الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أحاديث عن نعيم أهل الجنة وبيان صحتها
رقم الفتوى: 293626

  • تاريخ النشر:الخميس 5 رجب 1436 هـ - 23-4-2015 م
  • التقييم:
61347 0 644

السؤال

ـ هل تعتبر الأحاديث التالية مقبولة ومعقولة ويجب التسليم بها؟!
ـ ما من أحد يدخله الله الجنة إلا زوجه ثنتين وسبعين زوجة، ثنتين من الحور العين، وسبعين من ميراثه من أهل النار، ما منهن واحدة إلا و لها قبل شهي، وله ذكر لا ينثني.
الراوي: أبو أمامة الباهلي، المحدث: السيوطي.
المصدر : الجامع الصغير، الصفحة أو الرقم: 7989 خلاصة حكم المحدث : حسن.
ـ إن أدنىَ أهلِ الجنةِ منزلةً من له سبعَ درجاتٍ وهو على السادِسِة وفوقَه السابعةُ، وإن له ثلاثمائة خادمٍ يُغدى عليه ويُراحُ كل يومٍ بثلاثمائةِ صَحفةٍ ولا أعلَمُه إلا قال: من ذهبٍ في كلِّ صحْفةٍ لونٌ ليس في الأُخرَى، وإنه ليلذُّ آخرها كما يَلذُّ أوَّلها، ومن الأشرِبِة ثلاثمائةِ إناءٍ في كلِّ إناءٍ شرابٌ ليس في الآخرِ، وإنه ليَلذُّ آخِرَه كما يَلذُّ أوَّله، وإنه ليقولُ: أي رب لو أذِنتَ لي أطعمتُ أهلَ الجنةِ وسقيتُهُم لم ينقُص ذلك مما عندي شيئًا، وإن له من الحورِ العينِ ثنتين وسبعينَ زوجةً سوى أزواجِه من الدنيا، وإن الواحدةَ لتقعد مقعدها قدرَ ميلٍ من الأرضِ.
الراوي: أبو هريرة، المحدث: البوصيري.
المصدر: إتحاف الخيرة المهرة الصفحة أو الرقم: 8/242 خلاصة حكم المحدث: رواته ثقات.
ـ إنَّ الرَّجُلَ من أَهلِ الجنَّةِ ليُعطى قوَّةَ مائةِ رجلٍ في الأَكلِ والشُّربِ والجماعِ والشَّهوَةِ، فقالَ رجُلٌ مِنَ اليَهودِ: إنَّ الَّذي يأكُلُ ويشرَبُ تَكونُ منهُ الحاجَةُ، فقالَ: يَفيضُ من جلدِه عرقٌ فإذا بطنُه قد ضَمُرَ.
الراوي: زيد بن أرقم المحدث: الوادعي.
المصدر: الصحيح المسند الصفحة أو الرقم: 350 خلاصة حكم المحدث : صحيح.
وغيرها من الأحاديث "الجنسية" المنفرة والتي تختزل نعيم الآخرة في الجماع والشهوة ، وغير ذلك من التفاسير المخيبة مثل تفسيرهم "في شغل" بافتضاض الأبكار, وأيضا ما موقفي من بعض الاجتهادات المستهجنة في تفسير كتاب الله؟!
لا تسيئوا الفهم, الموضوع تخطى كونه "نبش" عن المتشابه وترك المحكم.
وأرجو المعذرة إن لم أحسن انتقاء الألفاظ.
وشكرا.

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فنسأل الله أن يوفقك لكل خير، وأن يشرح صدرك للحق والهدى، واعلم أن الجنة هي الدار التي أعدها الله تعالى لكرامة عباده، وقد وفر لهم جميع أنواع التكريم من مشروبات وملبوسات ومنكوحات ومسكونات، إضافة إلى جميع ما يتمنونه ويشتهونه لقوله تعالى: لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ {الزمر:34}،  

وقال تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ {الرعد:35}، وقال تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ {محمد:15}،  .

وقال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ {فصلت:30ـ 32}.
قال ابن كثير: وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ ـ أَيْ: فِي الْجَنَّةِ مِنْ جَمِيعِ مَا تَخْتَارُونَ مِمَّا تَشْتَهِيهِ النُّفُوسُ، وَتَقَرُّ بِهِ الْعُيُونُ: وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ـ أَيْ: مَهْمَا طَلَبْتُمْ وَجَدْتُمْ، وَحَضَرَ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ، أَيْ كَمَا اخْتَرْتُمْ: نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ـ أَيْ: ضِيَافَةً وَعَطَاءً وَإِنْعَامًا مِنْ غَفُورٍ لِذُنُوبِكُمْ، رَحِيمٍ بِكُمْ رَءُوفٍ، حَيْثُ غَفَرَ، وَسَتَرَ، وَرَحِمَ، وَلَطَفَ. اهـ.

وفي سنن الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الجنة وبنائها، فقال: لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، وملاطها المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وتربتها الزعفران، من يدخلها ينعم لا يبأس، ويخلد لا يموت، ولا تبلى ثيابهم، ولا يفنى شبابهم. وصححه الألباني.

وروى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ينادي مناد: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا، فذلك قوله عز وجل: وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ {الأعراف:43}.

وما ذكر في هذه النصوص ليس محصورا في نعيمهم، بل يوجد فيها ما لم يسمع عن مثاله البشر، وأعظم من ذلك رؤيتهم لله تعالى وكلامهم معه وتبشيره لهم برضوانه، ومعيتهم للنبيين والصديقين والشهداء والصالحين، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ذخرا بله ما اطلعتم عليه، ثم قرأ: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ {السجدة:17}. رواه البخاري ومسلم.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئاً أزيدكم ؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة؟ وتنجنا من النار؟، قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) رواه مسلم.
وفي الصحيحين وغيرهما عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة،فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى؟ وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك! فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا: يا ربنا فأي شيء أفضل من ذلك؟! قال: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً. اهـ
وقال شيخ الاسلام ابن تيمية: الجنة اسم جامع لكل نعيم، وأعلاه النظر إلى وجه الله، كما في صحيح مسلم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يبيض وجوهنا؟ ألم يثقل موازيننا ويدخلنا الجنة وينجينا من النار؟ قال فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه} وهو الزيادة. اهـ من مجموع الفتاوى .
وقال ابن عاشور في التحرير والتنوير: فإن مدركات العقول منتهية إلى ما تدركه الأبصار من المرئيات من الجمال والزينة، وما تدركه الأسماع من محاسن الأقوال ومحامدها ومحاسن النغمات، وإلى ما تبلغ إليه المتخيلات من هيئات يركِّبها الخيال من مجموع ما يعهده من المرئيات والمسمُوعات مثل الأنهار من عسل أو خمر أو لبن، ومثل القصور والقباب من اللؤلؤ، ومثل الأشجار من زبرجد، والأزهار من ياقوت، وتراب من مسك وعنبر، فكل ذلك قليل في جانب ما أعدّ لهم في الجنة من هذه الموصوفات ولا تبلغه صفات الواصفين؛ لأن منتهى الصفة محصور فيما تنتهي إليه دلالات اللغات مما يخطر على قلوب البشر، فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم «ولا خطر على قلب بشر» وهذا كقولهم في تعظيم شيء: هذا لا يعلمه إلا الله. اهـ

وأما ذكر نعيم أهل الجنة بالنكاح فليس فيه ما يتقزز منه ولا ما يدعو للخيبة، فان أصحاب الفطر السليمة يحبون الشهوات من النساء، كما قال الله تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ {آل عمران:14}. 

وإنما يعاب في المجتمع المسلم البحث عن الشهوات بطريقة محرمة تنتشر فيها الأخلاق السيئة، ولا يعيب الاهتمام بالنكاح المشروع إلا المنحرفون من رهبان النصارى، وقد ثبت في القرآن ذكر جزاء أهل الجنة بالنساء المطهرة والحور العين، وانظر في ذلك الفتوى رقم: 203845، والفتاوى الملحقة بها.

وقد أجبناك في سؤال سابق لك عن  تفسير قوله تعالى : إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ {يس:55}، وذلك في الفتوى رقم: 293299

وأما عن صحة الأحاديث التي ذكرتها في سؤالك:

فالحديث الأول : قد أخرجه ابن ماجه في سننه، وقال عنه الألباني والأرنؤوط: ضعيف جدا.
وأما الحديث الثاني: فهو منكر كما بيناه في الفتوى رقم: 169831.

وأما الحديث الثالث : فقد أخرجه أحمد في مسنده ، وابن حبان في صحيحه، وقال الحافظ الضياء المقدسي: وهذا عندي على شرط مسلم. وقال ابن القيم : إسناد صحيح على شرط الصحيح.

 وأما قولك: (وأيضا ما موقفي من بعض الاجتهادات المستهجنة في تفسير كتاب الله؟!) فالشأن هو في طبيعة الاستهجان هذا، هل هو مبني على أصول شرعية؟ أم غير ذلك؟ فالبلاء كله:  في الاستهجان النابع من الأهواء والأذواق والانطباعات الشخصية دون أساس علمي، فهذا النوع من الاستهجان لا دواء له، إلا بإلجام النفس بإرادة الحق والتماس الصواب، والإعراض عن أهواء النفوس وأذواقها، وسلوك المنهجية العلمية الصحيحة في قبول التفاسير وردها.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

عضوية الموقع

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق: