الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل من تناقض القياسيين مراعاة بعض الشروط دون بعضها الآخر

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ هل يعتبر شرط الواقف مطلقا ؟ ]

فإن قلتم : الواقف لم يخرج ماله إلا على وجه معين ، فلزم اتباع ما عينه في الوقف من ذلك الوجه ، والناذر قصد القربة ، والقرب متساوية في المساجد غير الثلاثة ، فتعين بعضها لغو .

قيل : هذا الفرق بعينه يوجب عليكم إلغاء ما لا قربة فيه من شروط الواقفين ، واعتبار ما فيه قرابة ، فإن الواقف إنما مقصوده بالوقف التقرب إلى الله فتقربه بوقفه كتقربه بنذره ، فإن العاقل لا يبدل ماله إلا لما فيه مصلحة عاجلة أو آجلة ، والمرء في حياته قد يبذل ماله في أغراضه مباحة كانت أو غيرها وقد يبذله فيما يقربه إلى الله ، وأما بعد مماته فإنما يبذله فيما يظن أنه يقرب إلى الله ، ولو قيل له : " إن هذا المصرف لا يقرب إلى الله - عز وجل - أو إن غيره أفضل وأحب إلى الله منه وأعظم أجرا " لبادر إليه ، ولا ريب أن العاقل إذا قيل له : " إذا بذلت مالك في مقابلة هذا الشرط حصل لك أجر واحد ، وإن تركته حصل لك أجران " فإنه يختار ما فيه الأجر الزائد ، فكيف إذا قيل له : " إن هذا لا أجر فيه ألبتة " ؟ فكيف إذا قيل : " إنه مخالف لمقصود الشارع مضاد له يكرهه الله ورسوله " ؟ وهذا كشرط العزوبية مثلا وترك النكاح ، فإنه [ ص: 237 ] شرط لترك واجب أو سنة أفضل من صلاة النافلة وصومها أو سنة دون الصلاة والصوم ، فكيف يلزم الوفاء بشرط ترك الواجبات والسنن اتباعا لشرط الواقف وترك شرط الله ورسوله الذي قضاؤه أحق وشرطه أوثق ؟

يوضحه أنه لو شرط في وقفه أن يكون على الأغنياء دون الفقراء كان شرطا باطلا عند جمهور الفقهاء ، قال أبو المعالي الجويني ، هو إمام الحرمين رضي الله عنه : ومعظم أصحابنا قطعوا بالبطلان ، هذا مع أن وصف الغنى وصف مباح ونعمة من الله ، وصاحبه إذا كان شاكرا فهو أفضل من الفقير مع صبره عند طائفة كثيرة من الفقهاء والصوفية ، فكيف يلغى هذا الشرط ويصح شرط الترهب في الإسلام الذي أبطله النبي صلى الله عليه وسلم بقوله { : لا رهبانية في الإسلام } ؟ .

يوضحه أن من شرط التعزب فإنما قصد أن تركه أفضل وأحب إلى الله ، فقصد أن يتعبد الموقوف عليه بتركه ، وهذا هو الذي تبرأ النبي صلى الله عليه وسلم منه بعينه فقال { : من رغب عن سنتي فليس مني } وكان قصد أولئك الصحابة هو قصد هؤلاء الواقفين بعينه سواء ، فإنهم قصدوا ترفية أنفسهم على العبادة وترك النكاح الذي يشغلهم ، تقربا إلى الله بتركه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم فيهم ما قال ، وأخبر أنه من رغب عن سنته فليس منه ، وهذا في غاية الظهور ، فكيف يحل الإلزام بترك شيء قد أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم أن من رغب عنه فليس منه ؟ هذا مما لا تحتمله الشريعة بوجه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث