الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في ذكر مبطلات الصلاة وسننها ومكروهاتها

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( ولو فعل في صلاته غيرها ) أي غير أفعالها ( وإن كان ) المفعول ( من جنسها ) أي جنس أفعالها التي هي ركن فيها كزيادة ركوع أو سجود وإن لم يطمئن فيه ومنه أن ينحني الجالس إلى أن تحاذي جبهته ما أمام ركبتيه ولو لتحصيل توركه أو افتراشه المندوب كما هو ظاهر لأن المبطل لا يغتفر للمندوب ولا ينافيه ما يأتي في الانحناء لقتل نحو الحية لأن ذاك لخشية ضرره صار بمنزلة الضروري وسيأتي اغتفار الكثير الضروري فالأولى هذا لا التي هي سنة كرفع اليدين ( بطلت إلا أن ينسى ) أو يجهل بأن علم تحريم ذلك وتعمده لتلاعبه بها ومن ثم لم يضر فعله وإن تكرر لنسيان أو لجهل إن عذر بما مر في الكلام [ ص: 151 ] إلا في زيادة لأجل تدارك فيعذر مطلقا لأنها مما تخفى أو لمتابعة الإمام بل تجب حتى تبطل بالتخلف عنه بركنين كما اقتضاه إطلاقهم فيما إذا اقتدى به في نحو الاعتدال لكن لو سبقه حينئذ بركن كأن قام من سجدته الثانية والمأموم في الجلوس بينهما تابعه ولا يسجد لفوات المتابعة فيما فرغ منه الإمام وتسن فيما إذا ركع قبله مثلا متعمدا نعم لا يضر تعمد جلوسه قليلا بأن كان بقدر الجلوس بين السجدتين ، وهو ما يسع ذكره ودون قدر التشهد بعد هويه وقبل سجوده أو عقب سجود تلاوة أو سلام إمام في غير محل جلوسه بخلافه قبل الركوع مثلا فاته بمجرده بل بمجرد خروجه عن حد القيام في الفرض تبطل وإن لم يقم كما يأتي في شرح قوله أو في الرابعة سجد ولا يضر انحناؤه من قيام الفرض وإن بالغ فيه لقتل نحو حية ولو سجد على شيء كخشن أو يده فانتقل عنه لغيره بعد رفع رأسه مختارا له فالذي يتجه ترجيحه أخذا من قولهم السابق .

وإن لم يطمئن بطلان صلاته تحامل بثقل رأسه أم لا لوجود صورة سجود في الكل ، وهو تلاعب وقول بعضهم لا تبطل بسجوده على يده لأنه كلا سجود فهو كما لو قرب من الأرض ثم رفع رأسه قليلا ثم سجد وذلك لا يضر لأنه فعل خفيف إنما يأتي على أحد احتمالي القاضي في المسألة أنه يشترط أن يعتمد على جبهته بثقل رأسه وقد تقرر أن قولهم وإن لم يطمئن يرد هذا الاحتمال ويرجح احتماله الآخر ، وهو البطلان مطلقا والقياس المذكور ليس في محله [ ص: 152 ] لوجود صورة سجوده في مسألتنا بخلاف المشبه به وخرج بقولنا مختارا ما لو أصاب جبهته نحو شوكة فرفع فإنه لا بطلان بل يلزمه العود لوجود الصارف كما عرف مما مر ولو هوى لسجدة تلاوة فله تركه والعود للقيام وبحث الإسنوي أنه لو نسي الركوع فهوى ليسجد ثم تذكره فعاد إليه سجد للسهو إن صار للسجود أقرب لأنه لو تعمده بطلت صلاته وظاهره أنه لا يضر تعمده لذلك حيث لم يصر للسجود أقرب وإن بلغ حد الركوع ووجه بأن الركوع هنا واجب المصلي وقد أوقعه في محله فلم يضر قصد غيره به ومر في مبحث الركوع ما لم يعلم منه أن هذا إنما يأتي على مقابل ما في الروضة السابق اعتماده وتوجيهه ثم بما يعلم منه أنه لا نظر مع صرفه هوي الركوع لغيره إلى وقوعه في محله وخرج بفعل زيادة قولي غير تكبيرة الإحرام والسلام .

( وإلا ) يكن المفعول من جنس أفعالها كضرب ومشي ( فتبطل ) الصلاة ( بكثيره ) في غير صلاة شدة الخوف ونقل السفر وصيال نحو حية عليه كأن حرك يده أو رجله مرات لحاجة وذلك لأنه يقطع نظمها ولا تدعو إليه حاجة غالبة غالبا ( لا قليله ) للأحاديث الصحيحة في ذلك { كحمله صلى الله عليه وسلم أمامة بنت بنته زينب رضي الله تعالى عنهما عند قيامه ووضعها عند سجوده وخلعه نعليه وأمر بقتل الأسودين الحية والعقرب } وإنما أبطل قليل القول لأنه لا يتعسر الاحتراز عنه بخلاف الفعل فعفي عنه عما لا يخل بالصلاة ( والكثرة ) والقلة يعرفان ( بالعرف ) المأخوذ مما ذكر . [ ص: 153 ] في الأحاديث ثم فصل العرف بذكر بعض الصور ليقاس به باقيها .

فقال ( فالخطوتان ) وإن اتسعتا حيث لا وثبة ( أو الضربتان قليل ) عرفا لحديث خلع النعلين نعم لو قصد ثلاثا متوالية ثم فعل واحدة أو شرع فيها بطلت كما يأتي ( والثلاث كثير إن توالت ) اتفاقا وإن كانت بقدر خطوة مغتفرة أو بثلاثة أعضاء كتحريك يديه ورأسه معا بخلاف ما إذا تفرقت بأن عد عرفا انقطاع الثاني عن الأول وحد البغوي بأن يكون بينهما قدر ركعة غريب ضعيف كما في المجموع ولو شك في فعل أقليل هو أو كثير فكالقليل والخطوة بفتح الخاء المرة وبضمها ما بين القدمين وقضية تفسير الفتح الأشهر هنا بالمرة وقولهم إن الثاني ليس مرادا هنا حصولها بمجرد نقل الرجل لأمام أو غيره فإذا نقل الأخرى حسبت أخرى وهكذا ، وهو محتمل وإن جريت في شرح الإرشاد وغيره على خلافه ومما يؤيد ذلك جعلهم حركة اليدين على التعاقب أو المعية مرتين مختلفتين فكذا الرجلان .

التالي السابق


حاشية ابن قاسم

( قوله ومنه أن ينحني ) فيه نظر ( قوله لا التي هي سنة ) عطف على التي هي ركن ( قوله كرفع اليدين ) ينبغي إلا أن يكثر ويتوالى ( قوله بأن علم إلخ ) تفسير للباقي بعد الاستثناء [ ص: 151 ] قوله لأجل تدارك ) يتأمل المراد به والتعليل بالخفاء ( قوله كأن قام من سجدته الثانية ) قال في ش عب ولوأدرك مسبوق السجدة الأولى مع الإمام فأحدث عقبها لم يسجد الثانية على الأصح ؛ لأنه بحدث الإمام صار منفردا فهي زيادة محضة لغير متابعة تعمدها أي مع العلم بمنعها فيما يظهر ا هـ .

( قوله كأن قام من سجدته الثانية ) أو بطلت صلاته بعدها بل هو أولى من ذلك ( قوله في الجلوس بينهما ) ظاهره وإن كان تأخره عنه بتقصير ( قوله أو عقب سجود تلاوة إلخ ) مراد من عبر بقوله أو بعد السجود ( قوله أو سلام إمام في غير محل جلوسه ) تقدم آخر الباب السابق عن م ر أن المعتمد البطلان بزيادة هذا الجلوس على قدر طمأنينة الصلاة .

( قوله بخلافه ) أي تعمد الجلوس ( قوله فانتقل عنه لغيره إلخ ) يفهم أنه لو لم ينتقل بل جر يده حتى وصلت جبهته للأرض أو انتقل بدون رفع رأسه لم يضر ، وهو ظاهر وظاهر ذلك أنه لا فرق في عدم الضرر بين طول زمن سجوده على يده قبل الجر والانتقال وبين عدمه وفيه نظر إذا كان بقدر الجلوس المبطل قبل السجود فليتأمل ثم رأيت في شرح العباب ما يوافق ما استظهرته أولا وسيأتي ( قوله تحامل بثقل رأسه أم لا ) في كنز الأستاذ البكري ما نصه ولو سجد على خشن فرفع رأسه لئلا ينجرح ثم سجد ثانيا لم تبطل وإن تحامل على الأوجه إذا لم يوجد تكرير السجود ، وكذا لو سجد على يده ثم رفعها ووضع الجبهة على الأرض وقوله وإن تحامل أي ولم يطمئن وإلا حصل السجود فلا يعود إلا لتحصيل الرفع الواجب لانصرافه بقصد الفرار عن الانجراح وقوله وكذا لو سجد على يده إلخ قد علمت مخالفة الشارح فيه ( قوله إنما يأتي ) في الحصر نظر وقوله إنه يشترط اعتمده م ر .

( قوله يرد هذا الاحتمال ) في رده له نظر ؛ لأنه يمكن تحقق الاعتماد المذكور بدون [ ص: 152 ] طمأنينة ثم رأيته في شرح العباب ذكر ما يوافق هذا النظر فقال وللقاضي احتمالان فيمن سجد على خشن فرفع رأسه ثم سجد ثانيا ويتجه منهما أنه إن تحامل بثقل رأسه بطلت صلاته ؛ لأنه زاد سجودا غير محتاج إليه إذ يمكنه الزحف بجبهته قليلا من غير رفع رأسه ومن ثم لو لم يمكنه ذلك أو رفع من غير تعمد فلا بطلان بل يلزمه العود حيث وجد صارف ا هـ .

( قوله لوجود إلخ ) قد يدفعه قوله كلا سجود ( قوله فرفع ) إن كان هذا الرفع بعد سجود مجزئ بأن تحامل واطمأن فقد حصل السجود ووجوب العود حينئذ ليس لتحصيل السجود بل لتحصيل الرفع منه ؛ لأن الرفع انصرف عن الواجب بقصد الفرار من أذى الشوكة وإن كان هذا الرفع قبل سجود مجزئ بأن رفع قبل التحامل أو الطمأنينة فإن كلا منهما ينفصل عن الآخر فقد توجد الطمأنينة بلا تحامل والتحامل بلا طمأنينة كما أن السجود بمعنى وضع الجبهة ينفصل عنهما إذ يمكن حصوله بدونهما كان وجوب العود حينئذ لتحصيل السجود فلا بد من وضع الجبهة مع التحامل والطمأنينة ( قوله لأنه لو تعمده ) لا يخفى أن المراد هنا بالتعمد أن يتعمد الإتيان به في غير محله ؛ لأن هذا هو المبطل فقوله وظاهره أنه لا يضر تعمده لذلك لا يفهم منه إلا أن تعمد الإتيان بذلك في غير محله لكن هذا لا يوافق قوله ووجه إلخ بل ذلك التوجيه إنما يناسب من قصد السجود لظنه أنه ركع ثم بان أنه لم يركع فليحرر ( قوله على مقابل ما في الروضة ) فعلى ما في الروضة إذا تذكر عاد إلى القيام ؛ لأن الهوي بقصد السجود لا يقوم مقام هوي الركوع ( قوله فتبطل بكثيره ) وظاهر أنه يحصل البطلان بمجرد الشروع في الفعل المحقق للكثرة كتحريك الرجل للخطوة الثالثة ما لم يقصد الكثير ابتداء فتبطل بالشروع فيه كالشروع في الخطوة الأولى من ثلاث خطوات متوالية قصدها ابتداء .

( قوله نحو حية ) أي توقف دفعها عليه م ر ( قوله لا قليله ) قال في الروض والقليل مكروه [ ص: 153 ] لا في مندوب كقتل حية وعقرب ا هـ . وقوله والقليل قال في شرحه أي من الفعل الذي يبطل كثيره إذا تعمده بلا حاجة ( قوله نعم لو قصد ثلاثا متوالية إلخ ) قال في شرح العباب وتردد الزركشي فيما لو نطق بحرف غير مفهم ونوى النطق بأكثر قال إلا أن يفرق بأن الفعل أغلظ ا هـ . والفرق أوجه ا هـ ما في العباب والأوجه عدم الفرق على أنه قد يرد على إطلاق دعوى أن الفعل أغلظ أن النطق أضيق في هذا الباب من وجه بدليل البطلان بتعمد قليله دون قليل الفعل فإن تعمد الحرفين مبطل دون تعمد الفعلين فليتأمل ( قوله بمجرد نقل الرجل لأمام أو غيره ) ينبغي فيما لو رفع رجله لجهة العلو ثم لجهة السفل أن يعد ذلك خطوتين م ر .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث