الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 3 ] بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي خلق خلقه أطوارا ، وصرفهم في أطوار التخليق كيف شاء عزة واقتدارا ، وأرسل الرسل إلى المكلفين إعذارا منه وإنذارا ، فأتم بهم على من اتبع سبيلهم نعمته السابغة ، وأقام بهم على من خالف مناهجهم حجته البالغة ، فنصب الدليل ، وأنار السبيل ، وأزاح العلل ، وقطع المعاذير ، وأقام الحجة ، وأوضح المحجة ، وقال : { هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل } وهؤلاء رسلي { مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } ، فعمهم بالدعوة على ألسنة رسله حجة منه وعدلا ، وخص بالهداية من شاء منهم نعمة وفضلا ، فقيل : نعمة الهداية من سبقت له سابقة السعادة وتلقاها باليمين ، وقال : { رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين } ، وردها من غلبت عليه الشقاوة ولم يرفع بها رأسا بين العالمين ، فهذا فضله وعطاؤه { وما كان عطاء ربك محظورا } ولا فضله بممنون ، وهذا عدله وقضاؤه فلا يسأل عما يفعل وهم يسألون فسبحان من أفاض على عباده النعمة ، وكتب على نفسه الرحمة ، وأودع الكتاب الذي كتبه ، إن رحمته تغلب غضبه ، وتبارك من له في كل شيء على ربوبيته ووحدانيته وعلمه وحكمته أعدل شاهد ، ولو لم يكن إلا أن فاضل بين عباده في مراتب الكمال حتى عدل الآلاف المؤلفة منهم بالرجل الواحد ، ذلك ليعلم عباده أنه أنزل التوفيق منازله ، ووضع الفضل مواضعه ، وأنه { يختص برحمته من يشاء } { وهو العليم الحكيم } ، { وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم } أحمده والتوفيق للحمد من نعمه ، وأشكره والشكر كفيل بالمزيد من فضله وكرمه وقسمه ، واستغفره وأتوب إليه من الذنوب التي توجب زوال نعمه وحلول نقمه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له كلمة قامت بها الأرض والسموات ، وفطر الله عليها جميع المخلوقات ، وعليها أسست الملة ، ونصبت القبلة ، ولأجلها جردت سيوف [ ص: 4 ] الجهاد ، وبها أمر الله سبحانه جميع العباد ; فهي فطرة الله التي فطر الناس عليها ، ومفتاح عبوديته التي دعا الأمم على ألسن رسله إليها ، وهي كلمة الإسلام ; ومفتاح دار السلام ، وأساس الفرض والسنة ، ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة

وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وخيرته من خلقه ، وحجته على عباده ، وأمينه على وحيه ، أرسله رحمة للعالمين ، وقدوة للعالمين ، ومحجة للسالكين ، وحجة على المعاندين ، وحسرة على الكافرين ، أرسله بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا ، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ، وأنعم به على أهل الأرض نعمة لا يستطيعون لها شكورا ، فأمده بملائكته المقربين ، وأيده بنصره وبالمؤمنين ، وأنزل عليه كتابه المبين ، الفارق بين الهدى والضلال والغي والرشاد والشك واليقين ، فشرح له صدره ، ووضع عنه وزره ، ورفع له ذكره ، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره ، وأقسم بحياته في كتابه المبين ، وقرن اسمه باسمه فإذا ذكر ذكر معه كما في الخطب والتشهد والتأذين ، وافترض على العباد طاعته ومحبته والقيام بحقوقه ، وسد الطرق كلها إليه وإلى جنته فلم يفتح لأحد إلا من طريقه ; فهو الميزان الراجح الذي على أخلاقه وأقواله وأعماله توزن الأخلاق والأقوال والأعمال ، والفرقان المبين الذي باتباعه يميز أهل الهدى من أهل الضلال ، ولم يزل صلى الله عليه وآله وسلم مشمرا في ذات الله تعالى لا يرده عنه راد ، صادعا بأمره لا يصده عنه صاد ، إلى أن بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق الجهاد ، فأشرقت برسالته الأرض بعد ظلماتها ، وتألفت به القلوب بعد شتاتها ، وامتلأت به الأرض نورا وابتهاجا ، ودخل الناس في دين الله أفواجا ، فلما أكمل الله تعالى به الدين ، وأتم به النعمة على عباده المؤمنين ، استأثر به ونقله إلى الرفيق الأعلى ، والمحل الأسنى ، وقد ترك أمته على المحجة البيضاء ، والطريق الواضحة الغراء ، فصلى الله وملائكته وأنبياؤه ورسله والصالحون من عباده عليه وآله كما وحد الله وعرف به ودعا إليه وسلم تسليما كثيرا

أما بعد فإن أولى ما يتنافس به المتنافسون ، وأحرى ما يتسابق في حلبة سباقه المتسابقون ، ما كان بسعادة العبد في معاشه ومعاده كفيلا ، وعلى طريق هذه السعادة دليلا ، وذلك العلم النافع والعمل الصالح اللذان لا سعادة للعبد إلا بهما ، ولا نجاة له إلا بالتعلق بسببهما ، فمن رزقهما فقد فاز وغنم ، ومن حرمهما فالخير كله حرم ، وهما مورد انقسام العباد إلى مرحوم ومحروم ، وبهما يتميز البر من الفاجر والتقي من الغوي والظالم من المظلوم ، ولما كان العلم للعمل قرينا وشافعا ، وشرفه لشرف معلومه تابعا ، كان أشرف العلوم على الإطلاق علم التوحيد ، وأنفعها على أحكام أفعال العبيد ، ولا سبيل إلى اقتباس [ ص: 5 ] هذين النورين ، وتلقي هذين العلمين ، إلا من مشكاة من قامت الأدلة القاطعة على عصمته ، وصرحت الكتب السماوية بوجوب طاعته ومتابعته ، وهو الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى ; إن هو إلا وحي يوحى

ولما كان التلقي عنه صلى الله عليه وآله وسلم على نوعين : نوع بواسطة ، ونوع بغير واسطة ، وكان التلقي بلا واسطة حظ أصحابه الذين حازوا قصبات السباق ، واستولوا على الأمد فلا طمع لأحد من الأمة بعدهم في اللحاق ، ولكن المبرز من اتبع صراطهم المستقيم ، واقتفى منهاجهم القويم والمتخلف من عدل عن طريقهم ذات اليمين وذات الشمال ، فذلك المنقطع التائه في بيداء المهالك والضلال ، فأي خصلة خير لم يسبقوا إليها ؟ وأي خطة رشد لم يستولوا عليها ؟ تالله لقد وردوا رأس الماء من عين الحياة عذبا صافيا زلالا ، وأيدوا قواعد الإسلام فلم يدعوا لأحد بعدهم مقالا ، فتحوا القلوب بعدلهم بالقرآن والإيمان ، والقرى بالجهاد بالسيف والسنان ، وألقوا إلى التابعين ما تلقوه من مشكاة النبوة خالصا صافيا ، وكان سندهم فيه عن نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم عن جبريل عن رب العالمين سندا صحيحا عاليا ، وقالوا : هذا عهد نبينا إلينا وقد عهدنا إليكم ، وهذه وصية ربنا وفرضه علينا وهي وصيته وفرضه عليكم ، فجرى التابعون لهم بإحسان على منهاجهم القويم ، واقتفوا على آثارهم صراطهم المستقيم ، ثم سلك تابعو التابعين هذا المسلك الرشيد ، { وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد } ، وكانوا بالنسبة إلى من قبلهم كما قال أصدق القائلين : { ثلة من الأولين وقليل من الآخرين } ثم جاءت الأئمة من القرن الرابع المفضل في إحدى الروايتين ، كما ثبت في الصحيح من حديث أبي سعيد وابن مسعود وأبي هريرة وعائشة وعمران بن حصين ، فسلكوا على آثارهم اقتصاصا ، واقتبسوا هذا الأمر عن مشكاتهم اقتباسا ، وكان دين الله سبحانه أجل في صدورهم ، وأعظم في نفوسهم ، من أن يقدموا عليه رأيا أو معقولا أو تقليدا أو قياسا ، فطار لهم الثناء الحسن في العالمين ، وجعل الله سبحانه لهم لسان صدق في الآخرين ، ثم سار على آثارهم الرعيل الأول من أتباعهم ، ودرج على منهاجهم الموفقون من أشياعهم ، زاهدين في التعصب للرجال ، واقفين مع الحجة والاستدلال ، يسيرون مع الحق أين سارت ركائبه ، ويستقلون مع الصواب حيث استقلت مضاربه ، إذا بدا لهم الدليل بأخذته طاروا [ ص: 6 ] إليه زرافات ووحدانا ، وإذا دعاهم الرسول إلى أمر انتدبوا إليه ولا يسألونه عما قال برهانا ، ونصوصه أجل في صدورهم وأعظم في نفوسهم من أن يقدموا عليها قول أحد من الناس ، أو يعارضوها برأي أو قياس

ثم خلف من بعدهم خلوف فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون ، وتقطعوا أمرهم بينهم زبرا وكل إلى ربهم راجعون ، جعلوا التعصب للمذاهب ديانتهم التي بها يدينون ، ورءوس أموالهم التي بها يتجرون ، وآخرون منهم قنعوا بمحض التقليد وقالوا : { إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون } ، والفريقان بمعزل عما ينبغي اتباعه من الصواب ، ولسان الحق يتلو عليهم : { ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب } ، قال الشافعي قدس الله تعالى روحه : أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس ، قال أبو عمر وغيره من العلماء : أجمع الناس على أن المقلد ليس معدودا من أهل العلم ، وأن العلم معرفة الحق بدليله ، وهذا كما قال أبو عمر رحمه الله تعالى : فإن الناس لا يختلفون أن العلم هو المعرفة الحاصلة عن الدليل ، وأما بدون الدليل فإنما هو تقليد

فقد تضمن هذان الإجماعان إخراج المتعصب بالهوى والمقلد الأعمى عن زمرة العلماء ، وسقوطهما باستكمال من فوقهما الفروض من ورثة الأنبياء ، فإن { العلماء هم ورثة الأنبياء ، فإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ، وإنما ورثوا العلم ، فمن أخذه أخذ بحظ وافر } ، وكيف يكون من ورثة الرسول صلى الله عليه وسلم من يجهد ويكدح في رد ما جاء به إلى قول مقلده ومتبوعه ، ويضيع ساعات عمره في التعصب والهوى ولا يشعر بتضييعه تالله إنها فتنة عمت فأعمت ، ورمت القلوب فأصمت ، ربا عليها الصغير ، وهرم فيها الكبير ، واتخذ لأجلها القرآن مهجورا ، وكان ذلك بقضاء الله وقدره في الكتاب مسطورا ، ولما عمت بها البلية ، وعظمت بسببها الرزية ، بحيث لا يعرف أكثر الناس سواها ، ولا يعدون العلم إلا إياها ، فطالب الحق من مظانه لديهم مفتون ، ومؤثره على ما سواه عندهم مغبون ، نصبوا لمن [ ص: 7 ] خالفهم في طريقهم الحبائل ، وبغوا له الغوائل ، ورموه عن قوس الجهل والبغي والعناد ، وقالوا لإخوانهم : إنا نخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد

فحقيق بمن لنفسه عنده قدر وقيمة ، ألا يلتفت إلى هؤلاء ولا يرضى لها بما لديهم ، وإذا رفع له علم السنة النبوية شمر إليه ولم يحبس نفسه عليهم ، فما هي إلا ساعة حتى يبعثر ما في القبور ، ويحصل ما في الصدور ، وتتساوى أقدام الخلائق في القيام لله ، وينظر كل عبد ما قدمت يداه ، ويقع التمييز بين المحقين والمبطلين ، ويعلم المعرضون عن كتاب ربهم وسنة نبيهم أنهم كانوا كاذبين

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث