الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الأصل في وجوب الزكاة الكتاب والسنة والإجماع

فصل : والأصل في وجوبها الكتاب ، والسنة ، وإجماع الصحابة .

فأما الكتاب فقوله تعالى : وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة ، [ البينة : 5 ] ، وقال تعالى : وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ، [ النور : 56 ] ، واختلف أصحابنا في هذه الآية هل هي مجملة أم لا ؟ فقال أبو إسحاق : مجملة ؛ لأن الزكاة لا تجب إلا في مال مخصوص إذا بلغ قدرا مخصوصا ، والآية لا تتضمن شيئا من هذا ، فعلم أنها مجملة ، وبيانها مأخوذ من جهة السنة ، إلا أنها تقتضي الوجوب ، وقال عدة من أصحابنا : ليست مجملة ، وذلك أن كل ما يتناوله اسم الزكاة فلأنه يقتضي وجوبه ، فإذا أخرج من المال ما يقع عليه اسم الزكاة فقد امتثل الأمر ، والزيادة عليه مأخوذة من السنة ، ويدل على وجوب الزكاة أيضا قوله تعالى : وفي أموالهم حق للسائل والمحروم [ ص: 72 ] ، [ الذاريات : 19 ] ، وقوله تعالى : خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ، [ التوبة : 103 ] ، فقوله تعالى ( خذ ) صريح في الأخذ ، وتنبيه على الوجوب ، وقوله تعالى : في أموالهم حق معلوم ، [ المعارج : 24 ] ، صريح في الوجوب ، وتنبيه على الأخذ ، وقال تعالى : والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم ، [ التوبة : 34 ] ، والكنز من الأموال ما لم تؤد زكاته ، سواء كان مدفونا أو ظاهرا ، وما أدي زكاته فليس بكنز ، سواء كان مدفونا أو ظاهرا هكذا قال الشافعي ، وقد اعترض عليه في هذا التأويل ابن جرير الطبري ، وابن داود الأصبهاني ، فأما ابن داود فقال : الكنز في اللغة هو المال المدفون ، سواء أديت زكاته أم لا ، وهو المراد بالآية .

وأما ابن جرير فقال : الكنز المحرم بالآية ، هو ما لم ينفق منه في سبيل الله سبحانه ، في الغزو والجهاد ، وكلا التأويلين غلط ، وما ذكره الشافعي أصح ؛ لأن الكتاب يشهد له والسنة تدل عليه ، وقول الصحابة يعضده ، فأما ما يشهد من كتاب الله سبحانه ، فما ورد فيه من الوعيد بقوله تعالى : فبشرهم بعذاب أليم ، [ التوبة : 34 ] ، إلى قوله سبحانه : ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون ، [ التوبة : 35 ] ، ولا يجوز أن يكون هذا الوعيد واردا في حرز الأموال ودفنها ، كما قال ابن داود لإباحته ذلك ، ولا في إنفاقها في الغزو والجهاد ، وكما قال ابن جرير ؛ لأن فرضه لم يتعين ، وليس في الأموال حق يجب أداؤه إلا الزكاة فعلم أنه المراد بالآية .

وأما ما يدل عليه من السنة ، فما روى عطاء عن أم سلمة أنها قالت : يا رسول الله إن لي أوضاحا من ذهب أكنزها ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : " كل مال بلغ الزكاة فزكي فليس بكنز ، وما لم يزكه فهو كنز " .

وأما ما يعضده من قول الصحابة رضي الله عنهم ، فما روي عن ابن عمر أنه قال : كل مال لم تؤد زكاته فهو كنز وإن لم يدفن ، وكل مال أدى زكاته فليس بكنز وإن دفن . وروي عن أبي هريرة قال : أيما رجل لا يؤدي زكاة ماله جاء يوم القيامة شجاع أقرع ، يطلب صاحبه ، فيقول : أنا كنزك ، أنا كنزك ، وليس لهما في الصحابة مخالف ، فهذا الذي ذكرنا من الكتاب دال على وجوب الزكاة ، وإن كان ما ورد به الكتاب أكثر مما ذكرنا .

وأما الدلالة على وجوبها من طريق السنة : فما روى عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " بني الإسلام على خمس ؛ شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، وصوم شهر رمضان ، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا " .

[ ص: 73 ] وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " صلوا خمسكم ، وصوموا شهركم ، وأدوا زكاة أموالكم ، وحجوا بيت ربكم تدخلوا الجنة " .

وروى أبو وائل عن ابن مسعود قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله ، إلا مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع يتبعه وهو يفر منه ، حتى يطوقه في عنقه ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ، [ آل عمران : 180 ] ، وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم فأردها في فقرائكم " .

وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أمرت بثلاث : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة " .

وروي أن معاذ بن جبل بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قال : " ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله فإن أجابوك فأعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم " .

وروى ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أيما صاحب إبل أو بقر وغنم لم يؤد زكاتها طرح يوم القيامة بقاع قرقر تنطحه بقرونها وتكأه بأظلافها ، كلما بعدت أخراها عادت عليه أولاها " .

فهذا من طريق السنة .

فأما طريق وجوبها من إجماع الصحابة ، فهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قبر ، واستخلف أبو بكر رضي الله عنه كفر من العرب من كفر ، وامتنع من أداء الزكاة من امتنع ، فهم أبو بكر رضي الله عنه بقتالهم ، واستشار الصحابة فيهم ، فقال له عمر رضي الله عنه : كيف تقاتلهم وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله سبحانه ، قال : فوكز أبو بكر في صدري وقال : وهل هذا إلا حق حقها ، والله لا فرقت بين الصلاة والزكاة وقد جمع الله عز وجل بينهما في كتابه ، ثم قال والله لو منعوني عقالا أو عناقا مما أعطوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه ، قال عمر : وشرح الله تعالى صدري للذي شرح له صدر أبي بكر ، فأجمعت الصحابة معه على وجوبها بعد مخالفتهم له ، وأطاعوه على قتال مانعيها بعد إنكارهم عليه ، فثبت وجوبها بالكتاب والسنة والإجماع .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث