الضحك ..

3791 0 605

عجب أو دهشة تعتري النفس نتيجة إدراك المفارقة في حال أو مقال أو صفة.. حتى إذا كانت تلك المفارقة مفتعلة أو مبتذلة كان الحاصل أنها - وإن دعي ضحكًا - سفهًا وخفة. وإن كان الإدراك عصيًا أو غير كامل لم يكن الواقع ضحكًا بل تضاحكًا..
أما من حيث الوضع اللغوي لكلمة "ضحك" فإنها تدل على الانشراح والإشراق والوضوح والصفاء وزوال العقد والحوابس. ومن ذلك ضحك السحاب، إذا برق. وضحك الشيب إذا ظهر. وضحك الفجر، بان.
والضَّحَك بالفتح، الثلج، والزُّبد، والعسل، والشهد، والثغر الأبيض، والنَّوْر - أي الزهر الأبيض - ووسط الطريق لأنه مستبين لاحِبٌ، وطلع النخلة إذا انشق عنه كَمامُه، والضاحك حجر شديد البياض، يبدو في الجبل، والضواحك: الأسنان الأربع التي تبدو عند الضحك. وما ألطف الاستعارة في قول العرب للضاحك، إذا أسعدهم ضحكه، أو لم يدركوا سببه: " أضحك الله سنك" رغم أن الضحك إذا حصل حقيقة فإنه يسري في النفس ويتخلل في كل أقطارها. ويُنْسَبُ لبعض الأبحاث أن كذا عضلة في جسم الإنسان تتحرك دفعة واحدة، حينما ينفجر ضاحكًا.
ويقال: ضحكت الأرنب إذا حاضت، وتفسير الضحك بمعنى الحيض، حتى بالنسبة للمرأة، هو أحد قولين في تأويل قول الله تعالى، حديثًا عن سارة زوج إبراهيم عليه السلام، حينما بُشِّرت بالولد وهي عقيم لا تلد: (وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ) (هود:71).
ورغم أن ضحك المرأة الصالحة في الآية لا يصعب إدراك حقيقته من العجب والدهشة، اللذين توضحهما آيات أخر في سياق البشارة المباركة:(فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيم * فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ) (الذريات:28- 29) أي: أقبلت وقد بان على وجهها العجب، بتقطيب أو صياح، ثم ضربت وجهها قائلة: (يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ) (هود:72) وصورة العجب والدهشة - كما في الآيات الكريمة - معهودة في بنات حواء إلى يوم الناس هذا !
غير أن تفسير الضحك في الآية بمعنى الحيض ليس ببعيد، إذ المرأة العقيم لا تحيض؛ فإذا حاضت أعجبها ذلك وأدهشها! والحيض - كما هو معلوم - دم فاسد يحوي أخلاطًا ورطوبات بالغة القذر والوخامة، يدفع بها الرحم في حال الصحة والعافية، دليلاً على استعداد المرأة للحمل والولادة.
وربما جاز الجمع بين المعنيين في تفسير الآية - أعني ضحك الاستغراب وضحك الحيض - لأن المقام يحتمل ذلك. فكأنها لما دهشت للبشارة وأنكرتها نزل بها الحيض برهانًا وآية فصدقت، وذلك قريب مما حصل لنبي الله زكريا عليه السلام حينما بُشر بابنه يحيى عليه السلام فقال: (رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً) (آل عمران:41) أي: لأَهْنَأَ ويطمئن قلبي! وهذا من التراكُب الموفق في معنى الآية الكريمة، يزيده أناقة أن لفظة "إسحاق" موضع البشارة هي في العبرية "يسحك" بمعنى يضحك !
هذا، وقد يضحك المرء سرورًا، وقد يضحك عجبًا، وقد يضحك رياء، وقد يضحك هزءًا، وقد يضحك كبرًا، وقد يضحك فراغًا وتبطلاً، وقد يضحك جنونًا..وهو - أي الضاحك - إذا استجمع في ضحكه، عُلِم ذلك من حاله؛ إذا استلقى، أو فحص بقدمه، أو مال على شقه، أو بدت نواجذه، أو دمعت عيناه، أو آلمه بطنه...
ومما يجدر ذكره أنه في ظل الروح السوداوية والكآبة والخواء الذي يخيم على بعض مناحي الحياة الغربية، ترى بعضاً من شتيت الآدمية هنالك يبحثون عن الضحك و"الفرفشة" "بحثَ شحيح ضاع في الترب خاتمه" حتى إنهم يعمدون إلى تأسيس جمعيات للضاحكين - كذا - يمارسون فيها الضحك بشكل جماعي"طقوسي" فيستدعونه تارة بإلقاء النوادر والطرف، وأخرى بارتسام الأوهام والخيالات المضحكة..وتتلون الضحكات بتلون أصوات الضاحكين وأمزجتهم، ولعلم الفراسة والنفس - هاهنا - مضطرب واسع في تعرف طبيعة الأناسيّ ودخائل نفوسهم من خلال إيقاع الضحك في حدّته وهمسه أو فجاجته وأنسه.
وأيًّا ما كان الأمر فإن الضحك أدلُّ على خصوصية الإنسان من البكاء، رغم أن المسافة بينهما في سمك الشعرة؛ حتى إن الضاحك لينقلب باكيًا في لحظة وينقلب الباكي ضاحكًا مثل ذلك !
وفي بعض الأحايين يحل أحدهما محل الآخر؛ فيضحك المحزن العظيم الموجدة بدل أن يبكي، ويبكي المبتهج الشديد الغبطة بدل أن يضحك.
ولعل مرجع ذلك إلى كون الحالين - الحزن والفرح - زادَ كلٌ عن حده. وكذاك الأشياء حين تطغى؛ تنقلب إلى أضدادها...
وتأسيسًا على ما سبق فإنه يقال عن الإنسان: حيوان ضاحك، كما يقال: ناطق، ولا يقال: باكٍ. ولا يُسند البكاء إلى رب العزة سبحانه، بخلاف الضحك، ففي الأثر: "ضحك الله من صنيعكما الليلة "و " ما الذي يضحك الله من عبده ؟" دلالة على الرحمة والرضا، إذ إن الضحك بوصف كونه انفعالاً ناتجًا عن ضعف الجِبلَّة وتأثرها بالحوادث يستحيل في حق رب العالمين جل وعلا، إذ (ليس كمثله شيء) وربما قيل: هو ضحك يليق بجلاله سبحانه !
ويمكن القول: إن الضحك عمل عقلي، والإضحاك فن لا يتقنه إلا شخص كامل الذكاء حاضر البديهة. ومن هنا لا يصطنع التهريج والمجانة عقل كبير !
ويشيع بين الناس أن أولي الألباب والكمال والذكاء من بني آدم بعيدون عن الضحك؛ لبعدهم عن عالم النكتة والنادرة وانشغالهم بما هم فيه من جد وفكرة...
ولقد يصح أن ضحكهم قليل - لأنهم يضحكون على قدر عقولهم - أما الذي لا يصح ألبتة فهو بعدهم عن النكتة وغربتهم عنها، إذ إن أعظم النكات وأدق النوادر لا تتفق إلا لأعظم العقول، وأسمى العبقريات.. والتاريخ حافل بعظماء بلغوا المنتهى من كمال العقول وسمو النفوس، كانت الطرفة والنادرة و"الضحكة" عنصرًا في كليات نفوسهم الزكية وعقولهم الذكية. فهذا رسول الله؛ محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم سيد العالمين - بأبي هو وأمي - يضحك - وإن كان أكثر ضحكه تبسمًا - حتى تبدو نواجذه. وكان في أصحابه الكرام من يُضحكه. بل إنه صلى الله عليه وسلم كان "يصنع" الضحك، وذلك بالمزاح الذي كان يقع منه أحيانًا، بيد أنه لم يكن يقول إلا حقًا - ولا غرو فقد قال له ربه عز وجل: (وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لا نْفَضُّوا مِنْ حَوْلِك) (آل عمران:159) وقال عنه: (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) (التوبة:128).
وقد عُرف علي بن أبي طالب رضي الله عنه بلطفه وسماحته - وهو من هو في سابقته وزهده وعلمه وسيلان ذهنه - حتى اشتهر بدُعَابته...
والحق أن الضحك والبكاء كليهما رزق من الله. فهو سبحانه الذي (أَضْحَكَ وَأَبْكَى) (النجم:43) فلا يضحك الإنسان إلا بقدر، ولا يبكي إلا بقدر؛ ولكن أكثر الناس لا يعلمون !
ـــــ
كاتب من الجزائر

مواد ذات الصله



تصويت

أعظم الخذلان أن يموت الإنسان ولا تموت سيئاته، وأعظم المنح أن يموت ولا تموت حسناته، في رأيك ماهي أفضل الحسنات الجارية فيما يلي؟

  • - بناء مسجد
  • - بناء مدرسة
  • - بناء مستشفى
  • - حسب حاجة المكان والزمان
  • - لا أدري