الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

المصطلح النفسي الإسلامي ضرورة حضارية

3260 0 369
- إخضاع المفاهيم النفسية للمنهج الغربي يهدد بتأويلات ظنية وفردية .

- الزاجر هو الضمير الإسلامي . . وشتان بين الكبت وكظم الغيظ .

المصطلح من الرؤية الإسلامية لا يعني مجرد لفظ يحمل دلالة ويطلق على موضوع ما. إنه - في المرتبة الأولى - من عناصر الهوية - والباحثون المسلمون الذين يستهينون بقضية المصطلح يفتحون - بلا تعمد - ثغرة واسعة في الفكر الإسلامي ، إذ لا يجتهدون في صياغة ، واستنباط ، وتأصيل المصطلحات التي تميزه وتعكس هويته المتفرِّدة .

ولذا ساد في مصر في عقد الستينيات القول بأن الاشتراكية هي العدالة الاجتماعية في الإسلام ، والديموقراطية مرادفة للشورى ، وأصبحت مصطلحات فترة التحول الاشتراكي فخاً لاصطياد المصطلح الإسلامي وتذويبه وطمسه .

من هذا المنطلق يعد الاهتمام بمسألة المصطلحات في كافة التخصصات من منظور إسلامي مهمة بحثية لا تحتمل التأجيل ، بل تعتبر جزءًا من جهود مواجهة العلمانية .

ومن المفكرين الذين تصدوا لهذه المهمة الأستاذ الدكتور حسن الشرقاوي - أستاذ الفلسفة الإسلامية - إذ يرصد المفاهيم النفسية الأساسية في القرآن الكريم ، فيؤكد أن المنهج الإسلامي لا يقوم على الفكر الذاتي ، واتباع هوى النفس ، وإنما يستمد من الهدي الرباني ، وأوامر الخالق العلي ، ومن هذا المنهج الإلهي تتحدد المفاهيم من دون أن تخضع للمنهج الغربي الذي يوقعها في الاجتهاد الذاتي ، والتأويلات الفردية النابعة من الظن ، وإن الظن لا يغني من الحق شيئًا .

ويرى د . الشرقاوي أن المفاهيم النفسية مصدرها المنظور القرآني لحقيقة النفس الإنسانية ، وليس من خلال نظريات فردية أو غيره من علماء الغرب واليهود الذين يكرِّسون نظرية الصراع وفكرة اللاشعور ، ولا يدرسون النفس الإنسانية ، وإنما السلوك فحسب ، وشتان بين منهج إلهي يقول : " ونفس وما سواها . فألهمها فجورها وتقواها " ( الشمس : 7-8) ، وشطط بشري يرى أن قانون الغاب هو الحاكم للنفس ، وهو يقرر أنه إذا لم تتذأب أكلتك الذئاب ! .

وبينما يجتهد العلماء المسلمون في تأصيل علم النفس الإسلامي ، يمر الغرب بمحنة نفسية حادة عبر عنها عالم النفس الغربي " إيزنك " بقوله : إن معدل شفاء مرضى النفس ثابت سواء عولجوا أو تركوا دون علاج " .

ويعترض د . حسن الشرقاوي على مقولة لا مشاحَّة في الاصطلاحات ، والتي تهوِّن من أهمية المصطلح . مؤكدًا أن الاصطلاحات المرتبطة بالمفاهيم الأساسية في القرآن والسنة تقينا الوقوع في أَسْرِ ما عداها من مصطلحات غربية ضللت الفكر! .
ويقدم خمسة اصطلاحات نفسيّة إسلامية مقارنًا إياها بالمصطلح الغربي .

1 - الزاجر . . لا الضمير

اصطلاح الضمير ، بشقيه النفسي والأخلاقي ، مأخوذ من كلمة Conscience ، وليس له أصل في الشريعة الإسلامية ، وقد تسبب هذا المصطلح في العديد من أخطاء البحث في العلوم النفسية والتربوية ، لما ينطوي عليه من غموض ، ونظرًا لهذا الخلط الكبير في مفهوم هذا المصطلح الغامض (الضمير) ؛ فإن كثيرًا من المظالم ارتكبت باسمه ، فبعض البلدان تقتل غيرها بوحشية باسم الضمير الحر . وبعض الناس يقيمون هذه المباريات الوحشية ، والعروض اللاإنسانية تحت دعوى المخاطرة ، والمغامرة ، وضمير التحضر اللاواعي ، ولذلك فنحن نتساءل : إذا كان الضمير هو الأساس السليم للسلوك الإنساني ، فكيف ترتكب باسمه هذه الفظائع ، وإذا كان الضمير كافيًا ليعلم الإنسان طريقه الصحيح ، فلم بعث الله بالأنبياء مبشرين ومنذرين ؟ فإذا كان مصطلح ( الضمير ) غير صالح ليكون حكمًا عادلاً يجعل من صاحبه بالضرورة أخلاقيا ، فلابد وأن ندعو إلى مصطلح إسلامي بديل ، نستمده من تأمل آيات القرآن الكريم ، وهذا المصطلح هو ( الزاجر ) . فالزاجر كما ورد في الآيات البينات ، قوة في الإنسان تحدو به إلى مجانبة المعاصي ، وتبتعد به عن كل ما يخالف الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها ، وفي قوله تعالى : والزاجرات زجرًا ( الصافات: 2 ) ، " ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر " ( القمر: 4) .
فالزاجر واعظ في القلب يهتف به للسير في طريق الاستقامة ، ويرشده لسلوك سبيل الحق وينجو به من الأهواء والمعاصي . ولهذا فنحن نرفض مصطلح الضمير بما يشتمل عليه من دلالات نفسية وخلقية غامضة ، ولما اقترن به من التباس ، وابتعاد عن الصدق والوضوح ، لنستخدم هذا المصطلح والمفهوم القرآني : الزاجر .

2 - كظم الغيظ . . لا الكبت

يذهب علماء النفس الغربيون ، وعلى رأسهم " فرويد " إلى تقرير مفهوم للشخصية ، يقول بأن هذه الشخصية الإنسانية عبارة عن تفاعل متبادل بين حاجات الفرد الداخلية (الغرائز) وبين العالم الخارجي (الموضوعات) ، وخلال هذا التفاعل يقوم الفرد باختزان العديد من الخبرات عن طريق " الكبت "، فيلقي بها في مستودع المكبوتات ، اللاشعور ، وبالرغم من أن النظريات الجديدة في علم النفس أغفلت تماماً الجانب اللاشعوري ، ولم تعد تعترف به ، فإن مصطلح الكبت ظل مستخدمًا في أعمال العديد من المفكرين المستغربين مما أدى بهم إلى الاعتقاد بأن الإنسان مغلوب على أمره ، وأن الحتمية النفسية هي قدره المحتوم .

أما المصطلح الإسلامي ، والمفهوم القرآني الذي نستبدله بمصطلح الكبت ، فهو الصبر وكظم الغيظ . فقد جاء في الآيات الكريمة : " واصبر حتى يحكم الله " (يونس:109) ، " إن الله مع الصابرين " (البقرة:153) ، " والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس " (آل عمران:134) .

وهناك العديد من الآيات القرآنية التي تشكِّل في مجموعها المفهوم الإسلامي للصبر وكظم الغيظ ، حيث تتجلى حقائق الصبر وقدرة الإنسان عليه ، فالإنسان قادر على الصبر وكظم الغيظ ، بالعزم ومخالفة النفس ، واتباع العقل ، والوسط ، والعدل ، وحين يصبر الإنسان ويكظم غيظه ، يكون قادرا على الغضب والثورة والأذى ، لكنه في موقف اختياري ، فيختار الأفضل والأصلح ، فهنا يكون الفعل واقعًا عن وعي الفرد ، وإدراكه لثمرة هذا الفعل ، وليس الأمر ناشئا عن الحتمية النفسية التي يقررها علماء النفس الغربيون ، وعلى رأسهم " فرويد "، إن الصبر موقف علم ، وحال عمل ، وجهاد للنفس ، وليس موقفًا مرضيًا أو عصبيًا .

وأخيراً فإن الصبر ليس موقفاً سلبياً كالكبت ، فالصابر ليس مغلوبًا على أمره ، وإنما هو صاحب موقف إيجابي يسمو على الأحداث ، ويرتفع عن الغرائز ، ويرضى بالقضاء ، ويدرك بالمعرفة الإيمانية حقيقة الابتلاء .

3 - الفطرة . . لا الحتمية

ظهر مصطلح الحتمية بشكل واضح في علوم الميكانيكا ، ثم انتقل إلى العلوم الإنسانية كالأخلاق ، والتاريخ ، وعلم النفس ، وفي علم النفس الغربي يخضع السلوك الإنساني لقانون الحتمية الذي يحدد السلوك وفقًا للتكوين الطفولي في السنوات الخمس الأولى من حياة الإنسان ، وانتشر هذا المصطلح !

وإذا مضينا في تأملاتنا للقانون الإلهي ، لنستضيء بالمعاني المناسبة ، والتعبيرات المتكاملة والألفاظ الصالحة ، وجدنا لفظ (الفطرة) كمصطلح ، بديل أفضل وأشمل من مصطلح (الحتمية) ؛ فهو أصلح في التطبيق ، وأطوع في التعرف على الحقائق ، إذ إن الفطرة موجودة في الإنسان كما هي الناموس الكوني ، فهي تعبير عن الوسط العدل والخير الفاضل ، يقول عز من قائل: فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها (الروم: 3) ، " وما لي لا أعبد الذي فطرني " (يس : 22) ، " قل أغير الله أتخذ وليًا فاطر السماوات والأرض " (الأنعام: 41) .

هذه الفطرة المشار إليها في الآيات الكريمة ، تسمح بتجاوز مفهوم الحتمية فيما يتعلق بالسلوك البشري ، فهي لا تلتزم بقواعده التعسفية التي تجبر الإنسان على سلوك معين ، بل هي تفتح الباب للالتجاء إلى الله والسير على صراطه المستقيم ، فهو تعالى الذي يقبل التوبة عن عباده ، ويجعل منها ميلادًا جديدًا يجب ما قبله ، ليرجع الإنسان بعدها إلى الجادة والصلاح ، ولهذا كان مصطلح الفطرة كبديل لمصطلح الحتمية رجوعا إلى الحق ، وربطًا محكمًا بين علم النفس وبين الدين ، وطريقا لإثراء أبحاثنا وتقدمها في طريق العلم والحكمة .

4 - الدفع . . لا الصراع

يعرف " فرويد " الصراع بأنه: فقدان الشخص الثقة في قدرته على رفع التناقضات بين القصور المؤلم وبين النفس ، مما ينشأ عنه صراع يؤدي إلى محاولة استبعاد القصور المؤلم ، ثم شاع استخدام مصطلح (الصراع النفسي) حتى انتقل إلى علم الاجتماع ، والأخلاق والسياسة ، وأكد أصحاب مدرسة الشخصية بعد انتشار هذا المصطلح ، على أن الصراع النفسي هو المكون الأساس لبناء شخصية الفرد ، لكننا من خلال قول الله عز من قائل: " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض " (البقرة :251) ، " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله " (الحج :40) .

نقول بأنه لا يوجد هناك صراع بالمعنى العلمي الحديث داخل النفس ، وإنما هناك ذلك ( الدفع ) الذي هو موقف اختياري من الإنسان ، فهناك دفع ودفع مقابل ، كما في قول الله عز من قائل: " ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم " (فصلت:34) ، " ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون " (المؤمنون : 96) .

فالدفع هو المصطلح العلمي الصالح للاستخدام ، فهو مرن بدرجة تسمح له بالانسحاب إلى النفس والناس والمجتمع ، بحيث لا يحمل معنى التناقض الموجود في مصطلح الصراع .

5 - الرؤيا . . لا أضغاث الأحلام

اهتم علماء النفس الغربيون بموضوع الأحلام ، حتى إن " فرويد " يعتبر الحلم هو الطريق لمعرفة النشاط اللاشعوري في العقل الإنساني ، وأنه لغز مصور كمعنى رمزي ، فالحلم هو نوع من المكبوتات تظهر كرغبة لم تشبع بعد ، وكنوع من الإرضاء الخيالي للرائي ، ثم يذهب " يونج " إلى أن الحلم هو تعويض عن الحياة اللاشعورية في مقابل الحياة الشعورية التي يحياها الإنسان ، ويذهب البعض الآخر إلى أن الحلم هو خداع المرء لنفسه ، وهكذا تمضي التأويلات الذاتية إلى ما لا نهاية .

والحقيقة أن ما يبحث فيه هؤلاء العلماء ليس إلا وهم شيطاني لا تفسير له ، كما ورد في الحديث النبوي (الحلم من الشيطان) أما المصطلح الإسلامي الذي ينبغي لنا بحث آفاقه ، فهو: الرؤيا . . فإن علم النفس الإسلامي يفصل بين الرؤيا والأحلام في حين يخلط بينهما علم النفس الحديث .

وقد ورد لفظ الرؤيا والحلم في الحديث الشريف (الرؤيا من الله والحلم من الشيطان) ، كما ورد في القرآن الكريم في قول الله عز من قائل : " يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي " (يوسف :43) ، " قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين " (يوسف : 44) .

فهناك إذن فرق شاسع بين الرؤيا والحلم ، فهناك الرؤيا ، الصادقة ، وهناك أضغاث الأحلام التي لا يعول عليها ، ويطلق على كليهما لفظ (منامات) ، وقد قسَّم الشيخ عبد الغني النابلسي هذه المنامات إلى ثلاثة أقسام: البشري - رؤيا التحذير - رؤيا أماني النفس .

ولما كان المجال يضيق هنا عن استعراض أقسام الرؤيا ، وأشكالها، وصلتها بالصحة النفسية ، على النحو الذي عرضنا له بشكل مفصّل في كتابنا (نحو علم نفسي إسلامي) ؛ فإننا سنكتفي هنا بالإشارة إلى أن الرؤيا التي يمكن تعبيرها وفهمها ، تختلف تمامًا عن الحلم الذي حاول علم النفس الغربي دراسته ، فوقع فيما لا حصر له من الأوهام والظنون .


مواد ذات الصله



تصويت

قال بعض السلف :متى رأيت تكديرا في الحال فابحث عن نعمة ما شُكِرت أو زلة فُعِلت قال تعالى(ذلك بأن الله لم يك مغيِّرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). في رأيك ما هو أهم سبب لزوال النعم؟

  • عدم شكرها
  • عصيان المنعم بنعمته
  • منع النعمة عن مستحقها
  • الإسراف والتبذير
  • جميع ما سبق