التورية في اليمين عند القاضي
رقم الفتوى: 395383

  • تاريخ النشر:الخميس 29 رجب 1440 هـ - 4-4-2019 م
  • التقييم:
418 0 12

السؤال

أنا شخص متزوج، ومنذ أشهر طويلة أذنبت ذنبًا مع فتاة متزوجة، وكدت أن أصيب حدًّا من حدود الله، ولكن الله سلّم، فقد احتضنتها، وقبّلتها بموافقتها، دون وطء؛ وذلك بسبب الاستهتار، والاختلاط، وكثرة المزاح بالكلام، وتذكرت الله فورًا، وتعاهدت وإياها على التوبة، وعدم الرجوع لذلك الفعل مطلقًا، ونصحتها ألا تفعل ذلك مع أحد، وتبين لي أنها تفعل ذلك مع الآخرين، وأنا الآن في خوف شديد، وأصبح عندي وسواس بأنها يومًا ما سينكشف أمرها، وقد تذكرني من ضمن ماضيها السيء، وأني قد أعرض على القاضي أو الحاكم، فهل يجوز لي -إن استحلفني القاضي، أو الحاكم- أن أستر على نفسي، لو قامت بفضحي أمامه؟ وقد قرأت بأنه لا يورِّي بحلفه أمام القاضي أو الحاكم إلا من كان مظلومًا، فهل أعتبر مظلومًا، إن صحّت توبتي؟ وهل لها حقّ عندي؟ مع إني -واللهِ- أدعو لها بالهداية في صلاتي، وتصدّقت عنها، وصرت لها من الناصحين.
أتمنى أن تفيدوني، فأنا لا أنام ولا أصحو إلا على ضيق في صدري، وشعور بتأنيب ضمير كبير، ومخافة من الله، ولا أستطيع النظر في وجه زوجتي، وأنا -مع الأسف- بُحْت لزوجتي ببعض ما حصل مني. بارك الله فيكم.

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

فما حدث منك مع هذه المرأة، لهو خير دليل على حكمة الشرع في التحذير من فتنة النساء، ففي الحديث الذي رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء. وفي الحديث المتفق عليه عن أسامة بن زيد -رضي الله عنهما-، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما تركت بعدي فتنة أضرّ على الرجال من النساء.

وحقيقة هذا الذي أطلقت عليه أنه استهتار، ومزاح، واختلاط هو الذي يقود لمثل هذا، وربما إلى الوقوع في الفاحشة؛ ولذلك نهى الله عز وجل عن وسائله؛ لأنها بريد إليه، قال تعالى: وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا {الإسراء:32}، قال الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسيره: والنهي عن قربانه أبلغ من النهي عن مجرد فعله؛ لأن ذلك يشمل النهي عن جميع مقدماته، ودواعيه، فإن: "من حام حول الحمى، يوشك أن يقع فيه"، خصوصًا هذا الأمر الذي في كثير من النفوس أقوى داع إليه. اهـ. وراجع لمزيد الفائدة الفتوى:340240.

وقد أحسنت بإقبالك على التوبة، ودعوة هذه المرأة إليها، وإننا لنرجو أن يكون لك بسبب هذه التوبة العفو، والستر من الله عز وجل في الدنيا والآخرة، فلا يفضحك بين عباده.

ونرجو أن لا تسترسل مع هذه الوساوس، وأن لا تلتفت إليها، وإذا وسوس لك الشيطان بأنها يمكن أن تفضحك، فحدّث نفسك أنها قد لا تفعل حتى لا تفضح نفسها، وبدلًا من الانشغال بالوساوس، عليك بالتوجه إلى ربك، وسؤاله العافية، وهنالك أدعية تتعلق بذلك، ضمناها الفتوى: 221788.

وتجوز التورية عند القاضي، إذا لم تكن في أمر تعلق به حق للمخلوق، وتمنع فيما تعلق بحق للمخلوق؛ للحديث الذي رواه مسلم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك. وفي رواية: اليمين على نية المستحلف. قال النووي -رحمه الله-: هذا الحديث محمول على الحلف باستحلاف القاضي، فإذا ادّعى رجل على رجل حقًّا، فحلفه القاضي، فحلف، فنوى غير ما نوى القاضي، انعقدت يمينه على ما نواه القاضي، ولا تنفعه التورية، وهذا مجمع عليه. اهـ.

فدل ذلك على ما ذكرنا من أن المنع فيما يكون فيه هضم لحقوق الآخرين، فيبقى ما لم يتعلق به شيء من حقوقهم على الجواز، ولهذا أجازوا للمظلوم التورية عند القاضي؛ لاستخلاص حقه، كما هو مبين في الفتوى: 348256.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

عضوية الموقع

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق:

 
 

الأكثر مشاهدة