الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حكم الإخبار عن المخلوق بأنه خلق كذا
رقم الفتوى: 186965

  • تاريخ النشر:الأربعاء 4 ذو القعدة 1433 هـ - 19-9-2012 م
  • التقييم:
19079 0 552

السؤال

انتشر في الآونة الأخيرة في بعض المقالات الصحفية وغير ذلك استخدام لفظ خلق، مثل: خلق وظائف جديدة ـ فما حكم ذلك؟ وفي ذهني: أفمن يخلق كمن لا يخلق، فتبارك الله أحسن الخالقين ـ وقال لي أحد الناس إن أحسن الخالقين تعني أن غير الله قد يخلق، وإن كنت أظن أنها لا تستلزم ذلك بالضرورة، وأيضًا قيل لي بأن البارئ ـ أو ربما اسم آخر ـ هو الذي يدل على خلق ما لم يسبق له مثيل، هذه نقطة والنقطة الثانية في الإنجليزية، حيث عند ما أستخدم بالعربية كلمة إنشاء يكون في كثير من الأوقات مرادفها بالإنجليزية create ولا أعلم بديلًا لهذه الكلمة يؤدي نفس المعنى، والمشكلة أن كلمتي create وmake بالإنجليزية لهما عدد من الترجمات إلى العربية منها إنشاء ومنها خلق، وطوال الوقت تمر بي أشياء مثل: Create New Threadـ لإنشاء موضوع جديد، وغير ذلك، وقيل لي بأن الإنجليزية قد تكون قاصرة في المعاني على عكس العربية، فأرجو منكم توضيحًا.

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فإن الخلق في اللغة قد يعني به الصنع والتقدير ويطلق على الإيجاد مجازا، ومثل هذا لا حرج فيه شرعا ويدل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم، في المصورين: يقال لهم: أحيوا ما خلقتم

وقال البغوي في تفسير قوله تعالى: فتبارك الله أحسن الخالقين ـ قال: الخلق في اللغة التقدير، وقال مجاهد: يصنعون ويصنع الله والله خير الصانعين، يقال رجل خالق أي صانع. اهـ.

وقال ابن عاشور في التحرير والتنوير: والخلق أصله الإيجاد على تقدير وتسوية ومنه خلق الأديم إذا هيأه ليقطعه ويخرزه قال زهير في هرم بن سنان: ولأنت تفري ماخلقت وبعــ   * ــض القوم يخلق ثم لا يفري... وأطلق الخلق في القرآن وكلام الشريعة على إيجاد الأشياء المعدومة، فهو إخراج الأشياء من العدم إلى الوجود إخراجاً لا صنعة فيه للبشر، فإن إيجاد البشر بصنعتهم أشياء إنما هو تصويرها بتركيب متفرق أجزائها وتقدير مقادير مطلوبة منها كصانع الخزف، فالخلق وإيجاد العوالم وأجناس الموجودات وأنواعها وتولد بعضها من بعض بما أودعت الخلقة الإلهية فيها من نظام الإيجاد مثل تكوين الأجنة في الحيوان في بطونه وبيضه وتكوين الزرع في حبوب الزريعة وتكوين الماء في الأسحبة فذلك كله خلق وهو من تكوين الله تعالى ولا عبرة بما قد يقارن بعض ذلك الإيجاد من علاج الناس كالتزويج وإلقاء الحب والنوى في الأرض للإنبات، فالإيجاد الذي هو الإخراج من العدم إلى الوجود بدون عمل بشري خص باسم الخلق في اصطلاح الشرع، لأن لفظ الخلق هو أقرب الألفاظ في اللغة العربية دلالة على معنى الإيجاد من العدم الذي هو صفة الله تعالى وصار ذلك مدلول مادة خلق في اصطلاح أهل الإسلام، فلذلك خص إطلاقه في لسان الإسلام بالله تعالى: أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ، وقال: هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ ـ وخص اسم الخالق به تعالى فلا يطلق على غيره ولو أطلقه أحد على غير الله تعالى بناء على الحقيقة اللغوية لكان إطلاقه عجرفة فيجب أن ينبه على تركه.

وقال الغزالي في المقصد الأسني: لا حظ للعبد في اسمه تعالى الخالق إلا بوجه من المجاز بعيد، فإذا بلغ في سياسة نفسه وسياسة الخلق مبلغاً ينفرد فيه باستنباط أمور لم يسبق إليها ويقدر مع ذلك على فعلها كان كالمخترع لما لم يكن له وجود من قبل فيجوز إطلاق الاسم أي الخالق عليه مجازاً، فجعل جواز إطلاق فعل الخلق على اختراع بعض العباد مشروطاً بهذه الحالة النادرة، ومع ذلك جعله مجازاً بعيداً فما حكاه الله في القرآن من قول عيسى عليه السلام: أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ، وقول الله تعالى: وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي ـ فإن ذلك مراعى فيه أصل الإطلاق اللغوي قبل غلبة استعمال مادة خلق في الخلق الذي لا يقدر عليه إلا الله تعالى، ثم تخصيص تلك المادة بتكوين الله تعالى الموجودات ومن أجل ذلك، قال تعالى: فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ. انتهى.

وفي فتاوى الأزهر ما يلي: السؤال: يقول الله تعالى: فتبارك الله أحسن الخالقين {المؤمنون: 14} فهل هناك خالقون غير الله وهو أحسنهم؟ الجواب: كان المشركون يزعمون أن الأصنام شركاء لله في الخلق وفي كل شيء، فتحداهم الله بآيات كثيرة بينت أنهم عاجزون لا يضرون ولا ينفعون، وعبر عنهم بصيغة العقلاء على زعمهم، ومع اعترافهم بأنه لا يقدر على خلق السماوات والأرض وعلى خلق الإنسان إلا الله، كما قال سبحانه: ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن اللّه { الزمر: 38} وكما قال: ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم {الزخرف: 9} وكما قال: ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون {الزخرف: 87} مع اعترافهم بهذا كانوا ينسبون إلى الأصنام بعض الأعمال ويتقربون إليها بالقرابين لتستجيب لما يطلبون، وذكر الله الآية التي في السؤال بعد ذكر خلق الإنسان في الأطوار المعروفة وعبر بأحسن الخالقين، وهذه الصيغة المفيدة للتفضيل تبدو منها مشاركة الأصنام لله في الخلق وهو سبحانه يزيد عليهم ويفضلهم، لكن صيغة التفضيل تأتي أحيانا من غير أن تفيد مشاركة بين المفضل والمفضل عليه، وقد مثَّل علماء النحو لذلك بقولهم: العسل أحلى من البصل، فهما لا يشتركان أصلا في الحلاوة حتى يكون العسل أحلى، وإنما المعنى: العسل في بابه ونوعه أحلى من البصل في بابه ونوعه، وتفيد صيغة أحسن الخالقين أيضا أنه يوجد خالق غير اللّه، أي فاعل أي شيء ومبتكر لأي شيء ليس له مثال سابق، لكن خلق الله وإبداع صنعته وانفراده بأشياء لا يقدر عليها غيره تجعله أفضل الخالقين وبعد، فإن في مرونة اللغة العربية من حيث معاني الألفاظ ودلالة الأساليب ما يجعل هذا التعبير مستساغا ومقبولا بالمعنى اللائق لكل من يوصف به، فكما يقال مثلا: الله رب العالمين، يقال للمالك للعبد رب العبد، وللمالك لأي شيء ربه، كما يطلق الرب على المربي.

وقال الشيخ ابن عثيمين: بالنسبة لإفراد الله تعالى بالخلق: فالله تعالى وحده هو الخالق لا خالق سواه، قال الله تعالى: هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو، وقال تعالى مبينا بطلان آلهة الكفار: أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون ـ فالله تعالى وحده هو الخالق خلق كل شيء فقدره تقديرا، وخلقه يشمل ما يقع من مفعولاته، وما يقع من مفعولات خلقه أيضا، ولهذا كان من تمام الإيمان بالقدر أن تؤمن بأن الله تعالى خالق لأفعال العباد، كما قال الله تعالى: والله خلقكم وما تعملون ـ ووجه ذلك أن فعل العبد من صفاته، والعبد مخلوق لله، وخالق الشيء خالق لصفاته، ووجه آخر أن فعل العبد حاصل بإرادة جازمة وقدرة تامة، والإرادة والقدرة كلتاهما مخلوقتان لله عز وجل، وخالق السبب التام خالق للمسبب، فإن قيل: كيف نجمع بين إفراد الله عز وجل بالخلق مع أن الخلق قد يثبت لغير الله كما يدل عليه قول الله تعالى: فتبارك الله أحسن الخالقين ـ وقول النبي، صلى الله عليه وسلم، في المصورين: يقال لهم: أحيوا ما خلقتم، قال ـ رحمه الله ـ في الجواب على ذلك: إن الخلق الذي ننسبه إلى الله عز وجل هو الإيجاد وتبديل الأعيان من عين لأخرى، فلا أحد يوجد إلا الله عز وجل، ولا أحد يبدل عينا إلى عين إلا الله عز وجل، وما قيل: إنه خلق بالنسبة للمخلوق فهو عبارة عن تحويل شيء من صفة إلى صفة، فالخشبة مثلا بدلا من أن كانت في الشجرة، تحول بالنجارة إلى باب، فتحويلها إلى باب يسمى خلقا، لكنه ليس الخلق الذي يختص به الخالق وهو الإيجاد من العدم، أو تبديل العين من عين إلى أخرى. اهـ.

وما قلناه في مادة الخلق لا يختلف شأنه في العربية عن  الإنجليزية ومن الواضح فيهما أن عبارة إنشاء موضوع جديد، ليس فيها تشبيه للمخلوق بالخالق، وإنما يعنى بها ابتداء موضوع جديد. 

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

عضوية الموقع

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق: