الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

ص ( وندب تتابعه ) ش أي : وندب تتابع [ ص: 135 ] الرمي في الجمار الثلاث ، وظاهر كلامه أن التتابع أي : الفور في رمي الجمار مستحب مطلقا أي : مع الذكر وعدمه ، وهو الذي شهره ابن بشير وحمل أبو الحسن الصغير المدونة عليه ومشى عليه المصنف في توضيحه وجزم به هنا في مناسكه ، وقبل ذلك الشارح في شروحه الثلاثة ، وكذلك البساطي والأقفهسي ، وهو ظاهر المدونة قال في المدونة ويوالي بين الرمي ، ولا ينتظر بين كل حصاتين شيئا قال أبو الحسن الصغير هذا على جهة الأولى والأفضل إلا أنه من شروط صحة الرمي يدل عليه ما يأتي في مسائل النسيان انتهى .

ويشير بمسائل النسيان إلى المسائل التي ذكر المصنف بعضها بعد قوله : وندب تتابعه قال في المدونة : فإن ترك رمي جمرة العقبة أو بعضها يوم النحر إلى الليل فليرمها ليلا ، وفي نسيان بعضها يرمي عدد ما ترك ، ولا يستأنف جميع الرمي ، ومن رمى الجمار الثلاث بخمس خمس يوم ثاني النحر ثم ذكر من يومه رمى الأولى بحصاتين ثم الوسطى بسبع ثم العقبة بسبع ، ولا دم عليه ، ولو ذكر من الغد رمى هكذا وليهد على أحد قولي مالك ، ولو رمى من الغد ثم ذكر قبل مغيب الشمس أنه نسي حصاة من الجمرة الأولى بالأمس فليرم الأولى بحصاة والاثنين بسبع سبع ثم يعيد رمي يومه ; لأنه في بقية من وقته ، وعليه دم للأمس ، وإذا ذكر ذلك بعد مغيب الشمس من اليوم الثاني رمى عن أمس ، كما ذكرت ، وعليه فيه دم ، ولم يعد رمي يومه ، وإن لم يذكر ذلك إلا بعد رمي يومين فذكره قبل مغيب الشمس من آخر أيام التشريق رمى الأولى بحصاة والاثنتين بسبع سبع عن أول يوم وأعاد الرمي عن يومه هذا فقط ; إذ عليه رمي بقية يومه ، ولا يعيد رمي اليوم الذي بينهما ; لأن وقت الرمي قد مضى ، وإن ذكر أنه نسي حصاة من أول يوم ، ولا يدري من أي جمرة فقال مالك مرة يرمي الأولى بحصاة ثم يرمي الوسطى والعقبة بسبع سبع ، وبه أقول ثم قال : يرمي كل جمرة بسبع سبع انتهى .

قال في النكت : وفي كتاب الأبهري قال : ومن بقيت بيده حصاة فلم يدر من أي جمرة هي فليرم بها الأولى ثم يرمي الباقيتين بسبع سبع ، وقد قيل : إنه يستأنفهن ، والأولى أحب إلينا وجه قوله : يأتي بحصاة للأولى : جواز أن تكون الحصاة منها ، ولا يصح رمي ما بعدها إلا بتمامها فوجب في الاحتياط أن يجعلها من الأولى ليكون على يقين ، ووجه أنه يستأنفهن : أنه قد انقطع بناء رمي الأولى للحصاة التي بقيت فوجب أن يبتدئ لرميهن كلهن حتى يوالي الرمي انتهى .

ونحوه في ابن يونس ، ونقله أبو الحسن الصغير قال : فهذا يكره النقص على ما تقدم ، وأن الموالاة مطلوبة فيكون في الكتاب قولان انتهى .

وقال ابن بشير : فإن ترك حصاة فلا يخلو أن يذكر موضعها أو يشك ، فإن ذكر موضعها فهل يعيد الجمرة من أصلها أو يكفيه رمي حصاة واحدة ؟ ثلاثة أقوال : أحدها : أنه لا يعيد بل يرمي حصاة واحدة ، وهذا هو المشهور والثاني : أنه يعيد الجمرة من أصلها ، والثالث : إذا ذكرها يوم الأداء أعادها خاصة ، وإن ذكرها في يوم القضاء أعاد الجمرة من أصلها وسبب الخلاف : هل الموالاة في الجمرة الواحدة واجبة أو مستحبة فمن أوجبها أوجب الإعادة للكل ، ومن لم يوجبها اجتزأ برمي ما نسي خاصة ، ومن فرق فلأنه رأى أن حكم القضاء والأداء مختلفان فلا يجتمعان في جمرة واحدة ، وإن لم يدر موضعها فقولان في الكتاب أحدهما أنه يرمي عن الأولى الحصاة ثم يعيد ما بعدها ، والثاني : أنه يرمي عن الجميع ، ولا يعتد بشيء ، وقد تردد أبو الحسن اللخمي ، هل هذا الخلاف يوجب الاختلاف إذا علم موضعها أو يكون هذا بخلاف ذلك ، وهو مقتضى الكتاب ، والفرق : أنه إذا علم الموضع قصد بتلك الحصاة ذلك الموضع ، وأعاد ما بعده ، وإن لم يعلم الموضع فلم تحصل له صورة يعول فيها على الترتيب ، فأعاد الجميع في قول انتهى .

وقال ابن الحاجب : فلو كانت حصاة لم يكتف برمي حصاة على المشهور ، وثالثها : إن كانت [ ص: 136 ] في يوم القضاء اكتفى ، قال في التوضيح : ولو كان المنسي حصاة من إحدى الثلاث ويذكر من يوم أو من الغد لم يكتف برمي حصاة على المشهور بل لا بد من إعادة الجمرة كلها ، وقيل : يكتفي برمي حصاة ويعيد بست في الجمرة الأولى بناء على أن الفور في الجمرة واجب أو مستحب ، وذكر المصنف أن المشهور عدم الاكتفاء ، وفيه نظر فقد صرح الباجي وابن البشير بأن الاكتفاء هو المشهور ، وكذلك قال ابن راشد وغيره ، وبه صدر في الجواهر وقوله : في القول الثالث إن كان يوم القضاء اكتفى عكس المنقول وممن نقل العكس الباجي وابن بشير وابن راشد وابن عبد السلام ، وقد وقع في بعض النسخ إن كان يوم القضاء لم يكتف ، وهو الصواب ، وهو قول ابن القاسم في المدونة ، ووجهه أنه لو قيل : بالاكتفاء في القضاء لزم أن يكون بعض الجمرة أداء ، وبعضها قضاء بخلاف يوم الأداء إذا تقرر ذلك علمت أن الترتيب والفور هنا على العكس من الوضوء ; لأن الترتيب هنا واجب والفور ليس بواجب ، والله أعلم .

انتهى .

كلام التوضيح وجزم بذلك في مناسكه فقال والفور في رمي حصاة الجمرة ليس بواجب انتهى .

إذا علمت ذلك فيتحصل مما تقدم ، ومن كلام صاحب الطراز وابن هارون وابن عبد السلام الآتي في الفور في رمي حصى الجمرة طريقتان الأولى : طريقة ابن بشير وأبي الحسن الصغير والمصنف هنا ، وفي توضيحه ومناسكه أن الفور مستحب مطلقا على المشهور سواء كان ذاكرا أو ناسيا ، وهو ظاهر المدونة من مسائل النسيان التي ذكر المصنف بعضها ويؤخذ أيضا مما ذكره في شرح أول مسألة من البيان عن ابن المواز ونصه : قال ابن المواز : ولو رمى الجمار بحصاة حصاة كل جمرة حتى أتمها بسبع سبع فليرم الثانية بست والثالثة بسبع ، وهو صحيح ; لأن الترتيب يصح له بهذا فلم يعتبر ابن رشد في تصحيح رميه إلا حصول الترتيب لا الفور فتأمله ، والله أعلم .

والثانية : طريقة صاحب الطراز وابن هارون وابن عبد السلام أنه اختلف في الفور ، هل هو شرط مطلقا أو شرط مع الذكر ، وعلى هذه الطريقة ، فلو فرقه عامدا لم يجز باتفاق ، وبذلك صرح ابن عبد السلام فقال : لو فرقه عامدا لم يجزه لاشتراط التتابع في رمي الحصى مع الاختيار باتفاق انتهى .

ونحوه في الطراز ونصه : اختلف في الفور ، هل شرط مطلقا أو شرط مع الذكر ذكره في شرح مسألة المدونة المتقدمة ، ونقله عنه في الذخيرة ونحوه قول ابن هارون في القولة التي قبل هذه حيث قال : وسبب الخلاف ، هل الفور واجب مطلقا مع الذكر ؟ ففهم من كلامهم أنه يتفق على أنه شرط مع الذكر ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث