الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب المبادلة بالماشية والصدقة منها

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

مسألة : قال الشافعي ، رضي الله عنه : " ولو أصدقها أربعين شاة بأعيانها فقبضتها أو لم تقبضها ، وحال عليها الحول فأخذت صدقتها ثم طلقها قبل الدخول بها رجع عليها بنصف الغنم وبنصف قيمة التي وجبت فيها ، وكانت الصدقة من حصتها من النصف ولو أدت عنها من غيرها رجع عليها بنصفها : لأنه لم يؤخذ منها شيء ، هذا إذا لم تزد ولم تنقص ، وكانت بحالها يوم أصدقها أو يوم قبضتها منه ولو لم تخرجها بعد الحول حتى أخذت نصفها فاستهلكته ، أخذ من النصف الذي في يدي زوجها شاة ورجع عليها بقيمتها " .

قال الماوردي : وهذا كما قال :

إذا تزوج امرأة وأصدقها أربعين من الغنم فذلك ضربان :

أحدهما : أن تكون موصوفة .

[ ص: 202 ] والثاني : أن تكون عينا حاضرة فإن كانت موصوفة بالذمة ، فلا زكاة على الزوجة ، وإن ملكت جميع الصداق بالعقد ، ولو أصدقها مائتي درهم وكان الزوج مليا بها لزمها الزكاة .

والفرق بينهما : أن السوم شرط في زكاة الغنم لا يصح وجوده في الذمة ، فلم تجب فيها الزكاة ، وليس السوم شرطا في الدراهم فوجبت فيها الزكاة ، وإن كان الصداق عينا حاضرا كأنه أصدقها أربعين بأعيانها فقد ملكتها الزوجة بالعقد ملكا تاما : لأن الزوج قد ملك عليها ما في مقابلته وهو البضع ، فاقتضى أن تملك عوضه ، وإن ملكت جميع الصداق بالعقد ، جرى عليه حكم الزكاة ، واستؤنف له الحول من يوم العقد ، سواء كان في قبض الزوجة أو في يد الزوج .

وقال أبو حنيفة : " لا يلزمها زكاته ما لم تقبضه ، فإذا قبضته استأنفت حوله " وهذا غلط : لأن يد الزوج على الصداق لا يمنع من تصرفها فيه ببيع أو هبة أو غيره كالمقبوض ، فوجب أن لا يمنع وجوب الزكاة كالمقبوض ، فإذا ثبت أن حكم الحول جار على صداقها سواء كان في يد الزوج أو في يدها فما لم يطلقها الزوج فلا مسألة ، وإن طلقها الزوج لم يخل حال طلاقه من أحد أمرين : إما أن يكون قبل الدخول أو بعده ، فإن كان بعد الدخول فلا رجوع له بشيء من الصداق والغنم التي أصدق على ملكها ، وإن طلقها قبل الدخول فله الرجوع بنصف ما أصدق لقوله تعالى : وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم ، [ البقرة : 237 ] ، فإذا وجب له الرجوع بنصف الصداق لم يخل حال طلاقه من أحد أمرين إما أن يكون قبل حلول الحول أو بعده ، فإن كان قبل الحلول فقد ملك الزوج نصف الصداق وبقي لها نصفه ، وبطل حكم ما مضى من الحول إن اقتسما ، ولا زكاة على واحد منهما فيما حصل له من نصف الصداق : لأنه أقل من نصاب ، إلا أن يكون مالكا لهما من النصاب ، وإن لم يقتسمها كانا خليطين في نصاب يزكيانه بالخلطة ، إلا أن حول الزوجة أسبق من حوله فتكون كمن له أربعون شاة أقامت بيده لستة أشهر ثم باع نصفها وقد ذكرناه ، فهذا إن كان طلاق الزوج قبل الحول ، وإن كان طلاقه بعد الحول فقد وجبت زكاة الغنم على الزوجة ، لحلول الحول ، ولا يخلو حالها من ثلاثة أقسام :

أحدها : أن تخرج الزكاة من مالها .

والثاني : أن تخرج الزكاة منها .

والثالث : أن لا تخرج عنها . فالقسم الأول أن تخرج الزكاة من مالها ، والثاني أن تخرج الزكاة منها ، والثالث أن لا تخرج الزكاة من مالها . فللزوج أن يرجع بنصف الأربعين التي أصدق لوجود الصداق بكماله واستحقاقه نصفه بطلاقه ، فإن قيل : فقد استحق المساكين [ ص: 203 ] منها شاة إذا قيل بوجوب الزكاة في العين ، فإذا أعطت بدل تلك الشاة من مالها فقد استحدثت ملكها بغير صداق فلم يكن للزوج الرجوع بنصفها ، كالأب إذا وهب لابنه مالا فباعه ثم ابتاعه لم يرجع الأب به على أحد الوجهين :

قيل : الفرق بينهما أن الأب يرجع بما وهب إن كان موجودا ولا يرجع ببدله إن كان تالفا ، وبيع الابن إتلاف يبطل الرجوع ، وابتياعه استحداث ملك فلم يوجب الرجوع وللزوج أن يرجع بما أصدق إن كان موجودا ، ويبدله إن كان تالفا ، فإذا كانت العين موجودة والرجوع لم يبطل ، كان الرجوع بها أولى من العدول إلى بدلها .

والقسم الثاني : أن تكون الزوجة قد أدت الزكاة منها ، فطلق الزوج وهي تسعة وثلاثون شاة ، ففي كيفية رجوع الزوج ثلاثة أقاويل :

أحدها : أن يأخذ من الموجود بقيمة نصف الأربعين ، وهو الذي نقله المزني في المختصر : لأن الرجوع إلى القيمة طريقه الاجتهاد ، فإذا أمكن الرجوع إلى العين وأخذ نصف الصداق منها فلا معنى للاجتهاد والعدول إلى القيمة .

والقول الثاني : أنه يرجع عليها بنصف الموجود ونصف قيمة الشاة التالفة ، نص عليه في كتاب الزكاة من " الأم " : لأنه لو كان جميع الصداق موجودا رجع بنصفه ، ولو كان تالفا رجع بنصف قيمته ، فوجب إذا كان بعضه موجودا وبعضه تالفا أن يعتبر حكم ما كان موجودا بحكمه على الانفراد فيرجع بنصفه ، وحكم ما كان منه تالفا بحكمه على الانفراد فيرجع بنصف قيمته .

والقول الثالث : أنه بالخيار بين الرجوع بنصف الموجود ونصف قيمة التالف ، وبين أن يعدل عن نصف الموجود ويأخذ نصف قيمة الجميع ، نص عليه في كتاب الصداق ، وإنما كان مخيرا بين ذلك : لأن في رجوعه بنصف الموجود ونصف قيمة التالف تفريقا لصفقته ، فصار ذلك عيبا يثبت به الخيار .

والقسم الثالث : أن تكون زكاتها باقية لم تخرجها بعد فيمنعان من القسمة حتى تخرج عنها الزكاة ، لتعلق حق المساكين بها ، فإن أخرجت زكاتها من غيرها اقتسماها على ما مضى ، فإن أخرجت زكاتها منها كان على ما ذكرناه ، وإن اقتسماها قبل إخراج زكاتها ففي القسمة وجهان مخرجان من اختلاف قوله في الزكاة هل وجبت في الذمة أو في العين ؟

أحدهما : القسمة باطلة ، إذا قيل بوجوبها في العين : لأن المساكين شركاء بقدر الزكاة ، وإذا اقتسم شريكان من ثلاثة لم تصح القسمة ، فعلى هذا يوقف أمرها حتى تؤدى زكاتها ، ويكون الحكم فيها على ما مضى .

[ ص: 204 ] والوجه الثاني : أن القسمة جائزة إذا قيل بوجوب الزكاة في الذمة وارتهان العين بها : لأن الرهن لا يمنع من القسمة إذا لم يكن فيها ضرر بالمرتهن ، فعلى هذا لا تخلو حالهما عند مطالبة الوالي بالزكاة من أربعة أحوال :

إما أن يكون ذلك باقيا في أيديهما جميعا ، أو تالفا منهما جميعا ، أو يكون ما في يد الزوجة باقيا ، وما في يد الزوج تالفا ، أو ما في يد الزوجة تالفا وما في يد الزوج باقيا .

فالحالة الأولى : أن يكون باقيا في أيديهما جميعا ، فيأخذ الوالي الزكاة مما في يد الزوجة دون الزوج : لأن الزكاة عليها وجبت ، فإذا أخذ الزكاة منها استقر ملك الزوج على ما حصل له بالقسمة .

والحالة الثانية : أن يكون ذلك تالفا منهما جميعا ، فأيهما يطالب بالزكاة على وجهين :

أحدها : أن الوالي يطالب الزوجة بها دون الزوج : لأن الوجوب عليها استقر .

والثاني : أن للوالي مطالبة كل واحد منهما : لأن الزكاة وجبت فيما كان بأيديهما ، فإن طالب الزوجة لم يرجع بها على الزوج ، وإن طالب الزوج وأغرمه رجع بها على الزوجة .

والحالة الثالثة : أن يكون ما في يد الزوجة باقيا وما في يد الزوج تالفا فيأخذ الوالي الزكاة مما في يد الزوجة ، ولا مطالبة له على الزوج .

والحالة الرابعة : أن يكون ما في يد الزوجة تالفا ، وما في الزوج باقيا ، فيأخذ الوالي الزكاة مما في يد الزوج : لأنه إذا تعذر أخذ الزكاة ممن وجبت عليه وجب أخذها من المال الذي وجبت فيه ، فإذا أخذ الزكاة مما بيده فهل تبطل القسمة بذلك أم لا ؟ على وجهين : أحدهما : أن القسمة تبطل بذلك : لأن الوالي إنما أخذ ذلك بسبب متقدم فصار قدر الزكاة كالمستحق منها وقت القسمة ، فعلى هذا إذا بطلت القسمة فهو بمثابة وجود الزوج بعض الصداق وعدم بعضه فيكون على الأقاويل الثلاثة .

والوجه الثاني : أن القسمة لا تبطل : لأن الوجوب كان في ذمة الزوجة ، وأخذ الوالي كان بعد صحة القسمة فلم يكن الأخذ الحادث مبطلا للقسمة المتقدمة ، كما لو أتلفت الزوجة شاة فيما حصل في يد الزوج بالقسمة ، فعلى هذا للزوج أن يرجع على الزوجة بقيمة الشاة المأخوذة إن كانت مثل ما وجب عليها ، فإن كان الوالي قد أخذ منه أفضل من الواجب لم يرجع عليها بالفضل الذي ظلمه الوالي به .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث