروف بـ " يحيى " في التقليد الإسلامي.
إن ابن زكريا هذا وجه كبير الأهمية في تاريخ المسيحية؛ لأنه كان السابق الذي أعد طريق المسيح. إن حياته المكرسة بالكامل للرب تكللت بالاستشهاد، فعسى أن تنوِّر شهادته جميع الذين يكرمون ذكراه في هذا المكان.

كان واضحاً أنَّ البابا في كلمته يركز بطريقة ما على " قداسة هذا المكان بالنسبة للمسيحيين " ومن المهم هنا الانتباه إلى أن البابا مع ذلك لم يذكر قطُّ أن المسجد كان كنيسة في جزء منه، لقد كان البابا على إدراك تام بالمطلب الإسلامي الملح في الاعتذار عن الحروب الصليبية، ولذلك جاء في كلمته ردٌّ مبطن على هذا الطلب في سياق الحديث عن ضرورة أن يكون الحوار بين الإسلام والمسيحية، أكثر فعالية. الردّ على هذا الطلب في الكلام الآتي: " علينا أن نطلب الغفران من القادر على كل شيء، عن كل مرّة أهان فيها المسلمون والمسيحيّون بعضهم بعضاً، كما علينا أن يغفر بعضنا لبعض.. يعلمنا يسوع أنه يجب أن يغفر بعضنا لبعض إذا أردنا أن يغفر الله خطايانا ".

إذاً فالبابا يرى أننا أهنّا المسيحيين، وبالتالي لا داعي للاعتذار لنا، لأنه يتوجب علينا أيضاً أن نعتذر لهم، ولكن متى كانت هذه الإهانات؟‍ هل يقصد البابا بذلك " الفتح الإسلامي " ؟

في مؤتمر حول " العيش المشترك والتوترات الدينية في المنطقة العربية " العام الفائت، طرحت مسألة الحوار بين المسيحية والإسلام، فقلت وقتها إن علينا أن لا نفكر بأي حوار " رسمي " يفضي إلى تقارب الأديان ووحدتها، وإن علينا بدلاً من ذلك أن نتحاور عن العلاقات السياسية والاجتماعية، حيث يبدو الحوار ممكناً، وأن الحوارات التي تتناول المجال العقدي لا ينبغي أن تكون حوارات تقوم بها مؤسسات رسمية، بل يجب أن تكون حوارات فردية. وإذا كان من الضروري البدء بحوار من هذا القبيل فلابد من إتمام تسوية " نفسيّة " بين المسلمين والمسيحيين عموماً، وبالتالي فإنه يجب أن يعتذر البابا عن الحروب الصليبية التي تركت آثارها وطرحتها بعمق على العالم الإسلامي.

ولم يلبث بعض المشاركين في المؤتمر من المسيحيين الكاثوليك حتى قالوا : وعليكم أولاً أن تعتذروا عن " الفتح الإسلامي ! " .

وقبل المضي فيما أضمره البابا من هذه القضية، فإنه من المناسب أن نذكر موقفاً غريباً، في زيارة المسجد الأموي لبعض الشيوخ... فبينما كان أحد القساوسة يتكلم، رُفع الأذان، فأشار البابا له كي يتوقف عن الكلام احتراماً للمشاعر الدينية، لكن القس تابع معتذراً عن ذلك أنه بقي اليسير جداً من الكلام الذي لا داعي لتأخيره.. قد يكون ذلك مغفوراً بطبيعة الحال، ولكن أن يستلم بعده مكبر الصوت " شيخ " ويتابع الكلام والمؤذن يؤذن فذلك ما يستدعي الدهشة .

نعود لقضية الفتح ومقابلتها بالحروب الصليبية (كما يفهم من كلام البابا المضمر ) كان من الأفضل للبابا أن يقرأ التاريخ جيداً، ويتخلص من عقدته الاستشراقية التي أسست لحروبهم الصليبية، والتي في جوهرها أن الإسلام انتشر بالسيف ، ولكن التاريخ وبعيون غربية (غوستاف لوبون مثلاً في كتابه حضارة الغرب) يثبت أن الإسلام لم يكن ينتشر بالسيف والقهر، ولكن بالدعوة وحدها، وليس من الغلو القول بأن الإسلام لم يكتف بالدعوة إلى التسامح الديني، بل تجاوز ذلك ليجعل التسامح في الإسلام جزءاً من شريعته وعقائده.
وقد تجلت أروع صور التسامح في الإسلام عندما دخل الخليفة عمر بن الخطاب مدينة القدس، فقدم كبير أساقفتها مفاتيح الأماكن المقدسة، وحان وقت الظهر وعمر في كنيسة القيامة، فطلب إلى إحدى رجال الدين أن يدله إلى مكان يصلي فيه، فأجابه : هنا ! ولكن عمر رفض قائلاً : " لو فعلت لطالب المسلمون بالقيامة " وخرج إلى الشارع فصلى.

يقول المؤرخ الفرنسي (بيرجودن) معلقاً على هذه الواقعة التاريخية: " إن هذا العمل نبل وشهامةً وتسامحاً واحتراماً للأديان الأخرى، ماذا كان ردنا نحن الغربيين على ذلك، بل ماذا كان ردّ المسيحيين، الأوروبيين.. [لقد] كانت الحروب الصليبية؟ " .
وعندما انتصر صلاح الدين وهزمهم، لم يكتف بالتسامح مع أماكن العبادة المسيحية، أمّا اليتامى والأرامل من الصليبيين، فإن صلاح الدين لم يكتف بإطلاق سراحهم دون فداء، بل منحهم مساعدات مالية.

والآن يضم دير مارجرجس أو دير الخضر أبو العباس في حمص الذي يعود إنشاؤه إلى القرن السادس الميلادي في زمن الإمبراطور بوستيانيوس نموذجاً للتسامح الإسلامي مع الأديان، وهو مخطوطة الخليفة عمر بن الخطاب التي كتبت بخط معاوية بن أبي سفيان وتتضمن توطيد العلاقة بين المسيحيين والإسلام وحسن المعاملة، وإعفاء الدير من جميع الضرائب، وتنظيم وحماية الممتلكات الدينية. وتعتبر هذه الوثيقة بالإضافة إلى الوثيقة العمرية المحفوظة في كنيسة القيامة بالقدس من أول الوثائق لحرية الأديان وحقوق الإنسان في التاريخ الإنساني. (الثورة، خالد عواد الأحمد، العدد 15617 ـ الثلاثاء 8 أيار 2001م).

إن علينا أن نطالب البابا أن يعتذر مرتين، الأولى عن جريمة الاستشراق الصليـبي (الذي كان حاملاً فكريـًا للحروب الصليبية) ومرّة أخرى عن الحروب الصليبية " الممتدة " ، وكلاهما إلى اليوم لا يزالان يؤثران في فكر المسلمين وعلاقاتهم السياسية والثقافية مع الغرب المسيحي كله وليس مع المسيحيين المحلييّن.

أخيراً:

لقد تجنب البابا ذكر الحروب الصليبية، ولم يقدم اعتذاره للكنيسة الأرثوذكسية في سوريا، بعدما قدمه في اليونان، ليتجنب الحديث المباشر عنه، في المسجد الأموي، ويتجنب الحديث عن اعتذاره لليهود وتبرئتهم من دم المسيح وتأخذ القضية منحى سياسياً، ولهذا لم يكن هناك طلب " رسمي " من شيوخ وعلماء المسلمين بشكل مباشر في الجامع الأموي، بل ربما كان هناك طلب من البابا أو " اشتراط " أن لا تثار هذه القضية أمامه بشكل صريح.
وفضل البابا الحديث عن التسامح والمحبة والسلام ووقف العنف من أي طرف كان، متجنباً الحديث عن الإرهاب الصهيوني حتى في مدينة القنيطرة التي صلى فيها - كما يقال - " للسلام " .
وبالرغم من المكاسب السياسية التي تحققت بزيارته إلاّ أنه لا يمكن القول بأن زيارته كانت ناجحة كما كان يأمل السياسيون السوريون، ولا كما كان يأمل المسلمون.

وكان كثير من الأرثوذكسيين في الشرق يعتقدون أن البابا لديه " ميول " صهيونية، خصوصاً عندما برأ اليهود من دم المسيح، الجريمة التي لا تعدلها جريمة في العقيدة المسيحية، فهل كانت هذه الزيارة لتثب غير ذلك؛ فلم يستطع أن يدين الإسرائيليين بقتلهم الطفلة " إيمان حجو " وهو يصلي للسلام في القنيطرة!.

مواد ذات الصله



تصويت

أرشد الإسلام إلى حسن استعمال النعم وعدم التبذير والإسراف، ما هو بنظرك أهم المؤسسات الفاعلة في نشر ثقافة ترشيد الاستهلاك في الماء والكهرباء والطعام والشراب وغير ذلك؟

  • الأسرة
  • المدرسة
  • المؤسسات المعنية مثل(كهرماء)
  • وسائل الإعلام
  • غير ذلك