الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

والاستطاعة تنقسم اثني عشر قسما

فصل : قال الشافعي .

والقسم الثاني : أن يكون مستطيعا ببدنه قادرا على المشي عادما للزاد والراحلة ، فهو على ضربين ؛ أحدهما أن يكون من أهل الحرم ، وحاضريه الذين بينهم وبين الحرم دون اليوم والليلة ، فإن وجد الزاد وعدم الراحلة ، وجب عليه الحج ، لأنه لا مشقة تلحقه في مشي هذه المسافة ، فصار كمن سمع أذان الجمعة يلزمه المشي إليها ، وإن عدم الزاد والراحلة جميعا ، فله حالان :

أحدهما : أن يكون ذا صنعة يكتسب بها قدر كفايته ، وكفاية عياله ، ويفضل له مؤونة حجه ، فعليه الحج لأنه يتعلق بما فضل عن الكفاية ، وقد فضل .

والحالة الثانية : أن لا يكتسب بصنعته قدر كفايته ، ومتى اشتغل بالحج أضر بعيلته فلا حج عليه ، ومقامه على عياله أولى لقول النبي صلى الله عليه وسلم كفى المرء إثما أن يضيع من يقوت . والضرب الثاني : أن يكون بعيد الدار ، بينه وبين الحرم مسافة يوم وليلة وأكثر فلا حج عليه ، وهو في الصحابة قول عبد الله بن العباس وعمر بن الخطاب ، وفي التابعين قول سعيد بن جبير والحسن البصري ، وفي الفقهاء قول أبي حنيفة والثوري وأحمد وإسحاق ، وقال مالك : عليه الحج إذا كان مكتسبا إما بصنعة أو مسألة ونحوه ، عن عكرمة وابن الزبير تعلقا بقوله تعالى : وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا [ الحج : 27 ] ، وقرئ ( رجالا ) مشددا أي مشاة ، وله يأتوك معناه ليأتوك رجالا ، فأخبر بإيجاب الحج على المشاة ، والركبان وبقوله تعالى : ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا [ آل عمران : 97 ] وذلك على عموم الظاهر في الاستطاعة ، قالوا : ولأنه فرض على الأبدان يجب على [ ص: 8 ] الأعيان ، فوجب أن لا يكون من شرط وجوبه المال كالصلاة والصيام ، ودليلنا قوله تعالى : ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا [ آل عمران : 97 ] وفيها دليلان :

أحدهما : من جهة الاستنباط .

والثاني : من جهة البيان ، فأما الاستنباط فهو أن الأمر بالعبادة إذا ورد مطلقا كانت القدرة على أدائها شرطا في وجوبها ، فلما ضمنها الله تعالى بالاستطاعة قد علمنا أن وجوبها على غير مستطيع لا يجوز دل على أن انضمام ذلك لفائدة ، وهو الزاد والراحلة ، وأما البيان ، فهو ما روي عن ابن عمر أنه قال : لما نزل قول الله تعالى : ولله على الناس حج البيت ، [ آل عمران : 97 ] ، قام رجل فقال : ما السبيل يا رسول الله ؟ فقال : زاد وراحلة فصار هذا بيانا منه لجملة الاستطاعة ، فإن قيل : إنما سأل الرجل عن استطاعة نفسه قيل : لفظة السؤال تمنع من هذا التأويل ، لأنه قال : ما الاستطاعة ؟ فسأل بالألف واللام ، فذلك إشارة إلى معهود أو مذكور ، والمذكور ما في الآية ، والمعهود استطاعة كل الناس فسقط أن يكون المراد بالسؤال استطاعة السائل ، وروي عن عائشة وابن مسعود رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " السبيل الزاد والراحلة " فكان هذا بيانا لحكم الآية من غير سؤال ، وروي عن علي بن أبي طالب عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من وجد زادا وراحلة وأمكنه الحج فلم يفعل فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا فلما علق الوعيد بالزاد والراحلة ، علم أنه شرط في الوجوب ، وروى محمد بن عباد بن جعفر عن ابن عمر قال : قام رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : ما يوجب الحج . فقال : الزاد والراحلة ، وهذا نص صريح ، ولأنها عبادة تتعلق بقطع مسافة بعيدة ، فوجب أن يكون الزاد والراحلة شرطا في وجوبها كالجهاد ، فأما الجواب عن قوله : يأتوك رجالا [ الحج : 97 ] ، فقراءة شاذة غير مشهورة ، وقراءة الجماعة ( رجالا ) بالتخفيف على أنه يحمل على أهل مكة ، وأما قياسهم على الصلاة ، فالمعنى فيه أنه لا يتعلق بقطع مسافة بعيدة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث