الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

فخلف من بعدهم أي: المذكورين، وقيل: [ ص: 96 ] الصالحين. خلف أي: بدل سوء، مصدر نعت به. ولذلك يقع على الواحد والجمع، وقيل: هو اسم جمع وهو مراد من قال: إنه جمع وهو شائع في الشر، ومنه سكت ألفا ونطق خلفا، والخلف بفتح اللام في الخير، وادعى بعضهم الوضع لذلك، وقيل: هما بمعنى، وهو: من يخلف غيره صالحا كان أو طالحا، ومن مجيء الساكن في المدح قول حسان:


لنا القدم الأولى إليك وخلفنا لأولنا في طاعة الله تابع

ومن مجيء المتحرك في الذم قول لبيد:


ذهب الذين يعاش في أكنافهم     وبقيت في خلف كجلد الأجرب

وعن البصريين أنه يجوز التحريك والسكون في الردي، وأما الجيد فبالتحريك فقط، ووافقهم أهل اللغة إلا الفراء وأبا عبيدة، واشتقاقه إما من الخلافة أو من الخلوف وهو الفساد والتغير، ومنه خلوف فم الصائم، وقال أبو حاتم: الخلف بالسكون الأولاد الواحد والجمع فيه سواء، والخلف بالفتح البدل ولدا كان أو غريبا، والأكثرون على أن المراد بهؤلاء الخلف الذين كانوا في عصر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وحينئذ لا يصح تفسير الصالحين بمن آمن به عليه الصلاة والسلام، والظاهر أنهم من اليهود، وعن مجاهد أنهم النصارى وليس بذاك. ورثوا الكتاب أي: التوراة، والوراثة مجاز عن كونها في أيديهم، وكونهم واقفين على ما فيها بعد أسلافهم.

وقرأ الحسن: (ورثوا) بالضم والتشديد مبنيا لما لم يسم فاعله، والجملة على القراءتين في موضع الصفة لخلف. وقوله سبحانه: يأخذون عرض هذا الأدنى استئناف مسوق لبيان ما يصنعون بالكتاب بعد وراثتهم إياه، وقال أبو البقاء:

حال من الضمير في ورثوا، واستظهره بعضهم، ويكفي مقارنته لبعض زمان الوراثة لامتداده، والعرض ما لا ثبات له، ومنه استعار المتكلمون العرض لمقابل الجوهر. وفي النهاية: العرض بالفتح متاع الدنيا وحطامها، وقال أبو عبيدة: هو غير النقدين من متاعها وبالسكون المال والقيم، و (الأدنى) صفة لمحذوف أي: الشيء الأدنى، والمراد به الدنيا وهو من الدنو للقرب بالنسبة إلى الآخرة، وكونها من الدناءة خلاف الظاهر وإن كان ذلك ظاهرا فيها لأنه مهموز، والمراد بهذا العرض ما يأخذونه من الرشا في الحكومات وعلى تحريف الكلام. ويقولون سيغفر لنا ولا يؤاخذنا الله تعالى بذلك ويتجاوز عنا، والجملة عطف على ما قبلها، واحتمال الحالية يحتاج إلى تقدير مبتدأ من غير حاجة ظاهرة، والفعل مسند إلى الجار والمجرور، وجوز أن يكون مسندا إلى ضمير يأخذون. وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه في موضع الحال، قيل: من ضمير يقولون، والقول بمعنى الاعتقاد، أي: يرجون المغفرة وهم مصرون على الذنب عائدون إلى مثله غير تائبين عنه، وقيل: من ضمير لنا، والمعنى على ذلك، والأول أظهر، والقول بأن تقييد القول بذلك لا يستلزم تقييد المغفرة به والمطلوب الثاني، والثاني متكفل به لا يخلو عن نظر.

واختار الحلبي والسفاقسي أن الجملة مستأنفة لا لأن الجملة الشرطية لا تقع حالا إذ وقوعها مما لا شك في صحته، بل لأن في القول بالحالية نزغة اعتزالية، ولا يخفى أن الأمر وإن كان كذلك إلا أن الحالية أبلغ لأن رجاءهم المغفرة في حال يضادها أوفق بالإنكار عليهم فافهم. ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أي: الميثاق المذكور [ ص: 97 ] في التوراة: فالإضافة على معنى في. ويجوز أن تكون اختصاصية على معنى اللام، ويؤول المعنى إلى ما ذكره، و (ال) في الكتاب للعهد، وقوله سبحانه: أن لا يقولوا على الله إلا الحق عطف بيان للميثاق، وقيل: بدل منه، وقيل: إنه مفعول لأجله، وقيل: إنه متعلق بميثاق بتقدير حرف الجر، أي: بأن لا يقولوا، وجوز في (أن) أن تكون مصدرية، وأن تكون مفسرة لميثاق؛ لأنه بمعنى القول، وفي (لا) أن تكون ناهية، وأن تكون نافية، واعتبار كل مع ما يصح معه مفوض إلى ذهنك، والمراد من الآية توبيخ أولئك الورثة على بتهم القول بالمغفرة مع إصرارهم على ما هم عليه. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم وبخوا على إيجابهم على الله تعالى غفران ذنوبهم التي لا يزالون يعودون إليها ولا يتوبون منها، وجاء البت من السين؛ فإنها للتأكيد كما نص عليه المحققون، وقد عرض الزمخشري -عامله الله تعالى بعدله- في تفسير هذه الآية بأهل السنة، وزعم أن مذهبهم هو مذهب اليهود بعينه حيث جوزوا غفران الذنب من غير توبة، ونقل عن التوراة: من ارتكب ذنبا عظيما فإنه لا يغفر له بالتوبة، وأنت تعلم أن اليهود أكدوا القول بالغفران، وأهل السنة لا يجزمون في المطيع بالغفران فضلا عن العاصي بما هو حق الله تعالى فضلا عمن عصاه سبحانه فيما هو من حقوق العباد، فالموجبون على الله تعالى وإن كان بالنسبة إلى التائب أقرب إليهم فهل ما ادعاه إلا من قبيل ما جاء في المثل: رمتني بدائها وانسلت. وما نقله عن التوراة إن كان استنباطا من الآية فلا تدل على ما في الكشف إلا على تحريفهم ما في التوراة من نعت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وآية الرجم ونحو ذلك من تسهيلاتهم على الخاصة، وتخفيفاتهم على العامة يأخذون الرشا بذلك، والتقول على الله عظيمة وإن كان قد قرأ التوراة التي لم تحرف وأنها هي تعين الحمل على الشرك بقواطع من كتاب الله تعالى الكريم أو يكون ذلك لهم وهذا لهذه الأمة المرحومة خاصة، وقد سلم هو نحوا منه في قوله سبحانه: يغفر لكم من ذنوبكم وقد أطبق أهل السنة على ذم المتمني على الله.

ورووا عن شداد بن أوس أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله سبحانه».

ومن هنا قيل: إن القوم ذموا بأكلهم أموال الناس بالباطل واتباع أنفسهم هواها وتمنيهم على الله سبحانه، ووبخوا على افترائهم على الله في الأحكام التي غيروها وأخذوا عرض هذا الأدنى على تغييرها فكأنه قيل: ألم يؤخذ عليهم الميثاق المذكور في كتابهم أن لا يقولوا على الله تعالى في وقت من الأوقات إلا الحق الذي تضمنه الكتاب فلم حكموا بخلافه وقالوا: هو من عند الله وما هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا؟ وفيه مع مخالفته لما روي عن الحبر مخالفة للظاهر. وقرأ الجحدري: (أن لا تقولوا) بالخطاب على الالتفات. ودرسوا ما فيه أي: قرؤوه فهم ذاكرون لذلك، وهو عطف على: ألم يؤخذ من حيث المعنى وإن اختلفا خبرا وإنشاء؛ إذ المعنى: أخذ عليهم ميثاق الكتاب ودرسوا ... إلخ، وجوز كونه عطفا على: (لم يؤخذ)، والاستفهام التقريري داخل عليهما وهو خلاف الظاهر أو على: ورثوا، وتكون جملة: (ألم يؤخذ) معترضة وما قبلها حالية أو يكون المجموع اعتراضا كما قيل، ولا مانع منه خلا أن الطبرسي نقل عن بعضهم تفسير درسوا على هذا الوجه من العطف ب تركوا وضيعوا وفيه بعد.

وقيل: إن الجملة في موضع الحال من ضمير يقولوا بإضمار قد أي: أخذ عليهم الميثاق بأن لا يقولوا على الله إلا الحق الذي تضمنه كتابهم في حال دراستهم ما فيه وتذكرهم له وهو كما ترى. وقرأ السلمي: (ادارسوا) بتشديد الدال وألف بعدها، وأصله تدارسوا، فأدغمت التاء في الدال، واجتلبت لها همزة الوصل.

[ ص: 98 ] والدار الآخرة خير للذين يتقون الله تعالى ويخافون عقابه فلا يفعلون ما فعل هؤلاء. أفلا تعقلون فتعلموا ذلك ولا تستبدلوا الأدنى المؤدي إلى العذاب بالنعيم المقيم، وهو خطاب لأولئك المأخوذ عليهم الميثاق الآخذين لعرض هذا الأدنى، وفي الالتفات تشديد للتوبيخ، وقيل: هو خطاب للمؤمنين ولا التفات فيه.

وقرأ جمع بالياء على الغيبة وبالتاء، وقرأ نافع، وابن عامر، وابن ذكوان، وأبو جعفر، وسهل، ويعقوب، وحفص. وهذه الآية ظاهرة في التوبيخ على الأخذ، وجعل بعضهم قوله سبحانه: ألم يؤخذ عليهم إلخ توبيخا على ذلك القول في الآية ما هو من قبيل ما فيه اللف والنشر.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث