الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( فرع ) قال القرافي : أفضل أركان الحج الطواف لأنه مشتمل على الصلاة وهو في نفسه شبيه بها والصلاة أفضل من الحج فيكون أفضل الأركان فإن قيل قوله صلى الله عليه وسلم { الحج عرفة } يدل على أفضلية الوقوف على سائر الأركان لأن تقديره معظم الحج وقوف عرفة لعدم انحصاره أي الحج فيه بالإجماع قلنا : بل مقدر غير ذلك وهو إدراك عرفة وهو مجمع عليه انتهى .

( فرع ) قال في المدونة : قال ابن القاسم : والطواف للغرباء أحب إلي من الصلاة ولم يكن مالك يجيب في مثل هذا وفي الرسالة : والتنفل بالركوع لأهل مكة أحب إلينا من الطواف ، والطواف للغرباء أحب إلينا من الركوع لقلة وجود ذلك لهم وهذا لمالك في الموازية قال القاضي عبد الوهاب في شرح الرسالة : فذكر - رحمه الله - العلة في الفرق بينهما وهي أن أهل مكة مقيمون فلا يتعذر عليهم الطواف أي وقت أرادوه فكان التنفل بالصلاة أفضل لأنها في الأصل أفضل من الطواف والغرباء بخلاف ذلك لأنهم يرجعون لأوطانهم فلا يتمكنون من الطواف فكان الطواف أفضل لأنه يخاف على فواته انتهى .

وقال الشيخ يوسف بن عمر : وهذا في الموسم لئلا يزاحموا الغرباء في الطواف والغرباء من ليس بمكة انتهى . وقال ابن ناجي : قال الفاكهاني : تعليله بقلة وجود ذلك للغرباء فيه نظر لأن التنفل بالصلاة أفضل من التنفل بالطواف ولذا كانت الصلاة لأهل مكة أفضل من الطواف وإذا كان كذلك فينبغي أن لا يفرق بين الغرباء وأهل مكة إذ المحافظة على الأفضل أولى من المحافظة على المفضول لا سيما على القول بمساواة النفل للفرض في الفضل انتهى . فحاصله أن التنفل بالصلاة أفضل من التنفل بالطواف وإن ورد في بعض الأحاديث ما يقتضي خلاف ذلك وقال به بعض العلماء كما ذكره المحب الطبري في القربى وغيره ولكن لا ينبغي للإنسان أن يخلي نفسه من الطواف في كل يوم فقد قيل من الحرمان أن يقيم الإنسان بمكة يمضي عليه يوم بلا طواف وقد ورد فيه فضل كبير فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { : من طاف بهذا البيت يحصيه كتب له بكل خطوة حسنة ومحيت عنه سيئة ورفعت له درجة وكان له عدل رقبة } أخرجه الترمذي وحسنه

ومعنى يحصيه أي يتحفظ فيه لئلا يغلط [ ص: 539 ] قاله في شفاء الغرام وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم { : من طاف بالبيت سبعا وصلى خلف المقام ركعتين وشرب من ماء زمزم غفر الله ذنوبه كلها بالغة ما بلغت } أخرجه أبو سعيد الجندي ذكره في القربى وفيه أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { : من طاف بالبيت خمسين مرة خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه } أخرجه الترمذي وقال : حديث غريب قال البخاري : وإنما يروى عن ابن عباس والمراد - والله أعلم - خمسون أسبوعا يدل عليه ما روي عن سعيد بن جبير قال { : من حج البيت وطاف خمسين أسبوعا كان كما ولدته أمه } وكذا روي عن ابن عباس ومثله لا يكون إلا موقوفا وجاء الحديث أيضا خمسين أسبوعا مكان مرة وهذه الرواية في معجم الطبراني ومصنف عبد الرزاق ففيها رد لمن قال : إن المراد بالمرة الشوط قال أهل العلم : وليس المراد أن يأتي بها متوالية بل المراد أن توجد في صحيفة حسناته ولو في عمره كله وعن ابن عباس أيضا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { : ينزل كل يوم وليلة على هذا البيت عشرون ومائة رحمة ستون منها للطائفين وأربعون للعاكفين حول البيت وعشرون للناظرين للبيت وفي رواية ينزل الله على هذا المسجد مسجد مكة كل يوم وقال فيه وأربعون للمصلين } ولا مضادة بين الروايتين لجواز أن يريد بمسجد مكة البيت لقوله تعالى { فول وجهك شطر المسجد الحرام } ويحتمل قسمة الرحمات بينهم وجهين : الأول أن تكون على الرءوس من غير نظر إلى قلة عمل ولا إلى كثرته ويكون لمن كثر عمله ثوابا من غير هذا الوجه ، والثاني وهو الأظهر أن يكون القسم بينهم على قدر الأعمال ويحتمل أيضا أن يكون لكل طائف ستون أو الستون لجميعهم والله أعلم .

قاله في القربى وقد ذكر ابن جماعة - رحمه الله ونقله عنه صاحب شفاء الغرام أن صاحب القربى ذكر أن بعض أهل العلم ذكر أن تعدد الطواف سبع مراتب : الأولى خمسون أسبوعا في اليوم والليلة للحديث المتقدم ، الثانية أحد وعشرون فقد قيل سبع أسابيع بعمرة وورد ثلاث عمر بحجة ، الثالثة أربعة عشر فقد ورد عمرتان بحجة وهذا في غير رمضان لأن العمرة فيه كحجة ، الرابعة اثنا عشر أسبوعا خمسة بالنهار وسبعة بالليل وروي أنه طواف آدم وفعله ابن عمر رضي الله عنهما ، الخامسة سبع أسابيع ، السادسة ثلاثة أسابيع ، السابعة أسبوع واحد والله أعلم ، وأما الطواف والعمرة فنص المحب الطبري على أن اشتغاله بالطواف أفضل من اشتغاله بالعمرة وبه قيد قول الشافعية بأنه يستحب الإكثار منها بأن لا يشغله ذلك عن الطواف ولا يضعفه بحيث يقطعه عن الإكثار منه وعلل ذلك بأن شغل قدر وقت العمرة بالطواف أفضل من شغله بها انتهى . والله - تعالى - أعلم .

ويستحب لأهل مكة والمقيمين فيها أن يتركوا الطواف أيام الموسم توسعة على الحجاج وقد قال في المدخل بعد أن ذكر صفة ما يفعل من أحرم بالحج وأنه يطوف طواف القدوم ثم يسعى ما نصه : فإن كان آفاقيا يستحب له أن يكثر الطواف بالبيت ليلا ونهارا لا يستثنى منه في مذهب مالك إلا وقتان بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب فإنه لا ينبغي لأحد أن يطوف في هذين الوقتين إلا لحاجة تدعوه للطواف في ذلك الوقت لأن من سنة الطواف أن يأتي عقبه بركعتين ويجوز له أن يطوف طوافا واحدا في كل واحد منهما ويؤخر الركوع له إلى بعد طلوع الشمس أو مغيبها وله أن يتصرف في حوائجه وضروراته فإذا فرغ رجع إلى الطواف فإن تعب صلى ركعتين وجلس في موضع مصلاه تجاه الكعبة فحصل له النظر إلى الكعبة وهو عبادة لقوله عليه السلام { النظر إلى البيت عبادة } ويحصل له استغفار الملائكة فإذا ذهب تعبه قام وشرع في الطواف يفعل ذلك إلى اليوم وهذا بخلاف أهل مكة فإن المستحب لهم أن يكثروا من التنفل بالصلاة والفرق [ ص: 540 ] بينهما أن الآفاقي هذه العبادة معدومة عنده فيبغتها بخلاف أهل مكة فإنها متيسرة ثم عليهم طول سنتهم فلا حاجة تدعوهم إلى مزاحمة الناس في الموسم انتهى .

وقد انجر الكلام إلى مسألتين : إحداهما أن المحرم بالحج إذا طاف طواف القدوم وسعى هل يطلب بالطواف والإكثار منه قبل الخروج إلى عرفة أم لا والثانية في بيان الأوقات التي يباح فيها الطواف أو يكره أو يمنع والأليق بالثانية أن يكون الكلام عليها عند قول المصنف وركوعه للطواف بعد الغروب قبل تنفله وأما الأولى فنذكرها ههنا حيث جرى ذكرها في كلام صاحب المدخل وإن كان قول المصنف بعد هذا وكثرة شرب ماء زمزم ونقله أيضا مناسبا لذكرها عنده فنقول الذي ينقله أكثر أهل المذهب أن المحرم يحج إذا فرغ من طواف القدوم والسعي فهو مطلوب بكثرة الطواف كما تقدم في كلام صاحب المدخل وقال ابن الحاج في مناسكه : ثم يعود إلى التلبية بعد فراغه من السعي بين الصفا والمروة ويبقى على حاله من إحرامه متصرفا في حوائجه مجتنبا لما أمر به في إحرامه وليكثر من الطواف في الليل والنهار بلا رمل ولا سعي بين الصفا والمروة ويصلي لكل السبوع ركعتين خلف المقام فإنه يستحب كثرة الطواف مع كثرة الذكر انتهى .

وقال أيضا في مختصر الواضحة في ترجمة العمل في الطواف : فإذا فرغت من السعي بين الصفا والمروة فارجع إلى المسجد الحرام وأكثر من الطواف ما كنت مقيما بمكة ومن الصلاة في المسجد الحرام الفريضة والنافلة انتهى . وهذا صريح في استحباب كثرة طواف له وهو المعروف من المذهب وهو أيضا ظاهر في كلام المصنف في مناسكه لقوله في آخر فصل السعي ثم تعاود التلبية بعد السعي كما تقدم ولتكثر من الطواف في مقامك إلخ والله أعلم

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث