الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

التباس الحق بالباطل في أمور الدين.. الأسباب.. والعلاج
رقم الفتوى: 53350

  • تاريخ النشر:الثلاثاء 30 رجب 1425 هـ - 14-9-2004 م
  • التقييم:
4222 0 303

السؤال

يا شيخ من فضلك وأسألك بالله يا شيخ تساعدني حتى تمر محنتي، يا شيخ أنا تلبس علي الحق بالباطل، ولكن الحمد لله لم يسيطر علي الباطل فأنا ما زلت أنطق بالشهادة، ولكن يا شيخ الحق لم يستقر بداخلي على الرغم من أني أعرفه ولكن جهلي كبير، منذ البداية كنت أود أن أعرف ديني لنفسي وأبلغ به غيري، ولكن تعرفت على بعض الإخوان الذين ينسبون إلى جماعة التبليغ والدعوة فجعلوا اهتمامي كله بالتبليغ أولاً فبدأت أقرأ أهتم بالظاهر دون الباطن حتى ضاع الإخلاص تكلبت علي الشياطين حتى شككوني في كل ما حولي وبدأت أقتني كتب العقيدة حى أتعلم من جديد وأبدأ واشتريت كتاب عقيدة المؤمن لسماحة الشيخ الوالد أبو بكر جابر الجزائري وبدأت أتعلم ولكن سرعان ما يذهب عني هذا العلم، وتأتيني الشبه من كل مكان وقرأت في الفلسفة حتى كدت أن أفقد عقلي، ولكن كلما توصلت إلى دليل ينشرح به صدري، كنت أخشى النوم فكنت أنام وأستيقظ ولم يبق في ذهني إلا الشبه والهواجس ولا أدري ما أفعل، فكلما أبدأ تهجم علي الشبه ولا أستطيع إقامة الصلاة ولا حتى سماع كلام الله على الرغم من أني أعلم أنه كلام الله، ولا أعرف ما هو الدليل الذي أستدل به، ولكن الحمد لله فأنا ما زلت أنطق بالشهادة، وأعلم أن هذا من رحمة ربي بي ولكن شككوني في كل شيء ونفسي أعود إلى ما كنت عليه من الإيمان والعمل الصالح ولكني يمنعني شيء بداخل نفسي، وكلما تعلمت مسألة لا تستقر بعقلي، فماذا أفعل فإني والله أخشى أن يتوفاني الله وأنا على مثل هذا، أرجو المساعدة وكان الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه؟

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فإن التباس الحق بالباطل في أمور الدين وخاصة العقيدة يجعل المرء على شفا هلكة إذا لم يتداركه الله برحمته، وهذا الالتباس سببه عدم العلم الشرعي مع الاسترسال في الوسوسة والشكوك وإهمال تزكية النفس وإصلاح القلب والإصغاء إلى شبه المشككين من الفلاسفة ونحوهم.

وهذا كله أنت وقعت فيه! فانشغالك بالدعوة وانقطاعك إليها قبل أن تتضلع من العلم الشرعي الواجب خطأ ومخالفة لهدي القرآن ومنهج السلف، فقد قال الله تعالى لنبيه: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ {يوسف:108}، فقوله: على بصيرة يعني: على بيان وحجة واضحة غير عمياء، كما قال القاضي البيضاوي، وقال القرطبيعلى بصيرة أي: على يقين وحق. انتهى، والحجة الواضحة واليقين لا يتوصل إليهما إلا بالعلم. 

وعلى ذلك؛ فإن العمل -ومنه الدعوة إلى الله- يشترط له البصيرة والعلم، ولهذا بوب الإمام البخاري في صحيحه بقوله: باب: العمل قبل القول والعمل. وقد نقل الحافظ الذهبي في السير قول عبد الله بن وهب: كان أول أمري في العبادة قبل طلب العلم، فولع بي الشيطان في ذكر عيسى ابن مريم عليه السلام، كيف خلقه الله تعالى؟ ونحو هذا. فشكوت إلى شيخ، فقال لي: ابن وهب؟! قلت: نعم، قال: اطلب العلم، فكان سبب طلبي العلم. 

ثم إن قراءتك لكتب الفلاسفة لهي من أكبر الخطأ، لأنها من مضلات العقول، وكم أردت من نفوس وأظلمت من قلوب!! فالفلاسفة أصلاً مترددون، شاكُّون، مذبذبون، ولذلك حذر علماء السلف من قراءة كتبهم، فكيف تطلب الحق من خلالهم؟! وانظر الفتوى رقم: 15514 فإن فيها تفصيل أكثر. 

ثم إن خطرات نفسك والوساوس التي تعتريك كان ينبغي أن تقطعها ولا تسترسل معها، فخطرات النفس لم ينج منها أحد -كما قال ابن عباس- وفي الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق الله؟ فمن وجد ذلك فليستعذ بالله ولينته. 

وقال تعالى: وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ {فصلت:36}، وقال أيضاً: وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ* وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ {المؤمنون:97-98}، قال بعض السلف لتلميذه: ماذا تصنع بالشيطان إذا سول لك؟ قال: أجاهده، قال: فإن عاد؟ قال: أجاهده، قال: هذا يطول!! أرأيت لو مررت بغنم فنبحك كلبها ومنعك من العبور، ما تصنع؟ قال: أكايده وأرده جهدي، قال: هذا يطول عليك، ولكن استغث بصاحب الغنم. وانظر الفتوى رقم: 19691 فإن فيها مزيد بيان.

هذا وننصحك -أخي الكريم- بمنهج صحيح تجاه المشتبهات والشبهات، وهو أن تستحضر في قلبك المحكمات والأدلة الواضحات القاطعات المشتهرات، ثم لتعرض أي شبهة تعرض لك عليها، فإنك ستجد هذه الشبه قد سقطت على جدار حصون المحكمات، وستراها قد احترقت تحت ضوء شمس الأدلة الباهرات، وتصبح تلك الشبه -حتى لو لم تجد لها جواباً- كحفنة تراب ألقاها عدو حاقد على جدار حصن عظيم، هل تؤثر فيه شيئاً؟! أما أن تجعل قلبك خلوا من تحصينات المحكمات، فإنه سيكون حينها مستودعاً للمتناقضات، ولن تدوم على عقيدة إلا وقد تحولت عنها إلى غيرها، حقاً كان أو باطلاً، وكأن قلبك حينها قطعة من قطن تمتص كل ما لمسها، صفواً كان أو كدراً، طيباً كان أو خبيثاً.

وعليك كذلك أن لا تهمل تزكية نفسك، فقد قال الله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا {الشمس:9}، واعتن بقلبك وانشغل بعبادة ربك في السر، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم. رواه مسلم. وقال أيضاً: إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب. رواه البخاري ومسلم.

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: في هذا الحديث التأكيد على السعي في صلاح القلب وحمايته من الفساد. 

والله أعلم.  

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

عضوية الموقع

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق: