الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أعاني من وساوس قهرية وحالات هلع، كيف الخلاص؟
رقم الإستشارة: 2429601

1006 0 0

السؤال

السلام عليكم

أنا فتاة أذنبت كثيرًا في حياتي، وقرأت عندكم أنني ارتكبت شيئًا من الكبائر؛ ، لكنني تبت قبل أن أرتكب ذنبًا أكبر، وسبب تركي للمعصية لم يكن لوجه الله في البداية، لكني تدينت بعدها وندمت على ما فعلت.

الآن أستطيع العودة للمعصية لكنني لم أفعل خوفًا من الله، وكنت على أتم الثقة واليقين بأن الله سيقبلني، وكنت أعبده بحب وخشوع.

قبل فترة قرأت عن الموت بالتفصيل ولم أكن أخشاه مطلقًا، وبعدها أصبت بحالة هلع وسقطت، وأصبحت لا أتزن، وأشعر بأنني سأموت في أي لحظة، ورأسي يبدو خفيفًا من شده تفكيري به وبالقيامة، يتهيأ لي أحيانًا أنني أتوهم، فكيف نعيش وحولنا مخلوقات لا نراها، ولا نعلم في أي لحظة سنراها، أتمنى لو كنت ترابًا، وألوم نفسي لأنني اخترت أن تكون روحي بشرا لا جبلا أو جمادا.

أحاول أن أختصر مشكلتي لكنها بداخلي عظيمة، تقربت من الله بكل ما أوتيت من قوة، أصلي كل الصلوات المفروضة والسنن، أقرأ القرآن والأذكار وأدعو لكنني خائفة، كيف تغشى السكينة العباد؟

أصبحت شخصًا غريبًا خفيفًا، أكاد أجن ما الذي سيحدث لنا؟ وسألت شيخًا عن صحة توبتي فأخبرني بأنها لا تجوز، -وإن شاء الله- يغفر لي، فزاد خوفي أكثر.

لي ماضٍ عريق في الوساوس، تخلصت منها -الحمد لله-، لكن الموت لا يمكنني أن أعتبره وهم، ولا أستطيع أن أشكو لأحد، وأكره أن يراني الناس صالحة وأنا مذنبة، وأخاف على قلب أمي، وحين قررت أن أذهب لطبيب نفسي استخرت الله ولم أوفق في الذهاب، وكأن الله سخر كل الأسباب التي تمنعني، وحالي ازداد مع الكورونا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ مريم حفظها الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أسأل الله لك العافية والشفاء والتوفيق والسداد، تقبل الله صيامكم وطاعتكم.

أنا سعيد جداً أن أعرف عن توبتك هذه، فأسأل الله تعالى أن يجعلك على طريق الهداية، واستغربت كثيراً لحديث الشيخ الذي قال لك أن توبتك لا تجوز -وإن شاء الله- يغفر لك، وزاد خوفك أكثر، إذا كنت فهمتك على الوجه الصحيح رحمة الله واسعة، وإن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، وباب التوبة مفتوح، والله لطيف بعباده، ارجعي لقصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً، أنت -الحمد لله تعالى- في بر الأمان، وأراك بخير.

الذي يشغلك الآن هو الفكر الوسواسي، من الواضح أنه مهيمن عليك، وأنا أعرف أن الوساوس مؤلمة جداً خاصة لأصحاب النفوس الطيبة والوجدان الإيجابي، النفس اللوامة تتسلط على الإنسان كثيراً، وتزيد من الوسوسة والتساؤلات المتشابكة، والملحة، والمستحوذة هذه الاندافعات النفسية السلبية الفكرية تؤلم الإنسان.

أتعاطف معك جداً في هذا السياق، وفي ذات الوقت أبشرك أن هذه النوع من الأفكار يعالج عن طريق الأدوية، هنالك أدوية مضادة لقلق المخاوف الوسواسي وهو الذي تعانين منه، والدواء سوف يقطع تماماً هذه الأفكار، ثقي في ذلك.

بعد أن تنتهي هذه الجائحة يمكن أن تذهبي لمقابلة طبيب نفسي، وإن لم تتمكني من ذلك يمكن أن تتحصلي على أحد الأدوية السليمة والجيدة وغير الإدمانية، والدواء الذي أرشحه هو عقار زوالفت، ويسمى علمياً سيرترالين، هو غير إدماني لا يؤثر على الهرمونات النسوية، وفعاليته في القلق والخوف والوسوسة مشهودة، لكن الإنسان لا يمكن أن يستفيد منه إلا إذا التزم بتناول الجرعة كما هي، والجرعة في حالتك هي أن تبدئي بنصف حبة أي 25 مليجرام من الحبة التي تحتوي على 50 مليجرام تتناوليها لمدة 10 أيام، بعد ذلك اجعليها حبة واحدة كاملة يومياً لمدة أسبوعين، ثم اجعليها حبتين يومياً تناوليها كجرعة واحدة، لا يفرق كثيراً إن كان ذلك ليلاً أو نهاراً، علماً بأن الجرعة الكلية هي 200 مليجرام أي 4 حبات لكنك لا تحتاجين إلى أكثر من حبتين في اليوم.

استمري على هذه الجرعة العلاجية لمدة ثلاثة أشهر، ثم خفضيها إلى حبة واحدة لمدة ثلاثة أشهر، ثم نصف حبة يومياً لمدة أسبوعين ثم نصف حبة يوما بعد يوم لمدة أسبوعين ثم توقفي عن تناول الدواء.

وتوجد أدوية أخرى كثيرة لكن أعتقد الزوالفت هو الأفضل والأنسب، وقطعاً إذا بدأت في تناول العلاج يمكنك أيضاً مراجعة الطبيب بعد أن تنتهي الظروف الراهنة كما ذكرت لك، وأريدك أن تكوني إيجابية، أن تحقري الفكر الوسواسي، الفكر السلبي، اشغلي نفسك بما هو مفيد، أحسني إدارة وقتك، انطلقي في الحياة -الحمد لله- أنت صغيرة في السن، -وإن شاء الله تعالى- أمامك مستقبل رائع تماماً، فهذا هو الذي أنصحك به، ومن أجل ذلك اطمئني أكثر سوف نحول استشارتك هذه لأحد الإخوة والمشايخ -وإن شاء الله تعالى- سوف يفيدك بما يقنعك أن توبتك هي توبة نصوح ومقبولة بحول الله تعالى.

بارك الله فيك وجزاك الله خيراً.
+++++++++++++++++++
انتهت إجابة د. محمد عبد العليم استشاري أول الطب النفسي وطب الإدمان، وتليها إجابة د الشيخ. عمار بن ناشر الاستشاري التربوي والشرعي.
+++++++++++++++++++

- بارك الله فيك ومرحبا بك - أختي العزيزة -، أسأل الله أن يمن عليك بالعفو والتوبة والتوفيق وسعادة الدنيا والآخرة.

- بصدد ما ذكرتِه من وقوعك في بعض الذنوب، ثم تداركك لنفسك بفضل الله عليك بالتوبة، فهذا دليل على ما منّ الله به عليك من توفيق ورحمة وحسن دين وتربية، حتى ولو لم تكن توبتك من الذنب لوجه الله، وإنما لأمر آخر، فمجرد ترك الذنب خوف العار أو حياء من الناس خير؛ فقد جاء في الصحيحين:(كل أمتي معافى إلا المجاهرين)، والحياء من الناس طريق للحياء من الله ومهيء للتوبة وحفظ العرض والسمعة، ولذلك لم يلبث حتى صارت التوبة لوجه الله تعالى بعامل التربية والمراجعة للنفس والخوف من الله، وقد صح في الحديث:(عجب ربنا من قوم يدخلون الجنة بالسلاسل)، والمعنى أن دخولهم الجنة كان لفعلهم الطاعات ولتركهم الآثام خوف الحدود والعقوبات، كما وصح عن جمع من أهل العلم قولهم: (طلبنا العلم لغير الله، فأبى العلم إلا أن يكون لله)، وهو عين ما حصل لك، حيث وفقك الله للتوبة التي يثاب عليها الإنسان، وهي المتضمنة شروطها من الشعور بالندم، والعزم على الإقلاع، والاستغفار، وعدم العود للذنب.

- وأما دعوى الشيخ المذكور بأن الله تعالى لا يقبل التوبة المعينة لكون الذنب كبيرا ونحوه، فهو كلام غاية في البطلان، وحسبنا ما صح في الحديث من أن ( الندم توبة)، وأن (التائب من الذنب كمن لا ذنب له)، وقال تعالى :(قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)

- كما أن وجود ماض لك في الوساوس، وهي وساوس قهرية، فهي نوع من الاضطرابات النفسية غير المنطقية المرتبطة بما ذكرتِه من حالك وواقعك في مبالغتك بالشعور بالقلق والهلع والخوف من الموت وتذكر الماضي المؤلم كالمتلبس بالذنوب والإخفاقات المتنوعة في الحياة، وتؤدي هذه الوساوس إلى تكرار بعض الأفكار إجبارياً كالذي يحصل من المبالغة في الخوف من الذنب، أو الموت، أو على الوالدة حفظها الله أو من نظر وكلام الناس، ونعم ذلك لكن باعتدال من غير تلبس بأوهام وهلع ووساوس حتى لا تعيق الحياة اليومية ولا الحالة النفسية لديك.

ومما يسهم في العلاج:
- إدراك أن هذه الوساوس والمخاوف غير حقيقية ولا واقعية، مما يستلزم شرعا وعقلا ضرورة تجاهلها والتغافل والإعراض عنها وعدم اعتبارها.

- استحضار أن الإنسان لا يؤاخذ شرعا فيما لا قصد له في القول أو الفعل، قال تعالى حاكيا قول المؤمنين: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ)، وقد ثبت في الحديث: (إن الله تـجاوز لي عن أمتي الـخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)؛ حديث حسن، وفي الصحيحين: (فليستعذ بالله ولينته)، فجمع الحديث الشريف بين واجب التغافل عنها وواجب مدافعتها بالاستعاذة بالله تعالى من الشيطان الرجيم.

- ومن الجميل المهم: ما ذكرتِه من تعاهد نفسك بكثرة الطاعات وذكر الله تعالى وقراءة القرآن، وثقي - وفقك الله - بأن السكينة وهي بركات نزول الطمأنينة وكذا نزول الملائكة للمجالس التي تكونين فيها في ذكر وصلاة ونحوها كما دلت عليه النصوص بإذن الله تعالى.

- ومن المهم المفيد بعدك عن العزلة، وملازمة الصحبة الصالحة الواعية التي تذكرك وتعلمك وتنصحك وتعينك وتؤنسك في وحشتك.

- كذا ومن المهم عند اللزوم والإمكان مراجعة طبيبة نفسية (تداووا عباد الله، فإن الله ما أنزل داء إلا جعل له دواء).

- ضرورة التحلي بحسن الظن بالله والاستعانة به والتوكل عليه وتعزيز الثقة بالنفس وقوة الإرادة والطموح والأمل والتفاؤل لطرد وساوس النفس والهوى والشيطان وتحصيل الراحة النفسية والاطمئنان والدرجات العلا في الجنان، وذلك بتعميق الإيمان بطلب العلم النافع والعمل الصالح ولزوم الذكر وقراءة القرآن الكريم والصحبة الصالحة الواعية والإكثار من الاستغفار والقراءة في الكتب الإيمانية والوعظية ومتابعة المحاضرات والبرامج المفيدة وإعطاء النفس حقها من الاسترخاء والرياضة.

- وأما عن موضوع كورونا، فما علينا إلا التوكل القلبي على الله والعمل بالأسباب اللازمة في الوقاية وتوفير المناعة الصحية والنفسية والمعنوية، وعدم المبالغة في الذعر والقلق والهلع ودعاء المولى تعالى بالعافية، فلا أجمل وأفضل من اللجوء إلى الله تعالى بالدعاء بالسلامة والتوفيق لما يحب ويرضى، وأن يرزقنا الصبر واليقين والتوبة، والثبات على الدين والهداية إلى صراطه المستقيم، وتحصيل سعادة الدارين.

والله الموفق والمستعان.

مواد ذات الصله

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

عضوية الموقع

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق:

 
 

الأكثر مشاهدة

الأعلى تقيماً