الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الاهتمام بأمور إخوتي وتجنب عقوق الوالدين... وكيفية التوفيق
رقم الإستشارة: 2115904

4014 0 479

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أسأل الله العظيم أن يجزيكم خيرا على جهودكم الطيبة في هذا الموقع الرائع.

أنا فتاة عمري (18) سنة أعيش، وسط أسرة مكونة من (9) أشخاص في أمريكا.

مشكلتي باختصار أنني أعاني من التدخل في أمور إخوتي وأخواتي، وهذا الأمر سبب لي مشكلة مع والدي ّودائما، يحذراني أن أترك هذا الأسلوب وأن أهتم بأموري الشخصية، وكوني أكبرهم أجد أنه يجب علي أن أتابع أخوتي، في جميع أمورهم.

لا أعلم إن كانت المشكلة اتضحت لديكم، لكن أرجو منكم نصيحة لي لأنني لا أريد أن يصل بي الأمر إلى عقوق والدي.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سيرين حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،،،

فإنه ليسرنا أن نرحب بك في موقعك إسلام ويب، فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك، وكم يسعدنا اتصالك بنا في أي وقت وفي أي موضوع، ونسأل الله جل جلاله أن يبارك فيك، وأن يثبتك على الحق، وأن يجعلك من الصالحات المصلحات الداعيات إليه على بصيرة، وأن يحفظك وأهلك في بلاد المهجر بما يحفظ به عباده الصالحين.

بخصوص ما ورد برسالتك - ابنتي الكريمة الفاضلة - من أنك فتاة في الثامنة عشر عامًا من عمرك، وتعيشين وسط أسرة مكونة من تسعة أشخاص بأمريكا، ومشكلتك أنك تعانين من التدخل في أمور إخوتك وأخواتك مما سبب لك مشكلة لك مع والديك، واضطرهما إلى أن حذراك دائمًا إلى ترك هذا الأسلوب والاهتمام بأمورك الشخصية.

لكن نظرًا لكونك أكبر إخوانك تشعرين من داخلك بضرورة متابعة إخوانك في جميع أمورهم، وتسألين النصيحة، حيث إنك لا ترغبين في الوصول إلى عقوق والديك.

أقول لك ابنتي الكريمة الفاضلة: إنه مما لا شك فيه أن الحرص على مصلحة إخوانك أمر مطلوب ومرغوب، خاصة إذا كان قد منّ الله تبارك وتعالى عليك بشيء من رجاحة العقل ومعرفة الشرع، وأنت تحثينهم على التزام شرع الله تعالى وتحثينهم أيضًا على اجتناب مثلاً أصدقاء أو رفاق السوء والذهاب للأماكن التي تقع فيها المنكرات والمعاصي، فأرى أن هذا أمر حسن، ولا ينبغي للوالدين أن ينزعجا منه، لأنك تكملين دورهما في التوجيه والعناية والرعاية.

أما إذا كان التدخل بطريقة استفزازية، بمعنى أنك تريدين محو شخصية إخوانك تمامًا وتتدخلين في الأمور الشرعية وغير الشرعية، حتى في الأمور الفطرية التي فطرهم الله عليها.

أرى أن ذلك مزعجًا حقًّا، ولذلك أقول: ينبغي أن نفرق بين دور ودور، فإذا كان دورك يتمثل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإعانة إخوانك وأخواتك على الالتزام بشرع الله تعالى واجتناب ما حرم الله.

أرى أن هذا دور حسن، ولكن أقترح أن يكون هناك نوع من التنسيق بينك وبين والديك، لاحتمال أن تكون الجرعة التي تقدمينها لإخوانك أكبر من حجمهم أو أكبر من سنهم أو فوق مداركهم أو لا تتسع لها عقولهم، وبالتالي أنت قد تفسدين من حيث لا تشعرين، لأن التوجيه الشرعي أشبه ما يكون بالدواء الطبي.

كما أنه لا يصف الدواء إلا طبيب متخصص فكذلك أيضًا لا ينبغي أن يتكلم في الشرع والحلال والحرام إلا ما كان لديه علم، لأن الإنسان إذا تكلم بغير علم ووفق موقف عاطفة الحب للدين فإنه قد يقع في أمور لا تحمد عقباها، بل إنه قد يقع في أعظم الكبائر وهي القول على الله بغير علم؛ لذلك أنا أنصح أن لا تتكلمي فيما لا تعرفي، أو في الأشياء التي تكون معرفتك بها ضئيلة أو قليلة أو سطحية، لأنك قد تريدين الخير فتفسدين وأنت لا تشعرين.

أما الأمور التي تعلمينها يقينًا وتعلمين الآثار المترتبة عليها ودرستها دراسة جيدة متأنية، فأقول: بتنسيق ذلك مع والدتك على وجه الخصوص، على اعتبار أن الأبناء يميلون بطبيعتهم إلى الأمهات أكثر من الآباء، فأنت تنسقين مع الوالدة في هذا الأمر وتبيني لها لماذا أنت تتدخلين، فإذا كان الأمر شرعيًا كما أشرت فلا مانع شريطة أن يكون هناك نوع من التنسيق، وأن تشرحي وجهة نظرك لوالديك، حتى لا ينكرا عليك ذلك. وأيضًا شريطة أن لا يؤدي ذلك إلى نوع من الملل والسآمة والنفور من إخوانك لك؛ لأن كثرة التكاليف الشرعية وكثرة الأوامر والتوجيهات تؤدي إلى نفرة الأبناء من الآباء.

ما بالك بالأخ مع أخته أو الأخت مع أختها، قطعًا ستكون النفرة أشد وأكبر، خاصة إذا شعر إخوانك وأخواتك أنك تقومين بإلغاء شخصيهم وتتدخلين حتى في أبسط الأمور، فإن هذا سيكون مزعجًا غاية الإزعاج حقًّا.

أما إذا كان الأمر كما ذكرت يتعلق بأمور الدنيا فإن هذا الأمر يسعون فيه كما يسعى غيرهم فعلاً، فمن حق إخوانك مثلاً أن يلبسوا من الملابس أو يشتروا من اللعب ما يشاؤون بعد توجيهك لهم التوجيه العام، فإن أخذوا بكلامك أخذوا وإن لم يأخذوا فما عليك شيء في تلك الحال.

إذن أتمنى أن تفرقي بين الدور الشرعي الذي لابد فيه من علم شرعي أصيل حتى لا تقعي في الخطأ أو القول على الله بغير علم، أو توجيه إخوانك وأخواتك توجيهًا قد يترتب عليه مشاكل لهم في المستقبل؛ لأن الواحد منا قد يأتي ليحسن فيسيء، أو ليصيب فيخطئ إذا كان علمه متواضعًا كما ذكرت، أو إذا كانت خبراته قليلة، فقد يكون الإنسان على علم واطلاع موسّع فعلاً، وقد يكون قرأ عدة كتب في مسألة ما، ولكنه ليست لديه الخبرة الكافية في عملية التوجيه وعملية الإرشاد والنصح والدعوة.

لعله كما ذكرت آنفًا أن يزيد في الجرعة زيادة، تؤدي إلى نفور الطرف الآخر وإعراضه بالكلية عن أي شيء من الذي تريدين الوصول إليه؛ لذلك مع وجود العلم لابد من الخبرة، لأن الدعوة إلى الله تعالى وإن كانت هي مسئولية كل مسلم إلا أنها لابد أن تكون عن بيّنة ويقين أيضًا، حتى لا نأتي لنصلح فنفسد، حتى لا نأتي لنحسن فنسيء.

إذن أقول: لابد من توافر عقدة علمية معقولة، ثم يتم التنسيق مع الوالدين، فإذا ما كان هناك إصرار منهما على عدم قيامك بهذا الدور، فمن الممكن أن تقللي الجرعات إلى أبعد حد، وأن تركزي حتى على الأقل على الفروض المفروضة، كالصلاة، وأيضًا تركزي على المحرمات كمسألة مثلاً شُرب خمور أو غير ذلك أو إقامة علاقات ما بين الذكور والإناث خارج إطار الشرع.

هذه كلها فروض عينية تحتاج منك إلى أن تتكلمي فيه، شريطة كما ذكرت أن يكون لديك العلم الشرعي الكافي، والقدرة على ضبط الجرعات الدعوية المطلوبة، حتى وإن أغضب ذلك والديك، فأعتقد أنه لا حرج في تلك الحال.

أسأل الله لك التوفيق والسداد، وأن يجعلك مفتاحًا لكل خير مغلاقًا لكل شرَّ، وأن يهديك ويهدي بك.

هذا وبالله التوفيق.

مواد ذات الصله

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

عضوية الموقع

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق:

 
 

الأكثر مشاهدة

الأعلى تقيماً