الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( 1295 ) فصل : وللسعي إلى الجمعة وقتان : وقت وجوب ، ووقت فضيلة . فأما وقت الوجوب فما ذكرناه ، وأما وقت الفضيلة فمن أول النهار ، فكلما كان أبكر كان أولى وأفضل . وهذا مذهب الأوزاعي ، والشافعي ، وابن المنذر ، وأصحاب الرأي . وقال مالك : لا يستحب التبكير قبل الزوال ; لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " من راح إلى الجمعة " .

والرواح بعد الزوال ، والغدو قبله ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : { غدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها } . ويقال : تروحت عند انتصاف النهار .

قال امرؤ القيس :

تروح من الحي أم تبتكر

ولنا ، ما روى أبو هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ، ثم راح في الساعة الأولى ، فكأنما قرب بدنة ، ومن راح في الساعة الثانية ، فكأنما قرب بقرة ، ومن راح في الساعة الثالثة ، فكأنما قرب كبشا أقرن ، ومن راح في الساعة الرابعة ، فكأنما قرب دجاجة ، ومن راح في الساعة الخامسة ، فكأنما قرب بيضة ، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر } متفق عليه . وفي لفظ : { إذا كان يوم الجمعة وقف على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الأول فالأول ، فإذا خرج الإمام طووا الصحف ، وجاءوا يستمعون } . متفق عليه . وقال علقمة : خرجت مع عبد الله إلى الجمعة ، فوجدت ثلاثة قد سبقوه ، فقال : رابع أربعة ، وما رابع أربعة ببعيد ، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { إن الناس يجلسون من الله عز وجل يوم القيامة على قدر رواحهم إلى الجمعة } . رواه ابن ماجه . وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { من غسل يوم الجمعة واغتسل ، وبكر وابتكر ، كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة ، صيامها وقيامها } . أخرجه الترمذي ، وقال : حديث حسن . رواه ابن ماجه ، وزاد : { ومشى ولم يركب ، ودنا من الإمام فاستمع ولم يلغ . }

قوله " بكر " أي خرج في بكرة النهار ، وهي أوله " وابتكر " بالغ في [ ص: 73 ] التبكير ، أي جاء في أول البكرة ، على ما قال امرؤ القيس :

تروح من الحي أم تبتكر

وقيل : معناه ابتكر العبادة مع بكورة . وقيل : ابتكر الخطبة . أي : حضر الخطبة ، مأخوذ من باكورة الثمرة ، وهي أولها . وغير هذا أجود ; لأن من جاء في بكرة النهار ، لزم أن يحضر أول الخطبة

وقوله : " غسل واغتسل " أي : جامع امرأته ثم اغتسل . ولهذا قال في الحديث الآخر : { من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة } . قال أحمد : تفسير قوله : " من غسل واغتسل " مشددة ، يريد يغسل أهله ، وغير واحد من التابعين : عبد الرحمن بن الأسود ، وهلال بن يساف ، يستحبون أن يغسل الرجل أهله يوم الجمعة ، وإنما هو على أن يطأ وإنما استحب ذلك ليكون أسكن لنفسه ، وأغض لطرفه في طريقه . وروي ذلك عن وكيع أيضا . وقيل : المراد به غسل رأسه ، واغتسل في بدنه . حكي هذا عن ابن المبارك .

وقوله : " غسل الجنابة " على هذا التفسير أي كغسل الجنابة . وأما قول مالك فمخالف للآثار ; لأن الجمعة يستحب فعلها عند الزوال ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبكر بها ، ومتى خرج الإمام طويت الصحف ، فلم يكتب من أتى الجمعة بعد ذلك ، فأي فضيلة لهذا ؟ وإن أخر بعد ذلك شيئا دخل في النهي والذم ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للذي جاء يتخطى الناس : { رأيتك آنيت وآذيت } . أي أخرت المجيء . وقال عمر لعثمان حين جاء وهو يخطب : أي ساعة هذه ؟ على سبيل الإنكار عليه .

وإن أخر أكثر من هذا فاتته الجمعة ، فكيف يكون لهؤلاء بدنة ، أو بقرة ، أو فضل ، وهم من أهل الذم . وقوله : " راح إلى الجمعة " أي : ذهب إليها . لا يحتمل غير هذا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث