الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 2 ] ( بسم الله الرحمن الرحيم ) خطبة الكتاب للمصنف

الحمد لله العلي القادر القوي القاهر الرحيم الغافر الكريم الساتر ذي السلطان الظاهر ، والبرهان الباهر ، خالق كل شيء ، ومالك كل ميت ، وحي ، خلق فأحسن ، وصنع فأتقن ، وقدر فغفر ، وأبصر فستر ، وكرم فعفا ، وحكم فأخفى ، عم فضله ، وإحسانه ، وتم حجته ، وبرهانه ، وظهر أمره ، وسلطانه فسبحانه ما أعظم شأنه ، والصلاة ، والسلام على المبعوث بشيرا ، ونذيرا ، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا فأوضح الدلالة ، وأزاح الجهالة ، وفل السفه ، وثل الشبه : محمد سيد المرسلين ، وإمام المتقين ، وعلى آله الأبرار ، وأصحابه المصطفين الأخيار .

( وبعد ) فإنه لا علم بعد العلم بالله ، وصفاته أشرف من علم الفقه ، وهو المسمى بعلم الحلال ، والحرام ، وعلم الشرائع ، والأحكام ، له بعث الرسل ، وأنزل الكتب إذ لا سبيل إلى معرفته بالعقل المحض دون معونة السمع ، وقال الله تعالى { يؤتي الحكمة من يشاء ، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب } وقيل : في بعض وجوه التأويل هو علم الفقه ، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما عبد الله بشيء أفضل من فقه في دين ، ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد .

وروي أن رجلا قدم من الشام إلى عمر رضي الله عنه فقال : ما أقدمك قال : قدمت لأتعلم التشهد فبكى عمر حتى ابتلت لحيته ثم قال : والله إني لأرجو من الله أن لا يعذبك أبدا .

والأخبار ، والآثار في الحض على هذا النوع من العلم أكثر من أن تحصى ، وقد كثر تصانيف مشايخنا في هذا الفن قديما ، وحديثا ، وكلهم أفادوا ، وأجادوا غير أنهم لم يصرفوا العناية إلى الترتيب في ذلك سوى أستاذي وارث السنة ، ومورثها الشيخ الإمام الزاهد علاء الدين رئيس أهل السنة محمد بن أحمد بن أبي أحمد السمرقندي - رحمه الله تعالى - فاقتديت به فاهتديت إذ الغرض الأصلي ، والمقصود الكلي من التصنيف في كل فن من فنون العلم هو تيسير سبيل الوصول إلى المطلوب على الطالبين ، وتقريبه إلى أفهام المقتبسين ، ولا يلتئم هذا المراد إلا بترتيب تقتضيه الصناعة ، وتوجبه الحكمة ، وهو التصفح عن أقسام المسائل ، وفصولها ، وتخريجها على قواعدها ، وأصولها ليكون أسرع فهما ، وأسهل ضبطا ، وأيسر حفظا فتكثر الفائدة ، وتتوفر العائدة فصرفت العناية إلى ذلك ، وجمعت في كتابي [ ص: 3 ] هذا جملا من الفقه مرتبة بالترتيب الصناعي ، والتأليف الحكمي الذي ترتضيه أرباب الصنعة ، وتخضع له أهل الحكمة مع إيراد الدلائل الجلية ، والنكت القوية بعبارات محكمة المباني مؤيدة المعاني ، وسميته ( الفقه على المذاهب الأربعة ) إذ هي صنعة بديعة ، وترتيب عجيب ، وترصيف غريب لتكون التسمية موافقة للمسمى ، والصورة مطابقة للمعنى وافق شن طبقه وافقه فاعتنقه فأستوفق الله تعالى لإتمام هذا الكتاب الذي هو غاية المراد ، والزاد للمرتاد ، ومنتهى الطلب ، وعينه تشفي الجرب ، والمأمول من فضله ، وكرمه أن يجعله وارثا في الغابرين ، ولسان صدق في الآخرين ، وذكرا في الدنيا ، وذخرا في العقبى ، وهو خير مأمول ، وأكرم مسئول .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث